العنوان دراسة وتفنيد لأسباب الحكم الصادر بإعدام الشهيد الإسلامبولي وإخوته
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 20-أبريل-1982
مشاهدات 61
نشر في العدد 567
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 20-أبريل-1982
الالتماس الأول بإعادة محاكمة الشهيد الإسلامبولي
السيد رئيس جمهورية مصر العربية
السلام عليكم ورحمة الله
يا سيادة الرئيس: من حقك على أمثالنا ممن عاشوا التاريخ وعاصروا الأحداث ومارسوا القانون قرابة نصف قرن أن نعينك على مسؤوليتك بكلمة الحق المخلصة، وشهادة لله وللتاريخ والأجيال، وبعد دراسة متأنية، أقول إن الحكم الذي صدر في قضية الجناية 7 لسنة 1981 أمن دولة عسكرية عليا جانبه الصواب وخالف القانون وبني على إجراءات باطلة وأخل بحقوق المتهمين في الدفاع ولم يحقق لهم عدلًا، على الوجه المبين بالالتماس المرفق، بما يستوجب استهدافًا للحق وتصويبًا لمسار العدل ووصولًا إلى محاكمة عادلة أن تعاد المحاكمة... ولتكن النتيجة بعد ذلك ما تكون... والرئيس السادات اليوم بين يدي الله لا ينفعه ولا يضره إلا ما قدم، والذين اتهموا بقتله، هم ونحن جميعًا، إلى رحيل ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ (الأنبياء: 35).
ونرجو ألا يسجل في تاريخنا مرة أخرى، بعد مرات أليمة، أن المتهمين ذهبوا دون أن يتحقق لهم عدل أو يكتمل لهم دفاع، ثم تزدحم النفوس بالضيق المكبوت والمرارة التي تفرخ بعد ذلك مشاكل عانينا الكثير من أمثالها وما زلنا لليوم نقول: «ما هو السبب؟» والأسباب معروفة ولكنها أهملت من البداية، وكانت تحتاج إلى بعد النظر وشجاعة الرأي وإنفاذ موجبات الحق والعدل.
والله يوفقك
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
9 جمادى الآخرة 1402هـ
4/4/1982م
دكتور عبد الله رشوان
المحامي
مرفق معه أصل التماس إعادة النظر بأسبابه
الالتماس الثاني بإعادة محاكمة الشهيد الإسلامبولي
السيد الرئيس محمد حسني مبارك رئيس جمهورية مصر العربية
السلام عليكم ورحمة الله
يا سيادة الرئيس: إنك تعمل جاهدًا لحل المشاكل التي تعانيها مصر حاليًا، وهي كثيرة، وحتى ينجح الحل لا بد من معرفة أسباب كل مشكلة ومجرياتها ونتائجها ثم علاجها، ومع لزوم ذلك فالأجدر والأولى من الآن أن تتفادى قيام أسباب جديدة لمشاكل جديدة قد تقع بأسبابها ونتائجها إذا أغفلناها.
وبحكم العمر والخبرة والمعاناة والمعاينة والممارسة في مجال القانون والمحاكمات قرابة نصف قرن وبكل الإخلاص لمجتمعنا أقول إن العدل وهو من أقدس حقوق الإنسان وصمام الأمان لحياته كان قد اهتز في بلادنا، بل ضاع في كثير من القضايا ذات الطابع السياسي، ومنها على وجه الخصوص ما يمس النظام والحكام بما يمثل مأساة في تاريخنا وتاريخ العدالة... وكان من أثر ذلك فقدان الثقة عند قطاعات عريضة من شعبنا وشبابنا وجر هذا إلى مشاكل كبيرة ما زالت نتائجها ماثلة لليوم.
وبكل الصدق والإخلاص أقول إننا لا نريد أن يسجل في تاريخنا مرة أخرى، كالمرات السابقة، إن المتهمين في قضية قتل الرئيس السادات ذهبوا مظلومين دون أن يتحقق لهم عدل أو يكتمل لهم دفاع، ثم تدور الأيام وتزدحم النفوس بالضيق والمرارة وتقع المشاكل وتتوالى الأحداث في حلقات مفرغة لا تنتهي مع أن الحل يسير والعلاج هين الآن... وبعد نظرة شاملة ودراسة دقيقة وشهادة ألقى الله عليها أقول: إن الحكم الصادر في هذه الدعوى جانبه الصواب وخالف القانون وأخل بحقوق المتهمين في الدفاع على الوجه الذي بينت بعضه في التماس إعادة النظر الذي قدمته إلى مكتب الطعون في الأحكام العسكرية، ومرفق صورة منه، راجيًا دراسته أيضًا بمكتب سيادتكم.
ويا سيادة الرئيس: ليس الأمر اليوم هو أمر القاتل أو القتيل، فهم جميعًا ونحن أيضًا إلى رحيل، ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ (الأنبياء: 35)، إنما الأمر أمر العدل في بلادنا والاستقرار في حياتنا حالًا ومستقبلًا.
ولهذا أرجو يا سيادة الرئيس أن تأمروا بإعادة المحاكمة، وهو طلب له ما يؤكده قانونًا وما يبرره مصلحة، ولا ضير في ذلك، على الوجه الذي أسلفنا.
وسيادتك الآن بحكم القانون جهة الطعن الوحيدة أمام المتهمين، وإن كان بغير مرافعة، ونرجو أن يتحقق لهم عندك ما فاتهم عند المحاكمة من حقوق جوهرية.
وفقك الله وأعانك على مسؤوليتك وأمانتك.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،،
14 جمادى الآخرة 1402هـ
8/4/1982م
دكتور عبد الله رشوان
المحامي
التماس إعادة نظر
من: الدكتور عبد الله رشوان- المحامي عن المحكوم عليه الملازم خالد أحمد شوقي الإسلامبولي وباقي المحكوم عليهم.
ضد
الحكم الصادر في الدعوى 7 سنة 1981 أمن دولة عسكرية عليا «قضية قتل الرئيس السادات».
بعد دراسة أسباب الحكم المذكور والإجراءات والتحقيقات يتضح أن هذا الحكم بني على إجراءات باطلة وخالف أحكام القانون وأخل بحقوق المتهمين في الدفاع، استنادًا للأدلة الآتية:
رفض المحكمة سماع شهود الدفاع
1) أشار الحكم في صدر حيثياته أن الدفاع عن المتهمين طلب استدعاء: محمد حلمي مراد وعبد العزيز الشوربجي وعبد العزيز محمد وعبد الله رشوان وعمر التلمساني وإبراهيم طلعت ومحمد حسني هيكل لسماع أقوالهم، وقال الحكم: «وقد رفضت المحكمة طلب الدفاع استدعاء هؤلاء الشهود لعدم تعلق الوقائع المطلوب سماع شهادتهم عنها بموضوع الدعوى»، وهذا خطأ قانوني، لأن الوقائع التي كان سيدلي بها هؤلاء الشهود تتعلق بصميم الاتهام وتغير وصفه، لو صحت، من قتل عمد إلى دفاع شرعي استنادًا للمادة 61 من قانون العقوبات التي تقول «لا عقاب على من ارتكب جريمة ألجأته إلى ارتكابها ضرورة وقاية نفسه أو غيره من خطر جسيم على النفس على وشك الوقوع به أو بغيره ولم يكن لإرادته دخل في حلول ولا في قدرته منعه بطريقة أخرى». وهؤلاء الأشخاص الذين طلبهم الدفاع ورفضت المحكمة سماعهم هم ضمن من قبض عليهم مساء 2/9/1981 بمقتضى قرار من الرئيس أنور السادات، ضمن 1526 شخصًا رجالًا ونساء تم التحفظ عليهم دون مبرر ومنهم شقيق المحكوم عليه الأول خالد الإسلامبولي، وهو القرار الذي أعلن الرئيس السادات نفسه في حديثه أمام المجلس الأعلى للصحافة يوم 23/9/1981 أنه يعلم بأنه قرار «غير شرعي» وتأيد هذا -أي عدم مشروعية هذا القرار- بالحكم الصادر من مجلس الدولة أخيرًا، وراح الرئيس السادات في خطاباته في غضون شهر سبتمبر 1981 ومنها خطابه في 5/9/1981 بمجلس الشعب راح يتوعد المتحفظ عليهم بأنه «لن يرحم وإنه سيذبح» وقال عن بعض العلماء منهم إنهم ملقى بهم كالكلاب داخل السجن، وكان هؤلاء المتحفظ عليهم يعاملون فعلًا في ليمان طره بأحط من معاملة الكلاب إذ حشروا في زنازين هي مراحيض وجردوا من كل شيء معهم حتى بطاقاتهم الشخصية وأغلقت عليهم الأبواب لأسابيع طويلة قاسية، وغاب عنهم حتى الماء والطعام في فترات كثيرة، والذي كان يقدم لهم من ذلك في عهد الرئيس السادات تعافه حتى الحيوانات، ومنع عنهم الطعام الخاص من منازلهم وحرموا من زيارات أهلهم أو مراسلتهم، ومنعت عنهم الأوراق والأقلام والكتب والصحف والإذاعة، وعزلوا عن العالم الخارجي تمامًا كسكان القبور، وبات أهلهم في قلق مميت وفزع لمصيرهم المجهول، وأهدرت مصالحهم ومنع عنهم حتى الدواء والعلاج، والمرضى والعجزة والشيوخ والصغار منهم كثيرون، حتى مات بعضهم، ومنهم من كان قبل موته ينزف دمًا ويصرخ ألمًا في زنزانته دون مجير أو مغيث مثل الدكتور محمد محارم... وبالجملة حرموا من كل حقوق الإنسان، لا حرية ولا آدمية ولا حتى حيوانية، ولما ضجوا وانهارت أعصابهم وعلا صراخهم طول الليل بشكل هستيري كالمجانين جاء كبار المسؤولين في السجون ووزارة الداخلية إلى داخل مكان الزنازين المسجون فيها المتحفظ عليهم وقابلوا ثلاثة منهم، مات أحدهم في الليمان بعد ذلك، وكان أحد الثلاثة هو الدكتور عبد الله رشوان، «محرر هذا الالتماس وأحد الذين طلبهم الدفاع لسماع أقوالهم في قضية قتل السادات ورفضت المحكمة ذلك» وشرح الدكتور رشوان للمسؤولين في الاجتماع المذكور المحنة القاسية التي يعيشها المتحفظ عليهم وأنهم معرضون للهلاك وحرموا من كل الحقوق الآدمية بشكل لا يقره شرع أو قانون فضلًا عن ضياع حرياتهم وإهدار مصالح أسرهم وزوجاتهم وأطفالهم وإن مصيرهم إلى هلاك لا محالة، فكان رد كبار المسؤولين في الاجتماع المذكور أنه بخصوص معاملة المتحفظ عليهم فإن أجهزة الداخلية والسجون ليست إلا أجهزة منفذة فقط لتعليمات الجهة الآمرة بالتحفظ «أي بوضوح الرئيس أنور السادات». ولما وصل الحوار إلى هذه النقطة الخطيرة طالب الدكتور عبد الله رشوان بضرورة الإذن له بمقابلة رئيس ا لجمهورية صاحب قرار التحفظ والتعليمات المنفذة له كي يتظلم من هذا القرار ومن المعاملة التي يلقونها في الليمان بما يعرضهم لخطر الهلاك ويبصره بالنتائج التي يمكن أن تترتب على هذه المعاملة القاسية والمهلكة التي خصصت للإسلاميين دون غيرهم، وهنا طلب منه رئيس الاجتماع الرسمي وهو برتبة لواء ومعروف «مدير السجون» أن يكتب طلبًا بذلك للسيد رئيس الجمهورية وإنه أي هذا اللواء سيباشر إرساله إلى مكتب رئيس الجمهورية حيث يعرض عليه هذا الطلب ففعل الدكتور عبد الله رشوان ذلك وسلمه هذا الطلب دون نتيجة من الرئيس السادات، وهنا سدت كل السبل المشروعة لتخليص المتحفظ عليهم مما هم فيه وفيهم صفوة من رجال الإسلام، وكان بينهم شقيق المتهم خالد الإسلامبولي، وقد اعتقل والده بعد ذلك، وهذه النبذة القصيرة تدل بوضوح على أن معاملة المتحفظ عليهم والاعتداء على حريتهم وحرمانهم من الحقوق الآدمية وعدم وجود سبيل لتخليصهم من محنتهم هي من نوع الخطر على النفس الذي يعطي لأي شخص منهم أو من غيرهم حق الدفاع الشرعي والضرورة طبقًا للمادة 61 من قانون العقوبات، وهذا ينطبق على خالد الإسلامبولي وزملائه، وحتى لو لم يكن له شقيق وأصهار بين المتحفظ عليهم، وحتى لو لم يكن الأمر كذلك بصفة كاملة أي إلى حد الإعفاء من العقوبة فلا جدال في أثر ذلك بالنسبة للعقاب، ومع هذا كله فإنه كان من حق المتهمين أن يعرض دفاعهم هذا ويسمع شهودهم عنه أمام المحكمة حتى ولو لم تأخذ به أصلًا بالتبرئة أو تخفيف العقاب، لأنه دفاع جوهري بعد إهداره خطأ يشوب الحكم الصادر ضدهم، وفي هذا تقول محكمة النقض «... إن المحكمة إذا حكمت بإدانة المتهم دون أن تسمع شهوده تكون قد أخطأت وبنت قضاءها على إجراءات باطلة، إذ متى أعلن المتهم بجناية شهود نفي له طبقًا للقانون فإنه يكون له أن يطلب سماعهم ويكون على المحكمة أن تجيبه إلى طلبه...» (مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة النقض، الدائرة الجنائية، في 25 عامًا، الجزء الثاني، ص680 قاعدة 226)، ومن الواضح قانونًا أن هذا حق عام غير مقيد بتسبيب أو بيان ويتعين على المحكمة إذا طلب منها المتهم استدعاء شهود أن تجيبه إلى طلبه، سواء أعلنتهم هي أو كلفت دفاعه بإعلانهم، أما أن تصادر المحكمة حقهم من البداية بعدم سماع شهودهم بمقولة إن شهادتهم لا ترتبط بالدعوى فهذا خطأ قانوني جسيم وإهدار لحق الدفاع ومما يؤكد هذا الحق أن المحكمة أثبتت أن خالد الإسلامبولي برر قتله للرئيس السادات بأسباب منها «القبض على علماء المسلمين دون مبرر» وإنه تبادل الحديث مع المتهم الخامس قبل الحادث بخصوص «ما نزل بالمسلمين» «واستعرضنا سويًا ما يجري بالبلاد من أحداث ومظالم».
رفض طلب الدفاع بسماع شهادة وزيري الخارجية
2) وكذلك أخطأت المحكمة في رفضها سماع السيدين إسماعيل فهمي ومحمد إبراهيم كامل وزيري الخارجية السابقين، وقد استقالا لرفضهما الموافقة على سياسة الرئيس السادات بالنسبة لإسرائيل وهذه السياسة هي من الأمور المصيرية التي تخص جميع المصريين ومنهم المتهمون بقتل السادات. وكان من حقهم أن يسمع شاهداهما المذكوران إذ أن الوقائع الخاصة بهما وموقف السادات من إسرائيل هي من مبررات القتل لدى خالد الإسلامبولي الذي أثبتت المحكمة عنه في حيثياتها أنه برر القتل بأسباب منها «الصلح مع اليهود» وبالتالي فإن من حق هذا المتهم وجوهريات دفاعه أن تسمع المحكمة شاهديه وزيري الخارجية اللذين شاركا السادات المسؤولية واعترضا على صلحه مع اليهود حتى وإن كانت المحكمة لا تأخذ بمضمون الشهادتين، أما أن تصادر المحكمة هذا الحق وتصم أذنيها من البداية عن سماع هذين الشاهدين الجوهريين بمقولة إن شهادتهما لا ترتبط بموضوع الدعوى فهذا خطأ جسيم لا يقره القانون ولا مبادئ القضاء التي قررتها محكمة النقض على الوجه الذي بيناه.
رفض سماع علماء المسلمين
3) وكذلك الحال بالنسبة لطلب الدفاع سماع شهادة بعض علماء المسلمين المشايخ جاد الحق علي وزكريا البري وعبد الرحمن بيصار ومحمد متولي الشعراوي وأحمد المحلاوي وصلاح أبو إسماعيل وحسنين مخلوف وموسى شاهين وعبد العزيز بن عبد الله بن باز، فقد رفضت المحكمة سماع شهادتهم، وعللت هذا الرفض بالاكتفاء برد المفتي على «فكر المتهمين» وبأنها لو أجابت المتهمين لطلبهم لوجب عليها إعلان جميع علماء المسلمين، وهذا خطأ أساسي جسيم إذ ظنت المحكمة أن الأمر يقتصر على «فكر المتهمين» مع أن هؤلاء العلماء كانت شهادتهم ستنصرف لا إلى فكر المتهمين فقط، بل إلى موقف الرئيس السادات نفسه من تطبيق مبادئ الإسلام وتنفيذ الشريعة الإسلامية وعن حكم استهزائه بأمور معلومة من الدين بالضرورة كحجاب المرأة الذي وصفه بالخيمة ومشيرًا للسخرية والاستهزاء به وأضحك الحضور عليه في لقائه مع أساتذة جامعة عين شمس، وكذلك تصميمه على فصل الدين عن السياسة وإعلانه في حديثه للإذاعة المرئية «التلفزيون» ومرارًا أنه يتخذ من كمال أتاتورك قدوة له، وما حدث في حفلات الرقص في أمريكا وعقب توقيع المعاهدة مع إسرائيل، مما هو معلوم، وكذلك بقاء الخمر والميسر والربا وبعض صور الزنا في النصوص المعمول بها وفي حياة الناس، اكتفاء بمجرد شعار في الدستور يقول بأن الإسلام دين الدولة والشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي... وكذلك الموقف مع اليهود والفتوى الصادرة عن ذلك من هيئة كبار العلماء في مصر أول عام 1956 واضطهاده لأئمة المساجد وتنكيله بعلماء المسلمين وضمه المساجد للحكومة ومصادرة أموالها... كل هذا وغيره كان سيسأل عنه هؤلاء الشهود العلماء الذين طلبهم الدفاع وهو ما يتعلق أصلًا بموضوع الدعوى والقصد الذي من أجله قتل المتهمون الرئيس السادات... وما يؤكد هذا أن ذات الحكم المطعون فيه قرر في حيثياته أن المتهم الأول خالد الإسلامبولي قال إنه «ارتكب ما ارتكبه لعدم تطبيق شريعة الله والصلح مع اليهود والقبض على علماء المسلمين دون مبرر»، ولهذا كان حتمًا على المحكمة أن تسمع شهود هذا المتهم وغيره المتعلقة بهذا الدافع الذي هو صلب الاتهام، حتى ولو لم تأخذ المحكمة بمضمون هذه الشهادات، أما أن تصم أذنيها من البداية عن سماع هؤلاء الشهود وترفض أصلًا استدعاءهم أو حتى التصريح للدفاع بإعلانهم للشهادة فإن هذا يعد خطأ قانونيًّا جسيمًا، يضاف إليه خطأ المحكمة في ظنها أن هؤلاء العلماء طلبوا لمجرد سماع رأيهم «فكر المتهمين» حسب قولها، ومع القانون فإن مبادئ القضاء لا تجيز هذا الموقف من جانب المحكمة كما بينا، فلا رفض المحكمة ولا تبريرها له مقبول من أساسه.
رفض سماع شهادة زوجة السادات عن معلوماتها حول الاغتيال
4) وقالت المحكمة في حيثيات حكمها: إن الدفاع طلب إعلان السيدة جيهان السادات لسماع شهادتها عما سبق أن صرحت به من «تحذيرها للرئيس الراحل من احتمال اغتياله وعدم اهتمامه بذلك التحذير» وقالت المحكمة: إنها رفضت هذا الطلب كغيره لعدم تعلق وقائع هذه الشهادة بموضوع الدعوى، وهذا خطأ من جانب المحكمة لأن الوقائع تشير إلى أن طلقات المتهمين جاءت للرئيس السادات من أمام، وثابت من التقارير الطبية أنه وجدت به إصابات من الخلف وهذا يدل على أن هناك من أطلق عليه رصاصات من الخلف، وكان من اللازم معرفة هؤلاء الذين أطلقوا هذه الرصاصات، وكانت شهادة السيدة جيهان السادات ستوضح للمحكمة مصدر معلوماتها عن احتمال اغتيال زوجها ومن هم الذين كانوا ينوون ذلك وربط هذا كله بالتحري عن الشخصيات المتواجدة في منصة العرض وإلى الخلف من الرئيس وقت الحادث... وغير هذا من الوقائع الجوهرية أو على الأقل الشبهات التي كانت ستنير طريق العدالة... ولكن المحكمة أغلقت هذا الباب من أصله ورفضت طلب المتهمين وهو ما يعد إخلالًا خطيرًا بدفاعهم بما لا يجيزه القانون.
رفض سماع شهادة أقرب الناس للحادث
5) وكذلك رفضت المحكمة طلب الدفاع سماع شهادة السيد وزير الدفاع والسيد رئيس الجمهورية «الحالي» بمقولة: إنها سمعت غيرهما عن الواقعة بما يكفي، وهذا خطأ قانوني لأن السيدين المطلوبين كانا أقرب الناس للحادث فقد كانا على يمين ويسار الرئيس السادات مباشرة وأقدر من غيرهما على تحديد الواقعة والضاربين، هذا فضلًا عن أن الدفاع طلبهما كشاهدي نفي لا إثبات، على الأقل بخصوص قصد المتهمين ونيتهم فيمن يستهدفونه حيث نسب لهم قتل الآخرين غير الرئيس السادات، عمدًا، والشروع في قتل البعض الآخر وكذلك لتحديد من الذي أطلق النار مباشرة على الرئيس السادات من بين المتهمين وهل طلب أحد المتهمين منهما الابتعاد وقت إطلاق النار؟ ولم يكن من حق المحكمة قانونًا أن ترفض سماعهما من البداية وبحجة غير صحيحة. وخلاصة رأي محكمة النقض في هذا الشأن أن «رفض المحكمة طلب المتهم مناقشة الشاهد الغائب الذي شاهد الحداث استنادًا إلى وضوح الواقعة يعد إخلالًا بحق الدفاع» (مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة النقض، الدائرة الجنائية، في 25 عامًا، الجزء الثاني ص646 القاعدة 243).
رفض سماع شهادات جوهرية عن موقف السادات من إسرائيل
6) وبالمثل طلب الدفاع سماع شهادة الدكتور أسامة الباز والدكتور عبد الله رشوان والأستاذ/ عبد العزيز الشوربجي ورفضت المحكمة طلبهم مع أن شهادتهم جوهرية ومتعلقة بموقف الرئيس السادات من إسرائيل والمعاهدات معها على الوجه الذي جرى في حوار عام تم بدار القضاء العالي يوم 21/4/1981... وهذا الرفض يعد خطأ على الأساس الذي شرحناه في البنود السابقة.
سرية المحاكمة تعد على الشعب المصري وعلى سلامة القضاء
7) الشعب المصري هو صاحب الحق في سلامة القضاء في مصر وباسمه تصدر الأحكام طبقًا للقانون ونص الدستور القائم. وهذا الشعب هو صاحب الحق في مراقبة سير العدالة وسلامة الأحكام في بلده، وإن كان هذا لازمًا في القضايا العادية فهو من باب أولى ألزم في القضية الحالية التي تتشابك فيها اعتبارات كثيرة ولا نريد جميعنا فيها إلا أن يتحقق العدل بمقتضى قانون صحيح وإجراءات سليمة ومحكمة منصفة محايدة تعمل في النور وعلانية أمام كل الناس. وليس هناك ما يبرر السرية التي فرضتها المحكمة على أعمالها وإجراءاتها بالكامل ومن البداية. والسرية كما هو مفهوم في المحاكمات تعد أمرًا شاذًا وغير طبيعي ولا يلجأ إليها إلا عند الضرورة القصوى التي يرجح عندها الخروج عن القاعدة القانونية العامة، وإذا كانت المحكمة التي أصدرت الحكم المطعون فيه قد بنت السرية المطلقة التي فرضتها على هذه القضية على أسباب اعتبارات المحافظة على أسرار القوات المسلحة التي نحرص كلنا عليها فإننا نرد بالقول بأن هذه الأسرار بعيدة عن مجريات وإجراءات هذه القضية، وليس كل شيء يخص القوات المسلحة هو من الأسرار، بل لو كان هناك فعلًا أسرار للقوات المسلحة ستعرض في هذه القضية فإن المحكمة كان في إمكانها أن تفرض السرية على الأجزاء التي تخص أسرار القوات المسلحة فقط وتبقى العلانية لباقي أجزاء الدعوى، ولهذا كثير من النظائر في قضايا سابقة لم تقبل المحاكم التي نظرتها أن تسحب دواعي السرية الضرورية في بعض نقاطها على القضية برمتها وبكل أجزائها، لأن الضرورة تقدر بقدرها ولا تنصرف إلا إلى دواعيها وفي نطاقها فقط بحيث تصبح القاعدة الأصيلة الخاصة بعلانية المحاكمات هي الأصل القائم والمرعى إلا فيما رئي له موجهات السرية لدواعيه، ولو انسحب إثر الضرورة وفرضت السرية على أجزاء لا تستدعيها فإن هذا بلا جدال يعد خطأ قانونيًا يستدعي المراجعة وتصويب الحكم الذي قام على أساسها. ولا يمكن أن يقول أحد بل ولا يمكن أن تقول المحكمة التي أصدرت الحكم محل هذا الالتماس إن كل أجزاء هذه الدعوى هي ما يستوجب السرية عند نظرها على الأساس الذي شرحناه حتى لو قيل بأن هناك أجزاء من المحاكمة تستدعي هذه السرية، وحتى هذه الأجزاء فإنه لا يوجد منها شيء في هذه القضية، ومما يثير الملاحظة ويؤكد عدم سلامة السرية التي فرضتها المحكمة على مجريات هذه الدعوى برمتها وبكل أجزائها أن الشعب المصري صاحب الحق الأول في العلانية، وهو وحده الذي حرم من هذا الحق إذ كانت المحاكمة بكل تفاصيلها تنشر في كل أجهزة الإعلام خارج مصر أما في مصر صاحبة هذه القضية والقضاء فكان الصمت المطبق. والغريب أن يسبق هذا ويصاحبه ويتلوه قيام كل أجهزة الإعلام والصحافة بنشر الاتهام وملاحقة ونشر حكم الإدانة دون أن تنشر كلمة واحدة عن الدفاع بما يلحق الضرر بالمتهمين بغير حق. وهذا عيب جسيم يلحق هذه المحكمة ويشوب الحكم الناتج عنها.
تعدي المحكمة على أبسط حقوق الدفاع
8) الدفاع بحرية كاملة وحصانة مصونة يعد جزءًا جوهريًا وشرطًا أساسيًا لسلامة أي محاكمة وصحة الحكم المنبثق عنها، وعلى المحكمة أن تراعي ذلك تمامًا وإلا كان حكمها مصيبًا يستحق الإلغاء، ونبادر إلى القول بأنه لا يشفع للمحكمة في هذا الصدد أي خلل يقع من أي مدافع حتى يفرض صحته والمحكمة لا تملك أن تقيد المحامي المدافع بأسلوب ترسمه هي للدفاع أو وقت تحدده له بحيث تنهي هي الدفاع في نهايته سواء أكمل المحامي واجبه أو لم يكمله، ولا تملك المحكمة أن تفرض على المتهم محاميًا لا يريده ولا أن تمنع المحامي الموكل من الدفاع وتستبدله بغيره منتدبًا، ولا أن تحول بين المحامي الموكل ودخول قاعة الجلسة ولا أن تمنعه من أداء واجبه مدافعًا بالشكل الذي يراه، وللمحامي المدافع عن المتهم حرية أداء واجبه بالشكل الذي يراه في الزمان والمكان المحدد للمحاكمة بشرط عدم التكرار أو الخروج عن الموضوع، وإذا كان المحامي المدافع قد أتى فعلًا المحكمة إهانة لها أو بشكل جريمة لها حتى في هذه الحالة أن تمنعه من أداء واجب الدفاع أو تطرده من الجلسة أو تقبض عليه أو تمنعه من دخلوها، إنما لها أن تتخذ إجراءات أخرى جانبية كتحرير محضر بالواقعة وإحالة الأمر للجهة المختصة؛ لتتخذ هي ما تراه، ويبقى للمحامي حقه الكامل في إتمام دفاعه عن موكله لأن هذا حق المتهم أصلًا وحق القانون وحسن سير العدالة... وهذا كله للأسف ما تراه المحكمة العسكرية التي أصدرت الحكم محل الطعن الحالي فهي قد انساقت في تصرفات خاطئة اندفعت إليها بما حسبته استفزازًا أو تحديًا لها فاستثيرت وراحت تتخذ من الإجراءات ما لا يجيزه القانون، إذ ثبت أنها في جلساتها الأخيرة اتخذت إجراءات القبض على أحد محاميي الدفاع، ولم تكتف بذلك بل منعت جميع محاميي الدفاع عن جميع المتهمين من دخول الجلسة، يوم 3 مارس 1981 على وجه التحديد، وكان الدفاع لم يكتمل للمتهمين بل ولم يبدأ بالنسبة لأغلبهم وانتدبت عددًا من المحامين الآخرين رفضهم المتهمون لمجرد إرضاء الشكل دون الجوهر والموضوع إذ في دقائق أثبتوا فيها أسماءهم وانتهى ما زعموه دفاعًا ولا يمكن أن يقبل العقل والقانون أن مثل هذه القضية الضخمة والخطيرة وفيها عدد كبير من المتهمين ومطلوب لهم الإعدام يمكن أن يتم الدفاع عنهم جميعًا في دقائق ورغم اعتراضهم. وكان يجب على المحكمة أن تبقى بابها مفتوحًا لجميع محاميي الدفاع إلى آخر دقيقة في جلساتها. وكانت المحكمة هي التي تسببت في هذا الموقف الشائك من البداية فلم تكتف بفرض السرية ورفض طلبات المحامين، بل راحت توجد من الإجراءات ما لا يجيزه القانون كأن تفرض على الدفاع أن ينتهي في زمن تحدده هي وبإرادتها المطلقة. وهذه كلها أخطاء قانونية تجعل الحكم الذي صدر عن هذه المحكمة حكمًا معيبًا غير سليم. ومما يلاحظ أن المحكمة لم تشر في حكمها المنشور لكل هذا الذي حدث مع أهمية التعرض له والرد عليه.
المحكمة غير صالحة لنظر الدعوى
9) وإلحاقًا بالبند السابق واستنادًا لتصرفات المحكمة المشار إليها فيه نقول إن المحكمة بتصرفاتها المذكورة تكون قد فقدت الصلاحية لنظر هذه الدعوة إذ لم تجعل الأمر مجرد تطبيق لأحكام القانون وفي غير انفعال أو استفزاز، بل هي تحت تأثير هذه الحالة قامت بإجراءات ضد هيئة الدفاع لا يجيزها القانون ووقفت منهم موقف الاتهام والطرد والمنع من دخول الجلسة والقبض على أحدهم وبالتالي تكون هي قد اتخذت هذه الإجراءات ضد المتهمين وصالحهم؛ لأن دفاعهم لا ينفصل عنهم، وبهذه الإجراءات والاتهامات التي اتخذتها المحكمة تكون قد رسخت خصومة بينها وبين المتهمين ومحاميهم ومتى قام مثل هذا الموقف فقد أصبحت المحكمة غير صالحة لنظر الدعوى وتعين عيها أن تتنحى عن نظرها ولكنها لم تفعل ... وكان في إمكانها أن تتفادى ذلك من البداية لو التزمت حكم القانون وفي هدوء. والقاضي بشر يرضى ويغضب ويخطئ ويصيب.
الاعترافات لم تنبثق عن إرادة حرة
10) الاعتراف المنسوب للمتهمين الأربعة الأول بارتكابهم قتل الرئيس السادات يشوبه أنه نتج عن تعذيب وبالتالي لم يكن اعترافًا منبثقًا عن إرادة حرة، وبهذا لا يعد اعترافًا قانونيًا صحيحًا ترتب عليه نتائجه. ولم ترد المحكمة على الدفاع الجوهري الذي قال بأن اعترافات المتهمين كانت وليدة تعذيب. وهذا خطأ قانوني.
لا يمكن معرفة القاتل الحقيقي
11) ولو افترضنا صحة الاعتراف المسند للمتهمين بالقتل فإنه بداهة، لا يعد اعترافًا بذات القتل بل هو في حقيقته مجرد اعتراف بإطلاق النار على الرئيس السادات لأن التقرير الطبي الشرعي ثابت منه أن الرصاصة التي سببت موت الرئيس السادات هي التي أصابته في يسار صدره من الأمام وتسببت في هتك الرئة والنزيف واستقرت عند الترقوة اليمنى، ولا يمكن لأحد من المتهمين الأربعة المعترفين أن يحدد أنه هو صاحب هذه الطلقة المميتة بالذات، وهناك طلقات أخرى أصابت الذارع والفخذ وليست سببًا في الوفاة، وبالتالي يكون العيار الناري الذي سبب القتل أمرًا شائعًا بين المتهمين المعترفين بإطلاق النار دون إمكان نسبته إلى واحد منهم بعينه حتى مع اعترافهم بإطلاق النار، وبالتالي فحكم القانون الصحيح في هذه الحالة هو الأخذ بالقدر المتيقن في حق المتهمين المعترفين وهو الشروع إلى القتل لا القتل. وبديهي أن اعترافهم لا يشمل القتلى الآخرين الذين ماتوا صدفة لإصابتهم بأعيرة نارية لتواجدهم قرب الرئيس السادات ولم يكونوا مقصودين بالقتل. وحتى هم لا يمكن نسبة قتل أحدهم إلى واحد من المتهمين بالذات. ومن هذا يتضح أن الحكم المطعون فيه قد أخطأ وتجاوز حكم القانون إذ عول على الاعتراف ضد كل من المتهمين بالقتل كسند تهمة القتل العمد لكل منهم، سواء بالنسبة للرئيس أو لغيره ممن ماتوا في الحادث والشروع في قتل الآخرين.
الدافع للقتل باعث سياسي شريف
12) بفرض صحة الاتهام فإنه لا جدال في الدعوى الحالية أن باعث المتهمين على فعلهم لم يكن باعثًا دنيئًا أو غير شريف كالسرقة أو النهب بل لم يكن لهم باعث خاص لذاتهم بل دفعوا لفعلهم بباعث سياسي عام وشريف... وعلماء القانون في كل بقاع الأرض فرقوا بين الباعث الشريف للفعل والباعث غير الشريف وجعلوا مناط هذا التفريق في دائرة العقاب إذا كان الفعل أصلًا غير مشروع، فلا يكون عقاب القاتل صاحب القصد الشريف كالقاتل صاحب القتل الدنيء. والمشرع المصري والقضاء المصري كلاهما لم يغفل ذلك إذ نص في المادة 17 من قانون العقوبات على إعطاء القاضي حق تخفيف العقاب إذا رأى من ظروف الدعوى ما يستدعي ذلك. والحكم الحالي أغفل هذه الناحية تمامًا ولم يذكرها ولو كرد على ما آثاره الدفاع بخصوصها.
السادات آثار الناس ضده
13) وإلحاقًا بالبند السابق وإكمالًا لعنصر الباعث الشريف على الفعل المسند للمتهمين نقول إن الرئيس السادات سلك وتصرف في حياته وحكمه حتى الشهر الأخير منه المسلك غير السليم والتصرف الجائر الذي آثار كافة الناس ضده واستفز المتهمين ودفعهم دفعًا للتخلص منه بالقتل. وهذه الناحية التي تتعلق بجانب هام من جوانب العقاب وتقدير ظروف المتهمين وتمحيص بواعثهم على القتل لم تنل حقها الكامل على الوجه القانوني السليم أمام المحكمة التي أصدرت الحكم المطعون فيه. وفي هذا الجانب الكثير مما يقال، ويجب أن يقال بالأسلوب القانوني والعلمي الصحيح، باستعراض حياة الرئيس السادات وتصرفاته من أكتوبر سنة 1936 حتى أكتوبر سنة 1981.
عدم دستورية المحكمة
14) طعن الدفاع ببطلان قرار إحالة هذه القضية للمحكمة العسكرية العليا وبعدم دستورية نظرها أمامها واتخذ إجراءات ذلك. وكان مقتضى العدل والقانون أن تفسح المحكمة صدرها لهذه الدفوع وتمتثل لإجراءات الجهة المختصة قانونًا بالفصل في هذا الطعن وهي المحكمة الدستورية العليا، ولكن المحكمة تعجلت من بداية المحاكمة برفض كل هذه الدفوع التي عززتها أسانيد قوية، منها الدستور القائم والقانون 105 لسنة 1980.
الخصم والحكم
15) وكذلك من الأخطاء القانونية أن الذي يقرر إحالة الدعوى إلى المحاكمة هو السيد وزير الدفاع الذي أصيب في الحادث، وأصبح في مقام الخصم والحكم معًا. وبالمثل السيد رئيس الجمهورية الذي يصدق على الحكم.
غياب المتهمين أثناء النطق بالحكم
16) ولا يجوز النطق بالحكم في غيبة المتهمين وهو ما حدث فعلًا.
الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع
17) المحكمة وهي ترد على الدفاع بخصوص التعارض مع الشريعة الإسلامية بالنسبة للقوانين التي تحكم الواقعة الحالية قالت إن النص الدستوري بأن الشريعة الإسلامية هي «المصدر الرئيسي للتشريع» لا يمنع وجود مصادر أخرى للتشريع. وأردفت ذلك في أسباب حكمها بقولها: إن هذا «هو نفس مفاد النص قبل تعديله»، وهذا خطأ قانوني ورد غير سليم على الدفاع لأنه فات المحكمة أن النص الدستوري معناه عدم الأخذ بأي نص أو مصدر «يتعارض» مع الشريعة الإسلامية وهذا شرط دستوري لأي نص تشريعي من هنا أو هناك. وإن النص الدستوري قبل التعديل غيره بعد التعديل وإلا كان أمر التعديل لغوًا وهذا لم يقل به أحد غير هذه المحكمة التي يبين من كلامها هذا عدم سلامة حكمها المطعون فيه.
حق الطعن من بدهيات العدالة
18) من بدهيات العدالة والقانون أن كل حكم يصدر من جهة قضاء يكون لمن صدر ضده هذا الحكم حق الطعن فيه إلى جهة أعلى تمحصه وتبحث وجه الطعن فيه بكل ضمانات القضاء ثم تؤيده أو تنقضه. وأحيانًا ترتب أكثر من درجة من درجات الطعن، درجة بعد درجة، حتى أعلى درجات المحاكم كمحكمة النقض، وهذا إمعانًا من الدولة في تحقيق أقصى قدر من العدل، والحكم يصدره بشر والبشر غير معصومين من الخطأ، ولهذا كان من الحقوق المقدسة للإنسان حق الدفاع وحق الطعن في الأحكام الماسة بحقوقه الأساسية التي من أهمها حق الحياة وحق الحرية... ولا أطيل في بديهيات هي من المسلمات التي لا تحتاج إلى كثير شرح وبيان وتأييد، وشريعتنا الإسلامية الغراء، أسمى الشرائع، والتي هي الأصل عندنا، جعلت الحق أعلى من جميع الأحكام بحيث إذا اهتدى إليه الناس يقينًا كان عليهم اتباعه، بل جعلت للقاضي إذا حكم بأمر ثم ظهر له وجه الحق في غيره أن يرجع في قضائه، وقرأنا أخيرًا تصريحًا للرئيس محمد حسني مبارك حيث سئل عن رأيه في قضية قتل الرئيس السادات فقال: «إنه لا يتدخل في شؤون القضاء»، وهذا هو الصواب في هذه الجزئية وهذا هو مدخل الطعن في الحكم الصادر في هذه القضية إذ أن هذا الحكم صدر من محكمة عسكرية وبناء على إجراءات نص عليها قانون استثنائي، هو قانون الأحكام العسكرية رقم 25 لسنة 1966 الذي يقفل باب الطعن أمام المحكوم عليه بأقصى العقوبات، أي الإعدام أمام جهة قضائية أعلى، بل أن هذا القانون يجعل من رئيس الجمهورية جهة قضاء أعلى يصدق أو لا يصدق على الحكم، رغم عزوفه عن التدخل في شؤون القضاء حسب تصريحه الذي أشرنا إليه عندما سئل عن ذات القضية محل البحث، ونضيف: إن قانون الأحكام العسكرية المذكور يتعارض مع الدستور القائم الذي يكفل لكل منهم أن تعرض قضيته على قاضيه الطبيعي دون تمييز بين هذا وذاك من المتهمين، وبلادنا والحمد لله فيها قضاء مرتب وثابت تعرض عليها القضايا بغير تمييز بين الناس، سواء بالنسبة للجاني أو المجني عليه، وحسم هذا القضاء الطبيعي العديد من القضايا الخطيرة، ومنها اتهامات بقتل كبار وحكام، وحكم فيها بأحكام صائبة وبقاء على إجراءات سليمة وبعد تمحيص دقيق في كافة درجاته، ولم يقل أحد إن هذا القضاء قصر أو انحرف في هذه القضايا، كلها أو بعضها، وهنا نقول إن قانون الأحكام العسكرية رقم 25 لسنة 1966 لا يعد في حقيقته قانونًا معبرًا عن رأي المحكومين وحاجتهم إلى العدل بل هو قانون جاء تعبيرًا عن رأي السلطة وإرادتها في فترة عصيبة من تاريخنا، وانبثق عن هذه الإرادة مواد في شكل قانون ولكنها فاقدة لأصول القانون فلا هو يعبر عن حاجة الناس إلى العدل ولا هو صادر عن ممثلي الشعب الحقيقيين ولا هو صادف عدلًا في تطبيقه أو تنفيذه وكان سيفًا مصلتًا على رقاب الناس يعمل فيهم جورًا وقتلًا وتشريدًا بغير أي ضمانات للبؤساء الذين وقعوا في أتونه، وسجل التاريخ في بطونه العديد من المآسي والحصار الرهيب لمثل هذا القانون وأشباهه التي سبقته في وقت لم تكن السلطة تريد فيه لخصومها عدلًا وقضاء بل عسفًا وإذلالًا وتنكيلًا... وفي هذا العهد الجديد لا نريد أثرًا لمثل ما عانيناه في ماضينا غير البعيد مما يعلمه كل منصف وباحث، وبالتالي نريد العدل في قضية قتل الرئيس السادات.
ومما تقدم جميعه يتضح صواب هذا الالتماس وخطأ الحكم المطعون فيه بما يستوجب إلغاءه وعدم الموافقة عليه.
وبناء عليه
نلتمس عدم الموافقة على الحكم في الجناية 7 سنة 1981 أمن دولة عسكرية عليا «قضية قتل الرئيس السادات» وإعمال حكم القانون وإعادة المحاكمة على الوجه الصحيح.
والله ولي التوفيق...
9 جمادى الآخرة 1402هـ
4/4/1982م
دكتور عبد الله رشوان
المحامي
«عن المحكوم عنهم»