العنوان درع الإيمان.. الحصن المانع والسلاح القاطع (1)
الكاتب حجازي إبراهيم ثريا
تاريخ النشر السبت 21-يوليو-2012
مشاهدات 57
نشر في العدد 2012
نشر في الصفحة 38
السبت 21-يوليو-2012
عقيدة الإسلام وحدها القادرة على صنع ذلك النمط من النفوس التي تمكنت من دحر الروم والفرس.. وهي القادرة على دحر الاستعمار وتحرير بيت المقدس وطرد الغاصبين
المفسرون الأوائل تحدثوا عن القوة المطلوب إعدادها وقصروها على القوة المادية ولم يعرجوا على قوة الإيمان.. لأن ذلك كان معلومًا من الدين بالضرورة
المتأمل في الواقع العالمي، والناظر لما يدور في العالم الإسلامي، يدرك حجم المؤامرة التي دبر لها بليل، وخطط لها في الظلام لوقف المد الإسلامي ومنع الصحوة الإسلامية في ديار المسلمين من أن تأخذ مداها لتنهض أمتهم وترتفع رايتهم فيعم العدل وتنتشر الرحمة وتتحقق المساواة ويتمتع الجميع بالحرية، ويأمن الجميع -من أسلم ومن لم يسلم- على نفسه وماله وعرضه.
إنهم يعملون ليل نهار حتى لا يحكم الإسلام ديار المسلمين، ومثلما عملوا ويعملون لاجتثاث الإسلام من أوروبا تمثل ذلك في إسقاط الخلافة، وتحويل تركيا إلى دولة علمانية في بداية القرن الماضي، فقد حالوا في آخر القرن دون قيام دولة للمسلمين في البوسنة وفي كوسوفو، والشيشان.
وفي الوقت الذي أسقطوا فيه الخلافة، وحالوا دون أن تقوم للإسلام دولة بينهم، عملوا بكل ما أوتوا من قوة لزرع دولة يهودية في ديار المسلمين تكون قاعدة لهم لنشر الفساد، وتخريب البلاد وتمزيق الدول ونشر الفرقة والعداء فيما بينها، وإشعال الحروب بين أبناء البلد الواحد لينعموا هم بالراحة ويسعدوا بالاستقرار.
ثم تقدموا خطوة أخرى، فما إن كادت الحرب بين أفغانستان وروسيا تضع أوزارها حتى فاجأتهم أمريكا بالعدوان وتدمير الأخضر واليابس، ثم كانت حرب العراق والتدخل في السودان، وتدخل إثيوبيا في الصومال بالنيابة عن أمريكا.
ولا ندري بماذا سيطلع علينا الغد؟ وإن كنا نجزم بأنها حرب صليبية من سلسلة حروبهم المتوالية على مدار التاريخ، وليس ذلك ضربًا من الظن ولكنه ما أعلنه «بوش» ويومها قالوا: زلة لسان وسوء ترجمة، لكن ربنا يقول: قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ۚ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (آل عمران: 118)
فهل يعقل المسلمون ما جاءهم عن ربهم؟ وهل يعقل أولئك التاريخ القريب.. احتلال فرنسا للجزائر وسورية ولبنان، ومن قبلها محاولتها احتلال مصر، واحتلال إنجلترا لمصر والسودان، وفلسطين والعراق واحتلال إيطاليا لليبيا، ودعوى فرنسا أن الجزائر ولاية فرنسية ومحاولة طمس كل معالم إسلاميتها بهدم المساجد، وطمس عروبتها بهجر اللغة العربية، وجعل الفرنسية لغة التعامل في الدواوين والمصالح، وكذلك فعلت إيطاليا بليبيا.. فماذا كانت عاقبة هؤلاء جميعًا؟
هل استقر لهم قرار على تلك الأرض، أم مادت من تحت أقدامهم، وردوا على أعقابهم خاسرين؟ وصدق الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ، ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ، ۞ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ۖ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا، ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَىٰ لَهُمْ﴾ (محمد: 8: 11)
قوة الإيمان قبل قوة الساعد والسلاح قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا ۚ إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ، وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ (الأنفال: 59، 60)
حين يتحدث المفسرون الأوائل عن القوة المطلوب إعدادها في الآية يقصرونها على القوة المادية، ولا يعرجون على قوة الإيمان؛ لأن ذلك كان معلومًا من الدين بالضرورة آنذاك فالمسلمون في العصور الأولى عمر الإيمان قلوبهم، وكانت قوة الإيمان تدفع بهم لنشر نور الإسلام وهداية البشرية الضالة الحائرة إلى ما فيه خيرها، ولم يضنوا في سبيل ذلك بأموالهم ولا بأرواحهم، وإنما قدموها رخيصة في سبيل الله تعالى.
هذه القوة الإيمانية كانت سر انتصارهم وكانت أعظم القوى في ميدان الجهاد.
يقول الإمام البنا يرحمه الله، متحدثًا عن القوة: «أما القوة فشعار الإسلام في كل نظمه وتشريعاته، فالقرآن الكريم ينادي في وضوح وجلاء: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ (الأنفال: 60) والنبي ﷺ يقول: «المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف» بل إن القوة شعار الإسلام حتى في الدعاء، الذي هو مظهر الخشوع والمسكنة واسمع ما كان يدعو به النبي ﷺ في خاصة نفسه ويعلمه أصحابه ويناجي به ربه: «اللهم إني أعوذ بك مِنَ الْهَمْ وَالحَزَنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك مِنْ غَلَبَةِ الدِّينِ وَقَهْرِ الرِّجَال»؛ ألا ترى في هذه الأدعية أنه قد استعاذ بالله من كل مظهر من مظاهر الضعف:
ضعف الإرادة: بالهم والحزن.
وضعف الإنتاج: بالعجز والكسل.
وضعف الجيب والمال: بالجبن والبخل.
وضعف العزة والكرامة: بالدين والقهر؟
فماذا تريد من إنسان يتبع هذا الدين إلا أن يكون قويًا في كل شيء، شعاره القوة في كل شيء؟
فالمسلمون لا بد أن يكونوا أقوياء ولا بد أن يعملوا في قوة.
ثم يقول بعد ذلك: ونحن نعلم أن أول درجة من درجات القوة قوة العقيدة والإيمان، ثم يلي ذلك قوة الوحدة والارتباط، ثم بعدهما قوة الساعد والسلاح، ولا يصح أن توصف جماعة بالقوة، حتى تتوافر لها هذه المعاني جميعًا، وأنها إذا استخدمت قوة الساعد والسلاح وهي مفككة الأوصال، مضطربة النظام، أو ضعيفة العقيدة خامدة الإيمان، فسيكون مصيرها الفناء والهلاك».
بالإيمان انتصر السلف وبه ينتصر الخلف.. إن عقيدة الإسلام هي وحدها القادرة على صنع ذلك النمط من النفوس التي تمكنت في فجر الإسلام من دحر الروم والفرس، أعظم دولتين آنذاك وفي زمن لا يتجاوز ربع قرن، وهي وحدها القادرة على دحر الاستعمار وتحرير بيت المقدس من الصهيونية وطرد الغاصبين من أفغانستان والعراق والشيشان وكشمير وكل أرض دخلها الإسلام وانحسر عنها.
وإن حجر الزاوية في تحقيق النصر يكمن في الارتكاز على العقيدة الإسلامية والصدور عنها، وبذلك نحقق شرط النصر في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد: 7)
وقوله تعالى: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج: 40)
والإيمان ضرورة أيضًا من أجل تجميع القوى الهائلة المهدرة، والتي إذا اجتمعت أرهبت العدو وردته على أعقابه.
والإيمان ضرورة من أجل الانتفاع بهذه القوى إذا اجتمعت ضرورة من أجل تفجير طاقاتهم الروحية الكامنة تفجيرًا واعيًا، وهذا لا يتم بغير كلمة الإسلام، ولا يتطلب جهدًا ولا وقتًا وإنما يحتاج إلى الاستمساك بالدين والإخلاص لله تعالى، وبذلك تنحل المشكلات بين المسلمين، وتذوب الخلافات، ويكونون يدًا واحدة في مواجهة الأعداء (1).
وفي المواجهة مع العدو الصهيوني وغيره ممن يحاربون الإسلام والمسلمين، فإن قوة الإيمان مع ما نستطيع من القوى المادية، وإن قلت عن قوة الأعداء، تحقق لنا النصر، يقول الشيخ محمد البشير الإبراهيمي: «ففي معرض المقارنة بين «العرب واليهود في الميزان عند الأقوياء» يرى أن الأقوياء وازنوا بين ما نملك من قوى مادية، وبين ما يملك الصهيونيون من ذلك فأنتجت لهم المقدمات هذه الحقائق وهي أننا لا نملك مصنعًا للسلاح ولا معملًا للكيمياء، ولا رجالًا فنيين كالذي يملكه اليهود من كل ذلك، وأن ثلاثين سنة مرت أي منذ وعد بلفور» -وكلها نذر بهذه العاقبة- لم توقظنا من غفلتنا، ولم تدفعنا إلى الاستعداد لها، فقالوا : نقسمها، ولا نخشى العرب لأنه ليس فيهم مضرة مؤجلة، ثم يخلص إلى أنه «فات أولئك البانين لكل شيء على الماديات أن هناك سلاحًا أمضى من جميع الأسلحة المادية وأنه الشرط الأول في نفعها وغنائها، وهو سلاح الروحانيات، من إيمان بالحق، واعتداد بالنفس، وحفاظ على الكرامة، وتقديس للشرف، وإباء للضيم، ومغالاة بالتضحية والفداء، واستخفاف بالظلم والظالمين وفاتهم أن العرب وإن نزر حظهم من القوى المادية التي لا يستهين بها إلا جاهل، فإن حظهم موفور من القوى الروحية التي لا يستهين بها إلا مغرور» (٢).
ويقول ابن خلدون: «إن الدعوة الدينية تزيد الدولة في أصلها قوة على قوة العصبية التي كانت لها من عددها، والسبب في ذلك أن الصبغة الدينية تذهب بالتنافس والتحاسد الذي في أهل العصبية، وتفرد الوجهة إلى الحق، فإذا حصل لهم الاستبصار في أمرهم لم يقف لهم شيء؛ لأن الوجهة واحدة؛ والمطلوب متساو عندهم وهم مستميتون عليه، وأهل الدولة التي هم طالبوها وإن كانوا أضعافهم، فأغراضهم متباينة بالباطل، وتخاذلهم لتقية الموت حاصل، فلا يقاومونهم، وإن كانوا أكثر منهم، بل يغلبون عليهم ويعاجلهم الفناء بما فيهم من الترف والذل.
وهذا كما وقع للعرب صدر الإسلام في الفتوحات، فكانت جيوش المسلمين بالقادسية واليرموك بضعة وثلاثين ألفًا في كل معسكر وجموع فارس مائة وعشرين ألفًا بالقادسية وجموع هرقل على ما قاله الواقدي أربعمائة ألف، فلم يقف للعرب أحد من الجانبين وهزموهم وغلبوهم على ما بأيديهم. (3)
الهوامش
(1) فضيلة الإمام الأكبر د. محمد محمد الفحام، شيخ الأزهر، المسلمون واسترداد بيت المقدس، ص ٥٧- ٥٨ بتصرف.
(۲) محمد البشير الإبراهيمي، مجلة «المجتمع»، العدد ۱۷۹۰، الصادر في ١٦ صفر ١٤٢٩هـ، ٢٣ فبراير ۲۰۰۸م، السنة ۳۸.
(۳) عبد الرحمن بن خلدون، مقدمة ابن خلدون، ص ۱۰۹، تحقيق: حجر العاصي، دار ومكتبة الهلال، بيروت.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل