; دروس أسرية من رحلة الحج | مجلة المجتمع

العنوان دروس أسرية من رحلة الحج

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر السبت 29-ديسمبر-2007

مشاهدات 75

نشر في العدد 1782

نشر في الصفحة 56

السبت 29-ديسمبر-2007

الحج شعيرة تربوية ورحلة ربانية تاريخية أصولها عتيقة ترجع إلى البيت العتيق. قال تعالى واصفاً أفعال الحجيج:﴿ثُمَّ لۡيَقۡضُواْ تَفَثَهُمۡ وَلۡيُوفُواْ نُذُورَهُمۡ وَلۡيَطَّوَّفُواْ بِٱلۡبَيۡتِ ٱلۡعَتِيقِ﴾(الحج:29).

والحج هو القصد إلى بيت الله الحرام للتقرب إلى الله عز وجل بأداء أعمال مخصوصة. وهذه الأعمال تصل الواقع التاريخي بأصوله القديمة أفقيًا، إذ تحيي معاني عظيمة من نفوس الحجيج، تذكرهم بتاريخ هذا المكان المقدس وأحداثه وأصل هذه العبادة الربانية وهذه الأعمال تحدث -أيضًا- اتصالًا أفقيًا حيث يجتمع الحجاج جميعًا من بلاد شتي وبألسنة مختلفة وألوان متباينة في وقت واحد يجمعهم نداء التوحيد لبيك اللهم لبيك لبيك لاشريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك لبيك.. إلههم واحد، ونبيهم واحد، وقبلتهم واحدة.

ومن فريضة الحج نتعلم دروسًا كثيرة وعظيمة، من أبرزها تلك الدروس التربوية الأسرية، وما أحوجنا إليها، وخاصة أن أعداء الأمة اتفقوا على هدم الأسرة، وهي الكيان التربوي الذي يحفظ علينا ديننا وهويتنا وحياتنا وآخرتنا، لذا في السطور الآتية سأحاول أن أضع أمام القارئ الكريم بعض هذه الدروس الأسرية العظيمة التي نتعلمها من رحلة الحج.

أسرة تبنى 

فقد عهد الله تعالى إلى عبده الصالح ونبيه الكريم إبراهيم عليه السلام ببناء مؤسسة التوحيد، فأمره عز وجل بالانتقال وزوجه هاجر من بلاد الخصب في أرض الرافدين إلى واد غير ذي زرع لبناء بيت الله الحرام، وقد أشرك إبراهيم أسرته في هذا العمل الشريف العظيم. قال تعالى: ﴿وَإِذۡ يَرۡفَعُ إِبۡرَٰهِـۧمُ ٱلۡقَوَاعِدَ مِنَ ٱلۡبَيۡتِ وَإِسۡمَٰعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلۡ مِنَّآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ﴾(البقرة:127). تلكم أسرة إبراهيم عليه السلام، فهل تأسينا بها، فأقمنا مؤسسات التوحيد في أرض الله، سيرا على درب إبراهيم عليه السلام؟

 أسرة مطيعة لربها راضية:

 لما أمر الله عز وجل إبراهيم بالارتحال أذعن وأطاع، وانقاد إلى إرادة مولاه، ثم واصل الطاعة والانقياد عندما أمره الله عز وجل أن يترك زوجه وولده في هذا الوادي المقفر، الذي لا زرع فيه ولا ماء ولا حتى أهم أسباب الحياة فاستودعهما الله الذي لا تضيع عنده الودائع وترك زوجته الحبيبة وفلذة كبده ابنه إسماعيل، وهو لا يزال رضيعًا في حاجة إلى الرعاية، وإلى وجود الأب مربيًا وحانيًا، وليس معهما إلا جراب تمر وسقاء؛ ليعود إلى محل إقامته الأول، فماذا عن حال الزوجة هاجر التي تركها؟ لقد انقادت هي الأخرى لأمر ربها صابرة راضية محتسبة بعد أن استوثقت من زوجها أن هذه هي إرادة الله عندما سألته: «الله أمرك بهذا؟، فقال إبراهيم عليه السلام، نعم... قالت: إذن فلن يضيعنا!!«

هنالك يتوجه رب هذه الأسرة الكريمة المعطاءة الصابرة إلى ربه الكريم يدعوه بهذا الدعاء الذي يخفف به المؤمن آلامه وأحزانه فتوجه إلى ربه داعيًا ﴿رَّبَّنَآ إِنِّيٓ أَسۡكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيۡرِ ذِي زَرۡعٍ عِندَ بَيۡتِكَ ٱلۡمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱجۡعَلۡ أَفۡـِٔدَةٗ مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهۡوِيٓ إِلَيۡهِمۡ وَٱرۡزُقۡهُم مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَشۡكُرُونَ﴾(إبراهيم:37)

هذا حال الأسرة المؤمنة المسلمة الصابرة المطيعة لربها دون مراجعة ولا تردد ولا تلكو فأين أحوال الأسرة المسلمة من مستوى أسرة إبراهيم عليه السلام؟ هل ربينا أنفسنا وزوجاتنا وأبناءنا وبناتنا على هذا المستوى الراقي من طاعة المولى عز وجل والانقياد له في كل أمورنا؟!

أمومة عظيمة مبهرة:

سرعان ما نفد الزاد القليل والماء الشحيح من هاجر ووليدها الرضيع، لتبدأ رحلتها الشاقة، وتواجه محنتها في عمق الصحراء القاحلة الموحشة.. عطش رضيعها إسماعيل عليه السلام، حتى صرخ من شدة العطش فهرولت باحثة عن الماء بين الصفا والمروة وهي تعلم أن المكان ليس فيه ماء، لكنه الأمل الذي يتغلغل في نفس المرأة المؤمنة الصادقة المتفائلة لعلها تجد فيه ماء، أو تلمح قافلة تروي ظمأ وليدها، وتحفظ حياته وحياتها من الهلاك الذي أحدق بها وأصبح شبه مؤكد!

كان فؤاد هاجر يتمزق ألمًا وهلعًا، وكان رضيعها يصرخ من شدة العطش، هنالك وقعت المفاجأة المذهلة، والمعجزة المبهرة، عندما شاهدت الماء يفيض ويتفجر من تحت قدمي رضيعها اللتين كان يضرب بهما في الأرض صارخًا من شدة العطش!! فكان هذا الحدث بداية لوجود هذا الماء المبارك ماء زمزم الذي يشرب منه الناس على امتداد الأجيال وتعاقب الأزمان، فيروون ظمأهم، ويستشفون من أمراضهم بأمر الله تعالى خالق الماء والبشر وبحوله وقوته كما بشرنا رسول الله :» زمزم لما شرب له، بل كان ظهور هذا الماء المبارك- أيضًا- بداية لاستيطان بعض القوافل واستراحتهم في ذلك الوادي الذي تلتف حوله الجبال السود من لفحات الهواجر والحرور!! فليحدث الحاج نفسه بهذا التاريخ العظيم وعزيمة تلك المرأة الصابرة، وهذه الأحداث التي تبث فينا الأمل، وذلك عندما يسعى الحاج بين الصفا والمروة، فهذا يذكرنا بسعي السيدة هاجر بينهما بحثا عن الماء.

ولتتخذ نساؤنا من السيدة هاجر نموذجًا للبطولة النسوية، وتكريما ربانيا للمرأة الصالحة، وما أكثر الأمهات اللاتي يحتجن إلى الاقتداء بهاجر الأم العظيمة والزوجة الصابرة وذلك عندما تفقد المرأة المسلمة زوجًا مسلمًا مجاهدًا أو داعيًا، أو تفقد ولدها في ساحات الجهاد والعمل، أو تفقد مكسبًا دنيويًا بسبب تمسكها بدينها وعقيدتها أو حجابها وعبادتها فتصبر وتضحي وتحتسب وهي واثقة بأنها لا محالة فائزة، وأن الله عز وجل لن يتخلى عنها، وسيعوضها خيرا، وتعيش وكلها أمل، لا يعرف اليأس إلى قلبها طريقًا!!

قمة التضحية والانقياد 

رجع إبراهيم عليه السلام يزور أسرته التي تركها في هذا المكان القفر، وهو واثق بأن الله عز وجل لن يضيع أسرته فوجد ابنه إسماعيل الذي تركه رضيعًا قد صارفتي تملؤه الحيوية والفتوة، فأحبه وتعلق قلبه به، ولكن البلاء دائما على قدر الإيمان، فقد رأى إبراهيم عليه السلام في منامه رؤيا، وقصها على فلذة كبده إسماعيل عليه السلام ﴿ وَفَدَيۡنَٰهُ بِذِبۡحٍ عَظِيمٖ﴾(الصافات:7) هذا درس للآباء الذين يضنون بأبنائهم على الله عز وجل وعلى دعوته وإقامة شرعه، فتجد الأب يبخل ويحذر ابنه من أن يسير في قافلة الدعاة المصلحين ظنا من الأب أن في ذلك حماية لابنه من بطش الظالمين في الدنيا الذين سخرهم الشيطان لصد الشباب الملتزم بدينه عن طريق الاستقامة والدعوة إلى الله.. فهل لهؤلاء الآباء أن يمنعوا أبناءهم من السير في هذا الطريق مهما كلفهم الأمر، بعد أن علموا أن إبراهيم عليه السلام لم يبخل بابنه على الله، وامتثل لأمره تعالى؟!

وثم درس آخر عظيم للأبناء في طاعة الآباء عندما يأمرونهم بخير، فهل سيسمع البشر بمثل هذه الطاعة وذلك الانقياد؟ إن إسماعيل عليه السلام لم يتردد في طاعة أبيه وهو يعرف أن ثمن الطاعة هو ذبحه!!

وهكذا علت هامتا الأب والابن معًا عظمة وطاعة وانقيادًا واستسلامًا لأمر الله الذي وهبهما الحياة وكل شيء برغم هجمات الشيطان ووساوسه!! لذا كان فرج الله قريبًا. قال تعالى: ﴿فَلَمَّآ أَسۡلَمَا وَتَلَّهُۥ لِلۡجَبِينِ وَنَٰدَيۡنَٰهُ أَن يَٰٓإِبۡرَٰهِيمُ  قَدۡ صَدَّقۡتَ ٱلرُّءۡيَآۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ ٱلۡبَلَٰٓؤُاْ ٱلۡمُبِينُ  وَفَدَيۡنَٰهُ بِذِبۡحٍ عَظِيمٖ (الصافات:103)هكذا حدث، فلما أسلما أمرهما لله، وأذعنا لله دون تردد ولا تلجلج قد تحقق القصد، وهو طاعة الله والامتثال لأمره، وهنالك امتنعت السكين بأمر ربها عن قطع رقبة إسماعيل عليه السلام، وفداه الله عز وجل بكبش عظيم فصارت سنة على القادرين من المسلمين في عيد الأضحى يوم النحر.

لقاء أول زوجين على الأرض

 يذكرنا مكان الوقوف بعرفة بأول لقاء بين زوجين على الأرض، وهما آدم وحواء، بعد نزولهما إلى الأرض، ومن ذلك درس يؤكد علاقة المودة والرحمة بين الزوجين، وعاطفة الحب والشوق بينهما، فقد شهد هذا المكان المبارك تشكيل النواة الأولى للأسرة البشرية، فتمثلا في آدم الزوج وحواء الزوجة عليهما السلام، وهذا درس أسري عظيم من دروس الحج، يؤكد أن الأسرة مؤسسة تقوم على الدين لا على القوانين الوضعية المخالفة لهذا الدين، ومن ثم تسقط صيحات الشواذ ممن ينادون بزواج الرجل من رجل مثله، أو زواج المرأة بامرأة مثلها!!

حجة الوداع وثمارها الأسرية

 بعد أن أتم النبي  إبلاغ الرسالة، وفتح الله به وبأصحابه الكرام مكة، ودخل الناس في دين الله أفواجًا، عزم الرسول على الحج في العام العاشر من الهجرة، وأعلن ذلك، فحج معه خلق كثير، يريدون أن يحجوا مع رسول اللهويأتموا به.

وقد سميت حجة النبي ﷺ في العام العاشر من الهجرة بـ حجة الوداع، لأن النبي ودع الناس بعد أداء المناسك كما روى الإمام البخاري -رحمه الله- عن ابن عمر رضى الله عنهما قال:»وقف النبي يوم النحر بين الجمرات في الحجة التي حج بها، وقال: «هذا يوم الحج -الأكبر»، فطفق النبي  يقول: »اللهم اشهد« !! وودع الناس، فقال: هذه حجة الوداع«

وفي هذه الحجة خطب النبي في جموع المسلمين الذين حضروا الحج، وسميت هذه الخطبة أيضًا، خطبة الوداع، ولقد كانت هذه الخطبة نموذجًا شاملًا من الهدي النبوي وخطابًا إسلاميًا متكاملًا، وتشريعًا راقيًا ساميًا -لحقوق الإنسان، وإجمالاً : فقد كانت هذه الخطبة وصية قيمة للالتزام بالدين الكامل شمل: جوانب العقيدة، والعبادة، والإصلاح الاجتماعي في شأن المرأة والأسرة والمجتمع، وقد تجسد ذلك في توجيهاته العقدية والاجتماعية والاقتصادية .

ويمكن اعتبار حجة الوداع أكبر تجمع إسلامي في العهد النبوي حضرها 125 ألف حاج من أصحاب رسول الله رضي الله عنهم أجمعين، وقد ألقى الرسول هذه الخطبة وتوفي بعدها بشهرين، فكانت أغلى وصية له ﷺ، إذ المعتاد أن يوصي الإنسان أهله عند الفراق أو الشعور به بأغلى النصائح وأثمنها.ويطيب لي هنا أن أضع أمام القارئ العزيز التوجيهات النبوية التي وجه بها النبي  الأسرة المسلمة فيما رواه ابن إسحاق، أما بعد:» أيها الناس، فإن لكم على نسائكم حقًا، ولهن عليكم حقًا، لكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، وعليهن ألا يأتين بفاحشة مبينة، وإن فعلن فإن الله أذن لكم أن تهجروهن في المضاجع وتضربوهن ضربًا غير مبرح، فإن انتهين فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف، واستوصوا بالنساء خيرًا، فإنهن عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئا، وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمات الله، فاعقلوا أيها الناس قولي، فإني قد بلغت..«

وبإمعان النظر في توجيهاته  نلاحظ أنه ركز على قطبي العلاقة الزوجية الرجل والمرأة، فعرف كلا منهما حقوقه وواجباته، لكنه ركز وصاياه للرجل، ذلك أنه قائد سفينة الحياة الأسرية، وبذلك ألقى بالمسؤولية الأولى على عاتق الزوج، وأكد على عواطف الرجال نحو النساء، فلفت أنظارنا إلى أن المرأة ضعيفة فأوصانا بها خيرًا، وحتى عندما تخطئ أوصى زوجها باللين والرفق معها، والتدرج في العلاج وحتى في وسيلة الضرب التي يهاجمنا بها الأعداء وصفه بقوله:» غير مبرح«، ثم أردف قائلًا ، »فإن انتهين فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف«فهل لمتشدق غربي أو شرقي أن يشيد بحضارة غير حضارة الإسلام، زاعمًا أنهم هم محررو المرأة؟ هل هم المحافظون على حقوقها، في حين تخبرنا وسائل إعلامهم بصور من القسوة والعنف لا مثيل لها؟! 

ولرجال الإسلام أقول: لقد حملك رسول الله  المسؤولية الأولى لإصلاح أسرتك، فلتبادر أنت دائماً بإصلاح بيتك، حتى تكون مطيعًا  لرسولك وحبيبك ، ومن ثم تسعد بحياتك في الدنيا ونعيمك في الآخرة.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2122

165

الأربعاء 01-أغسطس-2018

حج المَدين.. صحيح أم باطل؟

نشر في العدد 2122

146

الأربعاء 01-أغسطس-2018

الحج.. وهموم الأمة

نشر في العدد 2181

177

السبت 01-يوليو-2023

الحـج.. ووحـدة الأمــــة