; دروس مما حدث في لبنان | مجلة المجتمع

العنوان دروس مما حدث في لبنان

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الأربعاء 04-فبراير-1976

مشاهدات 50

نشر في العدد 285

نشر في الصفحة 22

الأربعاء 04-فبراير-1976

أثناء القتال الضاري في لبنان ألقى سماحة الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود رئيس المحاكم الشرعية والشؤون الدينية بقطر خطبة جمعة في ٧ محرم ١٣٩٦ عن أحداث لبنان.

ومن فقه الدين، وفهم الدنيا أن ترتبط خطبة الجمعة بقضايا العالم الإسلامي وأزماته ومشكلاته.

ومن فقه الدين أن يتخذ من انتباه الناس- المشدود إلى قضية ما- فرصة لطرح التصور الإسلامي ومناسبة لتذكير الخلق بمعاني الدين ووصاياه. 

ومما جاء في خطبة الشيخ عبد الله آل محمود:

الحمد لله، معز من أطاعه واتقاه، ومذل من أضاع أمره وعصاه، الذي وفق أهل طاعته للعمل بما يرضاه، وخذل أهل معصيته فاستحوذ عليهم الشيطان وحبب إليهم الكفر والفسوق والعصيان وأنساهم ذكر الله. وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله.

أما بعد، فإن الدنيا محفوفة بالأنكاد والأكدار وبالشرور والأضرار، وبالهموم والغموم والأحزان، ولا يهذبها ويصفيها سوى الدين وطاعة رب العالمين، ففي الحديث «عجبًا لأمر المؤمن أن أمره كله لخير، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له وليس ذلك إلا للمؤمن».

تأتي المصائب حين تأتي جمة

 

وأرى السرور يجيء في الفلتات

إنه ما أعطي أحد عطاء في الدنيا أفضل ولا أوسع من العافية وإنه لا يعرف أحد قدر العافية إلا بعد الوقوع في ضدها من البلاء، والنبي- صلى الله عليه وسلم- قال: «إنه ما أعطي أحد عطاء أفضل من العافية»، وقال للعباس: «يا عم؛ سل الله العافية في الدنيا والآخرة»، ومن دعاء القنوت «اللهم؛ اهدنا فيمن هديت وعافنا فيمن عافيت»، وكان يقول إذا أصبح وإذا أمسى: «اللهم إني أسألك العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدنيا والآخرة، اللهم؛ إني أسألك العفو والعافية في ديني وبدني وأهلي ومالي، اللهم؛ استر عوراتي وآمن روعاتي» وكان يقول في سجوده: «اللهم؛ إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك»، ويقول: «اللهم؛ إني أعوذ بك من زوال نعمتك وتحول عافيتك وفجأة نقمتك وجميع سخطك» وهذه الأدعية تدل على فضل نعمة العافية. وإن من زوال النعمة والابتلاء بفجأة النقمة، ما ابتلي به أهل لبنان من الفتنة التي عم ضررها وتفاقم شرها وشررها، فشملت جميعهم، غنيهم وفقيرهم ورجالهم ونساؤهم وصغارهم وكبارهم وأرضهم وزرعهم ودورهم حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم. 

ومن المعلوم أنه لم ينزل بلاء إلا بذنب ولم يرفع إلا بتوبة، وأن للمنكرات ثمرات وللمعاصي عقوبات ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ. (النحل:112)، وقد قص الله علينا خبر الأمم المعذبين قبلنا، فقال: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ. (العنكبوت:40)، وإنما قص الله علينا خبرهم ليكون لنا بمثابة العظة والعبرة وخير الناس من وعظ بغيره. 

إن الناس في الدنيا بين مبتلى ومعافى، فارحموا أهل البلاء واحمدوا الله على العافية.

وهذا القتال الواقع في لبنان هو قتال بين المسلمين والكفار، أو بين المسلمين والنصارى. هذا هو الظاهر المتبادر إلى الأذهان، فهو من عداد الحروب الصليبية ولا نقول: إن كل من يسمون مسلمين في لبنان أنهم مسلمون على الحقيقة، بل فيهم المسلم وفيهم المنافق كسائر البلدان المجاورة لهم، والنفاق لا يخلو منه زمان ولا مكان حتى ولا مدينة رسول الله في حياته، فقد كان فيها المنافقون. يقول الله: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ ۖ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ۖ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ ۖ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ۚ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ. (التوبة:101) ولما استؤذن رسول الله في قتل رجل من المنافقين قال: «لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه» فعاملهم رسول الله بظاهر إسلامهم مع علمه بنفاقهم، لأن الأحكام تدور على الظاهر والمسلمون في لبنان يتسمون بالإسلام وقد أظهر أعداؤهم خدعة خدعوا بها بعض الناس، وهي قولهم: إن المسلمين في لبنان شيوعيون يساريون يريدون بهذه الكلمة تفتير عزائم حكام المسلمين عن نصرتهم حتى لا يمدوا لهم يد المساعدة والعون، وأخذ أنصارهم من نصاري لندن ينددون بهذه الكلمة ويرددونها على أسماع الناس في إذاعتهم ليروجوا بها في أذهانهم وهي خدعة حرب، فإن الحرب خدعة، وإلا فإن الشيوعية لم تشهد المعركة ولم ينشب القتال بسببها ولا على حسابها، وإنما ثارت الفتنة بسبب بغي الكتائب على المسلمين ومحاولتها إزالة اسم الإسلام عن لبنان. وفي الكتاب الذي كتبه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عند موته بأن «ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم وهم يد على من سواهم»، ومعنى كونهم يدًا على من سواهم، أنه متى نبغ عدو على المسلمين كهذه الطائفة المتعصبة، فإن من الواجب على المسلمين أن يكونوا کاليد الواحدة في دحر نحره ودفع شره، لكون المسلمين بعضهم أولياء بعض، والله يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَّنَصَرُوا أُولَٰئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُم مِّن وَلَايَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا ۚ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ. (الأنفال:72). فأوجب الله على المؤمنين أن ينصر بعضهم بعضًا، وأن يساعد بعضهم بعضًا، لأن المسلمين كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر، والمسلمون كثيرون بإخوانهم قويون بأعوانهم، والأخوة الإسلامية تستدعي العطف والحنان والصدقة والإحسان ومساعدة منكوب الزمان، فإن المسلم للمسلم إخوان ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا ۚ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا ۚ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا ۘ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ. (المائدة: 2). والمساعدة إذا لم تكن بالقوة والرجال فإنها تكون بالمال، لأن المال هو المحور الذي تدور عليه رحى الحرب ويستعان به في الطعن والضرب وينقذ الناس عن الوقوع في الهلكة والجوع الذي يمكن عدوهم من استئصالهم والقضاء عليهم جميعًا، ولا ينبغي أن يكون الكفار في تساعدهم وتناصرهم على باطلهم أقوى من المسلمين في حقهم. ومن الخطأ وفساد التصرف كون حكام المسلمين يساعدون الكتائب من النصارى على المسلمين لروجان هذه الحجة الباطلة، بل يجب مساعدة المسلمين عليهم.

ونحن نحب أن يعيش المسلمون مع المسيحيين متجاورين متعاشرين متساعدين كحالتهم السابقة ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ. (الكافرون:6). فلا يتعدى بعضهم على بعض، ولا يسفك بعضهم دم بعض، ولا يجعلون اختلاف دياناتهم سببًا لمثار النزاع وسل السيوف من بينهم، وكان من حالتهم مع المسلمين في فتوحاتهم في قديم الزمان أنه لما اتسعت الفتوح الإسلامية وامتد سلطان المسلمين على الأقطار الأجنبية من بلدان الروم، صار النصارى مع المسلمين في أمن وأمان وعزة واطمئنان، وسموا أهل الذمة من أجل أنهم في ذمة الله وذمة المؤمنين. من رامهم بسوء غرم وإثم، فصار الجميع يتعاونون على الكسب والسعي والعمران وفنون العلم والعرفان، يساعد بعضهم بعضًا في ذلك الزمان، وأخذ الخلفاء وحكام المسلمين ينشرون عليهم ظلًا ظليلًا من الرعاية والاحترام والعدل فيحترمون دماءهم وأموالهم كما يحترمون دماء المسلمين وأموالهم ويحترمون أيضًا معابدهم وكنسائهم ويحمونها فلا يتعرض لها أحد بضرر ولا يمنع أهلها من دخولها، فهذا صنيع المسلمين مع المخالفين لهم في الدين، وبسببها أخذ النصارى يدخلون في دين الله أفواجًا أفواجًا طائعين مختارين، ومن أقام منهم على دينه فإنه آمن على ماله ودمه وقد أساء النصارى الصنيع مع المسلمين في لبنان وفي كثير من البلدان ضد ما فعله بهم المسلمون وضد ما كان عليه قدماء المسيحيين. فإن من تعاليم المسيح الأمر بالهدوء والعفو والصفح وعدم الانبعاث إلى الشر حتى ولو حصل الغلط والخطأ من بعض البشر.

وناهيك بحوادث هذا الزمان، فإنهم لما تباعدوا عن تعاليم المسيحية أخذوا يتميزون بالحقد والشحناء على المسلمين وسفك الدماء والتمثيل وتشويه الأبرياء وخطف الأولاد والنساء وهدم المساجد المشيدة للعبادة وإساءة الصنيع مع المسلمين بل ومع أهل ملتهم من النصارى فقد قتلوا الرهبان في كنيستهم، ودين الإسلام وسائر الأديان تحرم قتل الرهبان وهذه الأعمال لم تشهد لبنان ولا غيرها من البلدان أبشع ولا أشنع منها، حتى صارت لبنان نيران مستعرة وأنقاض مستقذرة كله حرصًا منهم على إزالة اسم الإسلام وأهله وهذا العمل بهذه الصفة ينذر بشر العواقب وأسوأ النتائج عليهم وعلى كافة الناس معهم ﴿۞ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ۛ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا ۛ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ۖ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ ۖ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا ۚ وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ۚ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ. (المائدة:41). ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ ۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ. (الرعد:11).

وصدق الله العظيم ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا. (الإسراء:16). ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا ۗ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ. (الشعراء:227). نسأل الله الثبات على الإسلام ونعوذ بالله من منكرات الأخلاق والأقوال والأعمال.

الرابط المختصر :