; دروس من حياة البنا واستشهاده | مجلة المجتمع

العنوان دروس من حياة البنا واستشهاده

الكاتب محمد النايف

تاريخ النشر الثلاثاء 26-فبراير-1974

مشاهدات 68

نشر في العدد 189

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 26-فبراير-1974

قبل ربع قرن من هذا الشهر، أصابت رصاصة غادرة انطلقت من يد أثيمة، العالم المجدد والداعية المجاهد الأستاذ الشيخ حسن البنا رحمه الله، وأكرم مثواه وأسكنه فسيح جناته.

فبكاه العالم الإسلامي، وخسر بفقده القائد الذي انتزع من قومه وهم بأمسِّ الحاجة إليه، ورقص لاستشهاده الاستعمار وصنائعه طربا ونشوة.

وللرجل حقوق علينا، فلقد أوجد مدرسة فريدة من نوعها، وجمع المسلمين على الهدى، وخلال سنوات قلائل اجتمع على هذا المدرس مئات الألوف بعد أن رأوا فيه صدق القول، وإخلاص القصد، وقض مضاجع الطغاة وأسيادهم الإنجليز، وصار حديث الخاصة والعامة، والأمل المرتقب في نهضة المسلمين الحديثة.

من حقوق الرجل علينا: أن تتحدث عنه في ذكرى استشهاده لا لنبكيه ونذرف لفقده الدموع- وهو أهل لذلك- ولكن لننصر الدعوة التي رعاها، و نشعر بخطورة الرسالة التي مضى البنا شهيدًا في سبيلها ضمن قافلة بدأت بياسر وسمية مرورا بـحمزة سيد الشهداء ومصعب وعمار، وما زالت وستبقى يتقدمها خيرة رجالات الإسلام، وهؤلاء جميعا نجوم مضيئة في ليل حالك الظلام، وأقمار هدى للباحثين عن الضياء.

 

فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم /// إن التشبه بالكرام فلاح

إننا إذ نذكره -رحمه الله-  نذكر فيه صفات ومؤهلات جديرة بالبحث والدراسة فمنها:

١- مقومات القيادة:

كان البنا شديد الإيمان، كثير التردد على المساجد رغم صغره، يقود أترابه إلى الصلاة ويؤمهم، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وقافا عند حدود الله، بعيدًا عن أقران السوء وأولى السفه، لم يشغله لهو ولا تعلق قلبه بغير ذكر الله..

 وشب على ذلك اختبر الدعاة، وأخذ عنهم جوانب الخير، وعاش آلام أمته، وتفرق كلمة العاملين للإسلام، ولشد ما كان يؤرقه انتشار الميوعة والإلحاد بين شباب مصر- آنذاك-، تقليد الغربيين في الضار قبل النافع.

وكان مشرق النفس، متوقد الذاكرة، حفظ القرآن وهو صغير، وحفظ كثيرًا من متون النحو والحديث والفقه على فحول العلماء، وورث العلم كابراَ عن كابر..

فكان- رحمه الله- عالمًا عاملًا، وصاحب قلب يجذب القراء، وخطيبًا مفوهًا تتعلق به الجماهير ومن الخطورة بمكان أن يتقدم الدعوة جهلة ليس لهم حظ من العلم يؤهلهم لذلك.

فكانت من الأسباب التي جعلته يحسن اختیار أصحابه، ويعرف حقيقة الذين

يتعامل معهم، ويضع الرجل المناسب في المكان المناسب.

وعاش البنا زاهدًا في الدنيا، يعلم أنها لا تساوي عند الله جناح بعوضة، ووضع ماله ووقته وروحه رهنا لدعوته، و قربانًا لإرضاء ربه، وهل بعد هذا من تضحية؟!

وهو بعد ذلك واسع القلب، يتسع قلبه لجميع المسلمين، يحبهم ويتعاون معهم، ويصفح عمن أساء إليه بعد أن يكظم غيظه، ويصل من قطعه، وما كان ينتصر لنفسه، ولا يستبد به هوى، ولا يغضب إلا لله.

لم يكن -رحمه الله- متسلطًا، ولا فظًا غليظ القلب، ولا حزبيًا ضيق الأفق.

لقد شهد له بالخير العدو قبل الصديق.

 

۲- حتى موته قدوة:

عاش البنا قدوة لإخوانه، قدوة في علمه وجهاده وزهده وسعة قلبه، ومات قدوة … مات في سبيل الله وهو ماض في تبليغ الدعوة، جاءت أعماله خير شاهد على صحة ما يؤمن به.. وهكذا العظماء المصلحون:

﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (العنكبوت: 2) 

﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (البقرة: 155)

وبهذا يقول الشهید سید قطب رحمه الله: «ويمضي حسن البنا إلى جوار ربه، يمضي وقد استكمل البناء أسسه، يمضي فيكون استشهاده على النحو الذي أريد له: عملية جديدة من عمليات البناء..عملية تعميق للأساس، وتقوية للجدران. وما كانت ألف خطبة وخطبة، ولا ألف رسالة للفقيد الشهيد لتلهب الدعوة في نفوس الإخوان. كما ألهبتها قطرات الدم الزكي المهراق..

إن كلماتنا تظل عرائس من الشمع، حتى إذا متنا في سبيلها دبت فيها الروح وكتبت لها الحياة».

رحم الله سيدًا فلقد مضى حيث مضى أستاذه الذي أحبه وبارك في باكورة إنتاجه الإسلامي «العدالة الاجتماعية في الإسلام». وتبعهما المجاهد الصامت الأستاذ حسن الهضيبي ..مضوا جميعا وهم يهتفون:

«هذا هو طريق أصحاب الدعوات، الحقوا بنا لا تفتنكم الدنيا ولا تشغلكم أموالكم و أولادكم عن ذكر الله».

 

٣- إيمان البنا بوجوب الدعوة والتبليغ:

صدع البنا بدعوته لا يخاف جبارًا ولا يخشى ظالمًا.. وكانت حياته كلها لهذه الدعوة، فهو يزور العلماء ويجوب المدن والأحياء، ويستفيد من عمله كمدرس، ويرتاد النوادي والمقاهي، ويتنقل في بيوت الله من مسجد لآخر.

كان- رحمه الله- يشعر أن تبليغ الدعوة فرض عين على أمثاله، يمضي سحابة النهار مع أبنائه الطلبة فإذا غادر المدرسة يمم نحو المساجد والنوادي فإذا جاءت عطلة الجمعة ركب القطار ليزور عددًا من المدن والأرياف، يخطب الجمعة في مدينة ويحاضر في مدينة أخرى، ويزور إخوانه ليتدارس وإياهم شؤون الدعوة ويحاسبهم عما عملوا.

ويعود صباح السبت لمدرسته وهو في شوق لطلابه ويصاحب ذلك كتابة الرسائل التي يعالج فيها مشاكل المجتمع، ويعكف على تربية وإعداد إخوانه.

لقد هجر نعيم الحياة، ودفء الفراش، وشهوة جمع المال، وأدرك أن لا شيء يعدل لذة العمل لله.

أحيا في مساجد مصر روح الدعوة، وأعاد إليها حلقات العلم والمعرفة.. فاكتظت بالشباب المثقفين، وازدحمت بالعصاة الذين أتوها تائبين عابدين.

لم يعش البنا لنفسه ولا لأهله ولا لمصر، ولكنه عاش للعالم الإسلامي الذي رأى فيه خير قائد واكفأ مجدد.

 

٤- البنا وعامة المسلمين:

كان -رحمه الله- يعتقد بضرورة اجتماع كلمة المسلمين لإقامة حكم الله، ولا يسأم من كثرة الاتصال بهم والنصح لهم، ويصبر على كيد الكائدين ولمز المعاندين. ويكره المعارك الجانبية، ويحسن الظن بالناس. فيرسل الرسائل لزعماء الدول الإسلامية يذكرهم بضرورة العودة إلى المنهج الإسلامي، ويذهب بنفسه أو يرسل وفود الدعاة في مواسم الحج.. ويقومون بنشاط واسع، وقطف العالم الإسلامي إثر هذا النشاط في امتداد حركة البنا لجميع البلدان الإسلامية.

وإذا أراد أن يقيم معهد للدعاة، دعا جميع العلماء من غير الإخوان كمحب الدكن الخطيب وعبد الرحمن عزام، ليستشيرهم ويستفيد مما عندهم وبالتالي يشعر أن هذه الدعوة بحاجة لكل مسلم.

أما رسائله لإخوانه فكتب لهم رسائل في العقيدة والتوحيد دعاهم فيها لعقيدة السلف، وبهذا يقول: «ونحن نعتقد أن رأي السلف أسلم وأولى بالاتباع، حسمًا للتأويل والتعطيل فإن كنت ممن أسعده الله بطمأنينة الإيمان، وأثلج صدره ببرد اليقين فلا تعدل به بديلا».

وكان يكره التعصب المذهبي ويشجع على أن يجتهد الأخ ما استطاع في معرفة الدليل.

وقال عن دعوته أنها سلفية، وصحيح إنه ذكر كذلك صوفية، لكنه قال أقصد بالتصوف «علوم التربية والسلوك» لا الصوفية التي ضاعت بين الفلسفة والمنطق ومواريث الأمم الماضية وأفكارها معتقدات الفرس والبوذيين.

 

٥- البنا في فترات الشدة والاضطهاد:

قد يقول قائل: إن البنا عاش زمنًا وحكومات تؤمن بالحرية وتصونها، ويستطيع المسلم أن يبلغ دعوته، فكان له هذا الأثر!!

وهذا القول خطأ محض!!

فلقد عاش البنا -رحمه الله- حياة المحنة والاضطهاد على يد حكومة «حسين سري» بضغط من السفارة الإنجليزية؛ إذ صادرت هذه الحكومة مجلتي التعارف والشعاع الأسبوعيتين، ومجلة المنار الشهرية، ومنعت طبع أي رسالة من رسائلهم، وأغلقت مطبعتهم ونقلت الأستاذ البنا من القاهرة إلى قنا ثم أعيد للقاهرة واعتقل مع عدد من الإخوان.

وكذلك بدأ النقراشي عهده باعتقال المرشد العام ومجموعة من إخوانه، وتكرر الاعتقال في حكومة إسماعيل صدقي واستمرت المحنة حتى عاد النقراشي عام ١٩٤٨ وأصدر أوامره بحل الجماعة وشعبها وكافة الأشياء المملوكة للجمعية.

وآخر المحن ما أصاب الجماعة في عهد خلف النقراشي إبراهيم عبد الهادي التي انتهت بمقتل المرشد العام أمام دار الشبان المسلمين في١٢-٢-١٩٤٩.

إذن شق البناء طريقه بين الأشواك والصخور، فما أقعده السجن، وأضعفه التهديد، وما حاول أن يفلسف الدعوة لتأتي متناسبة مع إيثار الراحة والعافية.

لقد صبر وصابر حتى لقي وجه ربه وهو في أول كهولته.

 

٦- التخطيط ومناهج العمل عند البنا:

سار -رحمه الله- بدعوته بشكل تدريجي، وكان يقدم لإخوانه كل ما يحتاجون إليه، فلا يتركهم في منتصف الطريق مشدوهين ضائعين.. وإنما كان يسير بهم في نظام مرحلي، وليس سرًا من الأسرار أنه كان يهدف من وراء هذه الجهود إقامة حكم الإسلام، وإعادة الخلافة الراشدة، وتوحيد كلمة المسلمين في دولة واحدة.. لهذا كان يعمل ويكتب.

وإذا كان المنهج الملائم هو الذي يأتي متناسبًا مع الزمان والمكان، فرسائل الإمام كانت في مستوى العمل الإسلامي، وأكثر من ذلك بدليل أننا ما زلنا حتى يومنا هذا نجد فيها صورة صحيحة للعمل الإسلامي، وأكثر من ذلك بدليل أننا ما زلنا حتى يومنا هذا نجد فيها صورة صحيحة للعمل الإسلامي،  ونشعر بشدة الحاجة إليها. وكان لا يكثر من الكتابة إلا بقدر حاجة الجماعة، وهو بما آتاه الله من مواهب سفر نفیس، يعود إليه جميع العاملين.

وكان سياسيًا بعيد النظر، يدرك خطورة ما ستلده الليالي الحبالى، يقول رأي الإسلام مهما كلفه ذلك من تضحيات، كان متحمسًا لإخراج الإنجليز- يوم كانت السفارة الإنجليزية هي التي تحكم شؤون مصر.

والعجيب أن الأستاذ البنا كتب مقالًا عن أهمية «سيناء» عام ١٣٦٥ يرد فيه على رئيس الوزراء صدقي باشا الذي قال عن سيناء «برية سيناء»، بين في هذا المقال خصوبة أرضها، وإمكانية وجود البترول فيها، وطمع إسرائيل بهذا الجزء المبارك.

كان هذا المقال قبل ما يقارب الثلاثين عامًا.. ثم عاد سيد قطب -رحمه الله- عام ١٩٥٢ وتناول نفس الموضوع «سيناء» في مقال نشرته جريدة «الدعوة»، وحذر من التفريط بذرة تراب من هذه البقعة المباركة.

كان الحديث عن سيناء آنذاك أمرًا لا يخطر ببال أحد. والآن سيناء أخذتها إسرائيل وما زالت تستفيد من بترولها وخيراتها، ومن أجل هذا كان اغتيال البنا وإخوانه.

 

وبعد:

هذا هو البنا الذي أحببناه، ورأينا فيه رائدًا ومجددًا وباعث نهضة.

أحببناه لما قدم لدعوته من بذل وتضحية.. وإن الحركات الإسلامية وجميع الدعاة اليوم مدينون لهذا العملاق العظيم.

وسار على طريق البنا في الشهادة أعلام كبار كالفرغلي وعبد القادر عودة وسيد قطب والهضيبي.. رحمهم الله رحمة واسعة، وأسكنهم مع النبيين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا. وجميع هؤلاء الشهداء من مدرسة واحدة ومنهج واحد. لا نعتقد فيهم العصمة بل هم بشر ومن طبيعة البشر الخطأ. وأما أسوتنا وقدوتنا فهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكم في رسول الله أسوة حسنة. ومن اقتدى برسول الله صلى الله عليه وسلم يبقى أبدًا قوي العزيمة رابط الجأش، شديد التفاؤل، لا يعرف اليأس سبيلًا إلى قلبه. ولا ندري على يد من يكون خير المسلمين.

والإسلام الذي جعل من البنا رجلًا عظيمًا، كفيل لمن التزمه أن يحقق ما يراه العاجزون مستحيلًا.

وكان البنا ينظر بنور الله وفراسة المؤمن عندما كان يتحدث عن مستقبل الدعوة:

«أحب أن أعرفكم أن دعوتكم لا زالت مجهولة عند كثير من الناس، ويوم يعرفونها، ويدركون مراميها وأهدافها ستلقى منهم خصومة شديدة، وعداوة قاسية، وستجدون أمامكم كثيرا من المشقات، وسيعترضكم كثير من العقبات وفي هذا الوقت وحده تكونون قد بدأتم تسلكون سبيل أصحاب الدعوات.. وستدخلون بذلك ولا شك دور التجربة والامتحان، فتسجنون وتعتقلون وتقتلون وتشردون وتصادر مصالحكم، وتفتش بيوتكم، وقد يطول بكم مدى هذا الامتحان ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (العنكبوت: 2)

ولكن الله وعدكم من بعد ذلك كله نصرة المجاهدين ومثوبة العاملين المحسنين»

بهذه الكلمات القليلة تكلم واقعًا طويلًا ورسم الخطوط العريضة ولسان حاله يقول:

من كان يؤثر العافية والراحة على العمل والدعوة، ونعومة الطعام واللباس على خشونة الحياة، ومن ظن أن سبيل الدعوات بالكلام واللسان.. فليجتنب هذا الطريق.

رحم الله البنا وأكرم مثواه، وأسكنه عليين. وأنصح إخوان البنا أن يستفيدوا دروسًا من حياته ومماته، وأن يعودوا لرسائله ومذكراته.. ففيها خير كثير إذا تدبرناها، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

الرابط المختصر :