العنوان دروس من مسجد أبي بكر!
الكاتب محمد الداه
تاريخ النشر الثلاثاء 01-أغسطس-2000
مشاهدات 62
نشر في العدد 1411
نشر في الصفحة 54
الثلاثاء 01-أغسطس-2000
اضطر المشركون أبا بكر إلى داره فأقام فيها مسجدًا.. وقام يسمعهم القرآن!
قراءة القرآن بتدبر وخشوع تحرك الفطرة.. وتأسر الوجدان.. وتجذب للإسلام.
كان أبو بكر الصديق - رضي الله عنه- من أرجح الناس عقلًا، وأكثرهم اطلاعًا على ثقافة عصره ومعارف أهل زمانه مع حسن المعاشرة، وطيب المخالطة، ولين الجانب، وبذل المعروف والإفادة للجليس، وكان قومه يكثرون من التردد عليه ويحرصون على الانتفاع منه، لما جبل عليه من الخصال الحميدة، والعلم بأيام العرب وما فيها من خير وشر، وأنساب رفيعة وأخرى وضيعة، مع خبرته في أخلاقيات الناس ومعاملاتهم، إذ كان سفير قريش وتاجرها.
فلما بعث الله محمدًا صلي الله عليه وسلم نبيًا ورسولًا ودعا أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - لما جاءه من الله تعالى انتفع أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - بعد توفيق الله تعالى له بما وهبه الله من علم وثقافة وخبرة في أحوال الصادقين والكاذبين، وما فيه الخلق من الخير والشر، حيث نظر في أحوال النبي صلي الله عليه وسلم: « فوجده أبر أهل زمانه وأصدقهم، وأقربهم إلى كل خير في زمن الجاهلية، فعلم أن من جبل على أصول هذه الأخلاق الكريمة لا يجوز - في تصور العقل - أن يكذب على الله جل جلاله، ويجانب الكذب على الناس، بل هو صادق وما جاء به حق وخير.
لذلك بادر إلى الإيمان، ولم يتردد، كما قال عنه صلي الله عليه وسلم : «ما دعوت أحدًا إلى الإسلام إلا كانت فيه عنده كبوة، ونظر وتردد، إلا ما كان من أبي بكر بن قحافة، ما عكم عنه حين ذكرته له، وما تردد فيه».[1]
لم يتلبث أبو بكر أو يتريث في التصديق والإيمان، لأن أعظم مسالك معرفة صدق النبي وأقربها دلالة النظر في مسلكه وسيرته الشخصية، وكان - رضي الله عنه - على علم تام بأحوال النبي صلي الله عليه وسلم وأخلاقه، قبل أن يذكر له نبوته ويدعوه إلى الإيمان به وبما جاء به، فلذلك لم يتلعثم في الأمر بل سارع إلى الإيمان وانقاد للحق صنيع العاقل الموفق إذا تجرد من الهوى والعصبيات.
أمانة يجب أداؤها:
ثم إنه - رضي الله عنه - علم بمجرد الدخول في هذا الدين أنه أمانة يجب أداؤها، وبذل الوقت والجهد والمال في تبليغها سرًا وجهرًا، فجعل يدعو إلى الله وإلى الإسلام من وثق به من قومه ممن يغشاه ويجلس إليه».[2]
فأسلم بدعوته - سرًا - من أشراف قريش عثمان بن عفان والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله... فجاء بهم إلى رسول الله له حين استجابوا له فأسلموا وصلوا.. فكان هؤلاء من الذين سبقوا الناس بالإسلام».[3]
ولما أمر الله بإعلان الدعوة والصدع بالحق كان أبو بكر الصديق - رضي الله عنه- أشجع الناس في ذلك، أكثرهم بعد النبي صلي الله عليه وسلم إعلانًا بدعوة الإسلام.
فلما أشتدت الأذية من الكفار على أولئك الأشراف ووجدوا في دينهم الإذن في الخروج من أوطانهم فرارًا بدينهم خرجوا مهاجرين غير مكترثين بالغربة وهجر الديار والأهل والأوطان، وكان من الذين خرجوا على نية الهجرة أبو بكر الصديق - رضي الله عنه-قالت أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها- .. فلما أبتلي المسلمون خرج أبو بكر مهاجرًا نحو أرض الحبشة حتى بلغ برك العماد لقيه ابن الدغنة - وهو سيد القارة - فقال: أين تريد يا أبا بكر فقال أبو بكر أخرجني قومي فأريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربي ، قال ابن الدغنة فإن مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يُخْرج، إنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، فأنا لك جار، أرجع وأعبد ربك ببلدك».[4]
الدعوة في العلن:
فهذه الصفات التي ذكرها هذا الرجل العاقل في أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - ولم يعترض على صدقها أشراف قريش عندما عرضها أمامهم ابن الدغنة هي الصفات نفسها التي ثبتت بها أم المؤمنين خديجة - رضي الله عنها - فؤاد النبي الله عندما فاجأه جبريل عليه السلام بالنبوة في غار حراء، وهي التي كان يربي عليها أصحابه بعد النبوة، ولكن وجدنا أن الكفر إذا خالطه الطغيان والتعصب لا يعتبر هذه الخصال الحميدة ولا يقيم لأهلها وزنًا، بل تزيد الكافرين حنقًا على صاحبها عندما يظل على دينه، ويدعو إلى ربه، ويعلن بذلك أمام الشعوب التي تتأثر بدعوته أو حتى صلاته وقراءته، وهذا فعلًا واقع كفار قريش مع أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -وهو واقع كل مجتمعات الكفر والطغيان، وانظر مصداق ذلك من خبر أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق إذ تقول - رضي الله عنها - في وصف حال أبيها بعد قبول قريش لجوار ابن الدغنة له: «مر أبا بكر فليعبد ربه في داره فليصل فيها وليقرأ ما شاء ولا يؤذينا بذلك ولا يستعلن به فإنا نخشى أن یفتن نساءنا وأبناءنا فقال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر، فلبث أبو بكر بذلك يعبد ربه في داره ولا يستعلن بصلاته ولا يقرأ في غير داره».[5]
ولكن هذا الأمر الذي قبله أبو بكر مؤقتًا لا جديد فيه ولا يفيد الدعوة ولا ينشرها ولا يؤدي البلاغ الواجب، ولا يتحقق به الصدع بالحق لذلك تصرف تصرفًا مرحليًا حكمة دعوية وسياسة ربانية.
بناء المسجد:
ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدًا بفناء داره، وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن فيتقذف عليه نساء المشركين وأبناؤهم وهم يعجبون منه وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلًا بكاء لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن. [6]
فهذا المسجد وأمثاله من المساجد - مهما كانت صغيرة - تفزع المشركين وتقلق الملأ من أشرافهم، ويتحركون بكل قواهم لغلقه أو عزل إمامه، أو العمل على إخفاء صوته، ونبذ العقود المبرمة بخصوصه، أو الجار الذي ترك من أجله، ذلك أنه يقرأ فيه القرآن بصوت خاشع متأثر من قارئ متدبر متفهم كأنه يخاطب المستمعين له ويحرك فطرهم به، لذلك أعجبهم فازدحموا عليه وتلذذوا وجدانيًا بلذيذ خطابه، وتنافسوا في القرب والنظر من هذا الرجل الذي يقرأ ويبكيفهل الذي يبكيه حقًا يُبكي؟
إن الأسئلة التي كانوا يوجهونها لأنفسهم، ولا يجرونها على ألسنتهم كثيرة، لكن الذي تهدف إليه - مع وضوحه - يمكن اختصاره فيما يأتي:
١ - الدين الحق لا يقف في وجه انتشاره وإقبال الناس عليه عولمة أو نظام، خصوصًا إذا رجالًا يتبعون الأنبياء في حرصهم على هداية الناس، ويوطنون أنفسهم على التخلق بتلك الصفات التي ذكرتها أم المؤمنين خديجة للنبي صلي الله عليه وسلم ، وتلك الصفات التي صبغ بها النبي صلي الله عليه وسلم رجال الدعوة من الرعيل الأول.
ويؤكد ما سبق أن تنظر في الفترات التي يبعث الله فيها نبيًا أي نبي في أي مجتمع منذ نوح عليه السلام إلى خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم فإنك لا تجد السائد في تلك البيئات إلا عولمة الكفر، وما يناصره، ويقوي ركائزه.
٢ - أن تتأكد أننا لو وجدنا في كل عاصمة من العواصم الإسلامية وغير الإسلامية على السواء مسجدًا كمسجد الصديق - رضي الله عنه- يسمع فيه إمامه المصلين والمستمعين القرآن بصوت خاشع متدبر يخاطب به عقولهم ويحرك به فطرهم لكان في ذلك البلاغ والأثر الحسن، ويؤكد لك ذلك أن النبي له ما كان يزيد في مثل هذه الحالات الأولية في الدعوة والتبليغ على أن يقرأ على المستمع شيئًا من القرآن أو يقول الزعماء القبائل ورؤساء الوفود في الحج « ألا رجل يحملني ويمنعني حتى أبلغ كلام ربي، فإن قريشًا منعوني أن أبلغ رسالة ربي».
وهل رأيت الصديق - رضي الله عنه - زاد هنا على أن أسمعهم القرآن ببكاء وتأثر؟
٣- إن تعلم أن النفوس وإن كانت معرضة عن الله تعالى مقبلة على الشهوات والملذات المسموعة والمنظورة والمأكولة والمشروبة والمنكوحة، فإنها تُحس بأن احتياجها إلى ربها وخالقها، ولما جاء من عنده على لسان أنبيائه ورسله أكثر من حاجتها للماء والغذاء والأطباء والدواء، ولكن من يعرفها بتلك الحاجة الضرورية إلا الأنبياء وورثة الأنبياء من العلماء الربانيين الذين يعملون بما يعلمون، ويصبرون على من يعلمون، ويتحملون في ذلك أذى من يدعون أو يُعادون؟
نسأل الله تعالى أن يكثر من أمثال هؤلاء ويعينهم، ويكتب الخير للعالم على أيديهم.
[1] ابن هشام 1\252.
[2] المرجع السابق: 1\250.
[3] المرجع السابق: 1\ 252،251.
[4] فتح الباري: 7\230.
[5] المرجع السابق: 7\231.
[6] أبو داود 1\103.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل