العنوان دروس وعبر في ذكرى استشهاد الإمام: «٢ من ٢».. حسن البنا.. الداعية والمربي والمجاهد
الكاتب محمد عبدالله الخطيب
تاريخ النشر السبت 16-فبراير-2008
مشاهدات 56
نشر في العدد 1789
نشر في الصفحة 36
السبت 16-فبراير-2008
- كان يؤمن إيمانًا عميقًا بأن الإسلام هو زورق نجاة العالم كله
- تعلمت الأجيال منه أن الجهاد ليس ألفاظًا منمقة ولا خطبًا رنانة.. بل عمل شاق وصبر وإخلاص وتربية
- يقول عنه شقيقه عبد الرحمن البنا: كان لا يفتر عن مصحفه ولا يغيب عن قراءته ويملأ البيت بتلاوة القرآن
حين نتحدث عن الإمام البنا يرحمه الله تعالى نتحدث عن واحد من الرجال الذين تتجلى سيرتهم في جهادهم وتاريخهم في إيمانهم وثباتهم، عن واحد من الرجال الأعلام، الذين لا يرون أنفسهم إلا جنودًا للحق في ميدان الجهاد، يؤدون واجبهم ويبذلون أقصى طاقاتهم في سبيل ما آمنوا به واعتقدوا أنه الحق، وفي هذه الآفاق كانت مسيرة الإمام البنا، كان روحًا وريحانًا، وقدوة عملية واقعية.
إن كثيرًا من المفاهيم لا يتم ظهورها إلا إذا تحققت في صورة واقعية محسوسة يراها الناس في الحياة.
ودعوة الإسلام العظيم، ترتبط دائمًا بالقدوة في الأفعال والأعمال، ودعوة الإسلام التي جددها الإمام البنا، ليست طقوسًا مبهمة، ولا ترانيم غامضة، بل هي رسالة أضوأ من البدر هدفها السمو والارتقاء بالإنسان، روحيًا وعقليًا وخلقيًا، واقتصاديًا وسياسيًا، والمسلم الصادق هو الترجمة العملية لها. لقد عمل الإمام طوال حياته على إبطال تقديس الأشخاص، فاختفي النفاق في صفوف الذين رباهم على الحق وساد عنصر التقدير لمن يستحق، وبقي معنى الاحترام لأهل الفضل والسبق، وتأكدت قيمة العمل الصالح وحدها، قيمة العمل للدين والدنيا والدنيا والآخرة، فطريق الآخرة هو طريق الدنيا، لا اختلاف ولا افتراق.
الإمام والمربي
من الناس من يعيش لنفسه وحدها، لا يشغل إلا بها، ولا يفكر إلا فيها، ولا يعمل إلا لها، فإذا انقضى عمره، وخرج من الدنيا لم يشعر به أحد، وعلى عكس هذا تمامًا من الناس من يعيش لأمته، واهبًا لها حياته، واضعًا في نصرتها وعزتها كل أحلامه وآماله، باذلًا في سبيل كرامتها كل ما يملك، وهؤلاء لا تكون مصيبة موتهم في أهلهم وذويهم، لكنها خسارة للأمة كلها، فعليهم تذرف الدموع، وتبكي القلوب.
وإمامنا من هذا النوع الكريم نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحدًا، إنه مربي الأمة، ومعلم الأجيال، وإمام العصر، ومجدد دعوة الإسلام في القرن العشرين، لقد انتشرت دعوة الإسلام على أيدي تلاميذه في كل أنحاء الدنيا، وكلها حلقات متواصلة ومتصلة تنظمها سلسلة واحدة هي الإسلام.
لقد كان الإمام البنا صاحب رسالة تحكمها عقيدة التوحيد، أخذت عليه زمام نفسه وملكت عليه منافذ حسه فعاش من أجلها ومات في سبيلها، وكان يؤمن إيمانًا عميقًا بأن الدين الإسلامي هو زورق نجاة العالم كله، وهو وحده الكفيل بإيجاد الفرد المسلم الصادق والأسرة المسلمة الواعية والمجتمع المسلم الرائد والدولة الإسلامية التي تسوس العالم وتقوده إلى بر الأمان والأمن والسلام.
لقد تعلمت الأجيال منه، أن الجهاد في الإسلام ليس ألفاظًا منمقة، ولا خطبًا رنانة. ولا أحلامًا وردية، ولا أماني معسولة، بل هو عمل شاق وصير وتحمل، وإخلاص وتجرد وإعداد وتربية.
قال الله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ ﴾ (التوبة: ١٠٥)، والإسلام اليوم في أشد الحاجة إلى رجال عمليين، ينسون أنفسهم ومصالحهم الشخصية ويحبون إسلامهم، ويفدون دينهم. ويقدمون طاعة الله على كل شيء، قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (التوبة: 24)
يقظة
لم يستطع الغرب الاستعماري في كل محاولاته للعدوان على بلاد الإسلام أن يهزمها: لأن عقيدة الإسلام كانت أقوى من كل محاولاته، فغير العدو خطته، وبدأت معاول الهدم للحصن الأصيل وهو العقيدة وبدأ التشكيك، ثم التآمر على دولة الخلافة وعمل أبناء الإسلام، ومن خلال ذلك ظهرت حركات الدعوة والإصلاح في العالم الإسلامي، وعلى رأسها الدعوة الأم دعوة الإخوان المسلمين.. وصدق الله العظيم إن يقول: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (الصف: 8).
إن سنة الله عز وجل اقتضت أن يبعث بين فترة وأخرى من يجدد للمسلمين أمر دينهم، ويوقظ فيهم دواعي الجهاد ويرد عليهم ثقتهم بأنفسهم: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها» (رواه أبو داود عن أبي هريرة).
ونحسب أن الإمام البنا في مقدمة هؤلاء الأعلام، ولقد استقر معنى التجديد عنده على مستوى آخر، هو التأسيس ومعناه: «إعادة بناء الأمة من جديد والبدء بالأساس، ذلك أنه يجب التفريق- عند الدعاة إلى الإسلام اليوم وغدًا- بين حالة وأخرى، فحين يكون النقص في الفروع في بعض الجوانب يكون عمل المجدد هو الإصلاح والاستكمال، والترميم وتقويم المعوج، أما حين يكون النقص في الثوابت والأساسيات- وهذا ما حدث حين ألغيت الخلافة، وعطل المنهج وتفرقت الأمة- فقد لزم ووجب أن يكون التجديد لا ترميمًا فقط، ولا إصلاحًا جزئيًا فحسب، بل بناء وتكوينًا وتأسيسًا».
صوت حبيب من الماضي القريب
ومن أقوال الإمام يرحمه الله، مبينًا الركائز التي يجب أن يقوم عليها البناء خاصة في أوقات الشدائد: «الإخوان المسلمون اليوم وهم الأمة الجديدة القائمة على الحق المهتدية بنور الله الداعية إلى صراطه المستقيم، بين منحة ومحنة، وعليهم أن يشكروا الله أجزل الشكر على ما أولاهم من نعمته، وأغدق عليهم من فضله ومنته، وأن يصبروا أكمل الصبر على المحنة، مهما علا ضجيجها، وأرعد برقها، وعظم هولها، وأجلبت بخيلها ورجلها، وليثقوا بموعود الله تبارك وتعالى لسلفهم الصالحين من قبل، حين قال لهم: ﴿...وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ۗ إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (آل عمران: 120).
ويقول يرحمه الله، مبينًا أسباب النصر والهزيمة: «ولقد كنت وما زلت أقول للإخوان في كل مناسبة، إنكم لن تغلبوا أبدًا من قلة عددكم، ولا من ضعف وسائلكم، ولا من كثرة خصومكم، ولا من تكالب الأعداء عليكم، ولو تجمع أهل الأرض جميعًا، ما استطاعوا أن ينالوا منكم إلا ما كتب الله عليكم، ولكنكم تغلبون أشد الغلب، وتفقدون كل ما يتصل بالنصر والظفر بسبب إذا فسدت قلوبكم ولم يصلح الله أعمالكم، أو إذا تفرقت كلمتكم واختلفت آراؤكم، أما ما دمتم على قلب رجل واحد متجه إلى الله تبارك وتعالى، أخذ في سبيل طاعته سائر نهج مرضاته، فلا تهنوا أبدًا، ولا تحزنوا أبدًا. وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم.
وتحت عنوان «لا يأس»، يقول: «لا أتصور أن مؤمنًا بالله، وبالقرآن يجد اليأس إلى قلبه سبيلًا مهما ادلهمت أمامه الخطوب واشتدت عليه وطأة الحوادث، ووضعت في طريقه العقبات. إن القرآن ليضع اليأس في مرتبة الكفر، ويقرن القنوط بالضلال: ﴿قَالَ وَمَن يَقۡنَطُ مِن رَّحۡمَةِ رَبِّهِۦٓ إِلَّا ٱلضَّآلُّونَ﴾ (الحجر: 56).
ثم يقول يرحمه الله: «أقرب ما يكون هذا النصر إذا اشتد الضيق وزاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر، قال تعالى: ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا ٱسۡتَيۡـَٔسَ ٱلرُّسُلُ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُمۡ قَدۡ كُذِبُواْ جَآءَهُمۡ نَصۡرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَآءُۖ وَلَا يُرَدُّ بَأۡسُنَا عَنِ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡمُجۡرِمِينَ﴾ (يوسف: 110).
ويقول عن غير المسلمين في المجتمع الإسلامي: «إن هذا الدين العالمي قد أسس على معنى من التسامح والسعة والصفح والغفران، تجعله أمنًا وسلامًا، وقسطًا ومعدلة مع الذين لا يؤمنون به ولا يدينون له على صورة لم يشهد التاريخ لها مثيلًا فهو يفرض على أتباعه أن يؤمنوا بكل نبي سبق وبكل كتاب نزل، وهو يثني على الأنبياء والكتب والحواريين والرسل والأمم التي سبقته، والمؤمنين ممن تقدموه ويدعو المؤمنين به إلى أن ينهجوا نهجهم ويأخذوا أخذهم، يقول سبحانه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُوٓاْ أَنصَارَ ٱللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ لِلۡحَوَارِيِّـۧنَ مَنۡ أَنصَارِيٓ إِلَى ٱللَّهِۖ قَالَ ٱلۡحَوَارِيُّونَ نَحۡنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ﴾ (الصف: ١٤).
مهمة المرأة
ويتحدث يرحمه الله حديثًا واضحًا عن المرأة ومكانتها في الإسلام، وتحت عنوان «التطبيق العملي» يقول: «أما من ناحية التطبيق العملي يا أخي فالرجل كائن والمرأة كائن وللرجل مهمته، وللمرأة مهمتها. ونحن نجد أن الله تبارك وتعالى قد قرر في شأن تكوين الأسرة.. ﴿..وَلَهُنَّ مِثۡلُ ٱلَّذِي عَلَيۡهِنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيۡهِنَّ دَرَجَةٞۗ..﴾(البقرة : ۲۲۸)» ثم يقول: «ويحضرني هنا أيها الأحباب من طرائف سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، أن نافعًا رآه يأخذ من لحيته ما زاد على القبضة، فقال: الله الله يا ابن عباس، إن الناس يضربون إليك أكباد الإبل من أطراف الجزيرة يسألونك عن الدين والقرآن، وتفعل ذلك؟ فقال ابن عباس: ويحك يا نافع، إني أفعل ما يأمرني الله به فأتزين لامرأتي، كما تتزين لي، فقال نافع لتأتني من كتاب الله، فقال له: ﴿وَلَهُنَّ مِثۡلُ ٱلَّذِي عَلَيۡهِنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ﴾ (البقرة: 228)»..
ثم يقول رحمه الله: «وتلخيصًا لما تناولنا في القضية أيها الإخوان، أقول: إن الإسلام جعل المرأة قرينة الرجل، في أصلها وفي وجودها، وفي حقوقها العامة، وأقر الإسلام ما بينها وبين الرجل من رابطة، ثم وضع الحقوق العملية العامة، ووضع التشريعات الواجبة التنفيذ للمرأة، وعلى أساس يحفظ كرامتها، ويضفي عليها خصائصها النسوية الأنثوية، ثم أدبها الإسلام أكمل الأدب».
هذه جوانب مختصرة من توجيهات الإمام تبين عمق النظرة ودقة الفهم، وهي مبادئ وضعها الإمام، ويجب أن نقرأ رسائله لنعرف هذه الأسس جيدًا، ونفهم القواعد التي استمدها من القرآن العظيم والسنة المطهرة، وهي هي التي ربى وبنى عليها الرسول ﷺ صحابته، ويجب أن تتعمق في النفوس وأن تشربها القلوب فكلما ازدادت رسوخًا وثباتًا في قلوبنا، وحياتنا، انكسرت عند أقدامنا موجات الأعاصير الهوج والحروب الحاقدة والمدمرة، فالله أكبر وأعظم وأجل من مكر البشر وفورات العبيد الذين لا يملكون لأنفسهم شيئًا.
يقول عنه شقيقه الأستاذ عبد الرحمن البنا يرحمه الله: «غاب عن الناس من خلقه ما جعله بين نفسه وربه يستره عن الناس فلا يطلع عليه إلا خاصة أهله، فهو في بيته شهد الله- لا يفتر عن مصحفه، ولا يغيب عن قراءته، ولا يغفل عن ذكره يتلو القرآن على الحفاظ منا، فيسمع له، ويعطي المصحف- إذا لم يجد حافظًا- إلى الصغير فيراجع عليه ويملأ البيت بالقرآن والتلاوة سابحًا في آيات غارقًا في ذكريات صاعدًا إلى سماوات يعرف الطريقة التي كان يقرأ بها النبي ﷺ فيقرأ بها، والمواقف التي يقف عندها فيقف عندها، وكانت تعرو جسمه رعدة وتأخذ نفسه روعة، فيتجهم لدى آيات الوعيد، ويشرق عند آيات البشرى والنعيم خارجًا على الجو الذي يحيا فيه في معنى بعيد بعيد.
وقفة مع النفس
هذا بعض من تاريخ هذا الرجل العظيم وجهاده وصبره وتجرده، وقد ختم الله له ذلك كله بالشهادة في سبيله. ما ركن يومًا إلى جواذب الدنيا، بل ترفع عنها، ولقد أوى إلى ربه فهداه وأواه وهدى به، وحين نستعرض هذه الجوانب تخجل من تقصيرنا، وتستحيي من الله، الذي يرانا ويعلم سرائرنا، فيا ويح كل نفس خلت موازينها يوم القيامة من جهاد وغبار في سبيل الله.
اللهم إنك تعلم ضعف قوتنا، وقلة حيلتنا، فاجبر ضعفنا واغفر ذنوبنا وتقبل إمامنا واجزه عنا خير الجزاء، اللهم ارحمه فإنه لم يترك لأحد بعده معذرة يعتذر بها، بين يديك، ولقد استقام الأمر، ووضح الطريق، وقامت الحجة، وقد أدى الإمام الأمانة، ونصح للأمة وأقام الحجة، وعاد إليك يا أرحم الراحمين شهيدًا، له نور يسعى بين يديه بإذنك وفضلك وإحسانك ولسان حاله يقول: ﴿قَالَ هُمۡ أُوْلَآءِ عَلَىٰٓ أَثَرِي وَعَجِلۡتُ إِلَيۡكَ رَبِّ لِتَرۡضَىٰ﴾ (طه: 84).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل