; دعاؤنا من قرآننا | مجلة المجتمع

العنوان دعاؤنا من قرآننا

الكاتب سناء الشاذلي

تاريخ النشر السبت 23-فبراير-2008

مشاهدات 69

نشر في العدد 1790

نشر في الصفحة 52

السبت 23-فبراير-2008

من أجل النعم التي لا غنى للإنسان عنها والتي تفضل الله بها علينا بمنه وكرمه نعمة الدعاء».. هذه النعمة التي غفل عنها كثير من الناس رغم ما فيها من أجر وثواب وعطاء، فالداعي حين يدعو يدرك بدعائه أجر الامتثال لأمر الله سبحانه الذي قال: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} (غافر: ٦٠) وأجر إدراك سنة نبوية ثابتة من أتاها أتى خيرًا كثيرًا. 

فإن استجيب له كان ذاك، وإلا رفعت الدعوة عند الله في وقت أحوج ما يكون فيه الإنسان للحسنات، أو دفع الله بها بلاء عظيمًا، فإن الدعاء والقضاء يتدافعان بفضل الإلحاح في الدعاء لمن بيده الملك. كما أن الدعاء مخ العبادة أي أصلها وأساسها الذي يقوم عليه. ولو تأملنا حال الأنبياء والأولياء والصالحين في القرآن العظيم لأدركنا أن دعوتهم قامت ببركة توكلهم ودعائهم الله بصدق وإخلاص ويقين بما عند الله سبحانه، هذا مع التجائهم لله في وقت الأزمات لتعليمنا نحن البشر ما يجب علينا.

دعوة صادقة: ولو تأملنا دعوة أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام وكيف خرجت صادقة حتى بلغت الآفاق، وكيف يعلمنا بدعوته حب الخير للآخرين بشمولهم دعوته مع التأكيد على الاهتمام بذريته خاصة، فتراه عليه السلام يعمل ويدعو في آن واحد يرفع القواعد من البيت المطهر ويدعو بالهداية والصلاح المناسبة هذا العمل مع هذه الدعوة {رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} (البقرة : ١٢٦)، مقدمًا الأمن على الرزق؛ لأنه ما من شيء يثمر وينفع ويستمر إلا مع الأمان. لذا نرى الرسول ﷺ يكثر في دعائه من قول اللهم آمنا في أوطاننا وكأن إبراهيم عليه السلام يعلمنا أن الأمن والرزق لا يثمران إلا بتحقيق شرط الإيمان بالله واليوم الآخر كجزاء دنيوي للمؤمنين ولأن إبراهيم -عليه السلام– قد أوتي من اليقين ما أوتي، فإنه يدعو الله بعد أن رفع القواعد بأن يقبل منه لأنه سميع عليم قريب فيقول: {إِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (البقرة: 127).

ثم تستمر الدعوة في تدرج عجيب حين يدعو لنفسه وولده إسماعيل وللذرية بأن يكونوا مسلمين، رغم ورود هذا الدعاء ضمنًا في الآية السابقة ولكن وروده هنا المزيد حرص وإلحاح في الدعاء فقال: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} (البقرة: 128)، وقد اختلف المفسرون في تفسير {وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ} على عدة أوجه: منهم من قال «مخلصين»، ومنهم من قال «كانا مسلمين ولكنهما سألاه الثبات»، وفي العموم فالدعاء للذرية كان من الاهتمامات الأولية التي تعلمناها من إبراهيم عليه السلام، وهو ما يؤكده باستمرار حين يقول في آيات أخرى {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ} (إبراهيم: 35).

بركة الدعاء

ومع التأكيد على الدعوة للذرية يتضرع إلى الله بأن يتوب على كل من يسيء منهم ذاكرًا اسمًا من أسماء الله الحسنى «التواب»، ولأن فضل الله عظيم على إبراهيم خليل الله عليه السلام ألهمه الدعاء لخير البشر وأعظمهم وأفضلهم على الإطلاق محمد ﷺ قبل أن يكون منذ آلاف السنين، وجعله من ذريته كأمة حنيفية يجب أن تسير الأمم مع سيرها، فقال: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} فيكون الرسول ﷺ دعوة إبراهيم عليه السلام معلمًا للبشرية وموجهًا لها، يعلمها الكتاب والحكمة والنبوة. وقد قال رسول الله: «إني عند الله لخاتم النبيين، وإن آدم المجندل في طينته وسأنبئكم بأول ذلك دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى».

ولأن الله سبحانه أراد لهذه الذرية الخير ببركة الإيمان والدعاء وهيأ لها أسباب ذلك، فترى أن دعوة إبراهيم عليه السلام للذرية الصالحة كانت ممتدة حتى قال يعقوب لبنيه: {مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} (البقرة: 133).

 فما أحوجنا لتعلم ذلك من أبينا إبراهيم عليه السلام بتجنب الدعاء على الذرية فالرسول ﷺ يقول: «لا تدعو على أنفسكم ولا على أبنائكم ولا على أموالكم..» أو كما قالﷺ.

الرابط المختصر :