; دعوه المظلوم.. بين شاعرين | مجلة المجتمع

العنوان دعوه المظلوم.. بين شاعرين

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 07-نوفمبر-1978

مشاهدات 70

نشر في العدد 419

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 07-نوفمبر-1978

في حديث أبي هريرة عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال «ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حتى يفطر والإمام العادل ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام ويفتح لها أبواب السماء، ويقول الرب: وعزتي لأنصرنَّك ولو بعد حين». (أخرجه الترمذي: 3598)

كثيرا ما انفعل الشعراء بأحاديث الرسول- صلى الله عليه وسلم- فصاغو معانيها شعرًا معبرًا وبيانًا مؤثرًا، ولعل مِن أنفذ المعاني إلى قلوب الشعراء تلك التي تمس شغاف القلوب، فتثير العاطفة وتحرك الوجدان، وليس هناك أمس بالوجدان من موقف مظلوم لا يستطيع دفع الظلم عن نفسه، فهو في ضيق وكرب يكاد صدره ينفجر غمًّا، فيلجأ لتنفيس كربته إلى الله خالقه القادر على الانتقام له، والله جلا علاه وتباركت حكمته فتح أبواب السماء أمام دعوة المظلوم، وتوعد الظالم بالانتقام الرهيب، وقرن هذا الوعيد بالقسم العظيم: وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين.

وهذا محمد بن حازم الباهلي([1]) الشاعر العباسي يهزه المقصد النبيل، والمعنى وراء الحديث الشريف فينطلق واصفا هذه الدعوة التي تصعد من نفْس حرة مكلومة فهي

 تصل مباشرة إلى القاضي العدل، لا تقطع بيداء ولا تمر بوادٍ، ولا تحتاج لتصلَ إلى غايتها إلى من يحملها أو يقودها فلا مانع يحول دونها ولا قيود تشدها:

وسارية لم تسرِ في الأرضِ تبتغِي    ***       محلًّا، ولم يقطع بها البيدَ قاطعُ

سَرَت حيثُ لم تَجِدِ الركاب ولم تُنَخ   ***       لوِرْدٍ، ولم يقصُر لهُ القيدَ مانعُ

والمظلوم لا تُهد له نفس، ولا يغمض له جفن، يبقى ليلَهُ ساهرا، رافعا إلى السماء يديه مجتهدا في الدعاء، والله الذي لا تأخذه سنة ولا نوم يستمع إلى شِكاته ويستقبل ظلامته، وقد أشرع لها أبواب السماء 

تمر وراء الليل، والليلُ ضاربٌ       ***            بجثمانه، فيه سميرٌ وهاجعُ

إذا وردت لم يرددِ اللهُ وفدَهَا      ***            على أهلها، والله راء وسامعُ

تُفتَّحُ أبوابُ السماواتِ دونَها    ***              إذا قرع الأبواب مِنهُنَّ قارعُ   

ويصل يقين الشاعر بعدل الله ذروته حتى لَيُخيل إليه أنه يرى ويسمع ما سوف ينزله الله من عقاب بالظلوم الغشوم.

وإني لأرجو الله حتى كأنني     ***          أرى بجميل الظن ما الله صانع

أما الشاعر المعاصر أحمد محمد الصديق(1) فإنه يتصور المظلوم وقد أحيط بكل 

ما حوت الأرض من شرور، فكأنه يعتمد بها لا يستطيع منها فكاكا، ولا يملك عن نفسه رد الظالمين أو ردع المتجبرين، فيتلفت باحثًا عن مَخرج له من هذا الكرب العظيم والهمِّ المقيم، فلا يجد غير الدعاء ملجأً يلجأ إليه، وملاذًا يحتمي به، فيرفع يديه إلى السماء، ويلهج قلبه ولسانه بالدعاء، فتنطلق دعوته لا تحدُّها حدود ولا تعيقها سدود، فهي تمر إلى غايتها كالسهم بريشه الصدق والإيمان وتحفُّ بها في انطلاقها الأنوار الإلهية والأشعة القدسية، حتى إذا انتهت إلى غايتها وبسطت ظلامتها أمام الحَكَم العدل صدر الحُكْم العادل، وقام الوعد الحق بأن الله ناصر عبده ولو بعد حين: 

تفلتت من شرور الأرض وانطلقت      ***            كالسهم يحدو بها صدق وإیمان

حتى إذا غرقت في النور وانقشعت   ***           في حضرة القدس آلام وأحزان

   ألـقت إلـى حَكَــمٍ عـدلٍ ظلامتـهـــا ***        فقــام للحــق عنــد الله ميــزان

لأستجـيــبـن المظلـــــوم دعـوتــه     ***          ولو تطــاولَ أزمــان وأزمـان

 ثم يهيب الشاعر بكل مظلوم ألَّا يستكين للظالمين، مناشدا أولئك الذين وقعوا في شراك الطغاة أن لا ييأسوا، ذلك لأن في صفهم يقف السلطان الأكبر الذي لا سلطان قبله ولا سلطان بعده:

فلا تكونن مكتوف اليدين على    ***           عجز، وعندك من ذي العرش سلطان

وينطلق الشاعران، في هذين النصين الرائعين، من إحساس كل منهما بالظلم الواقع على نفسه، على أن الشاعر أحمد الصديق أكثر إحساسًا، وأشد ضيقًا به وتبرُّمًا بشروره حتى يكاد هذا الظلم المحيط بنفسه يحبس عليه دعوته، بل إنه يحس كأن شرور الأرض كلها قد اجتمعت عليه تحاول أن تمنعه من الدعاء، لولا أن دعوته تفلتت من أسْرِ هذه الشرور وانطلقت إلى غايتها ولما كان الشاعران يصدران عن مَعِينٍ واحدٍ وينظران في مشكاة واحدة فقد تقاربت نظرتهما وتعانقت معانيهما فهما يحسان إحساسًا مشتركًا بأن الليل أكثر قابلية وأقرب مناسبة للدعاء من النهار، ذلك لأن موجة الظلم البشرِىِّ تخف حدَّتُها وتكاد تنحسر عن المظلوم، فتصفو نفسه للدعاء، وتنطلق يحدوها الرجاء.

والشاعران أخيرا ينتهيان إلى اليقين المطلق بأن دعوتهما، ودعوة كل مظلوم معهما، لا تُرد أبدا.

أحمد الجدع

ا- راجع- زهر الآداب وتمر الألباب- للقيروان- الجزء الرابع، الصفحة ۹۱۱، نشر مكتبة المحتسب- عمان

 ٢- راجع ديوان الشاعر. نداء الحق، ص ١٢٤ ١٢٤، ولترجمة الشاعر راجع كتابنا شعراء الدعوة الإسلامية في العصر الحديث الجزء الأول، نشر مؤسسة الرسالة- بيروت

الشاعر الإسلامي يوسف العظم و.. ابتهالات.. في رحلة الحاج

حيث كل الزبد يّذهبُ جفاء، وحيث ينسى الشاعر الدنيا.. والأهواء.. والكون والغناء تنساب ابتهالات شاعرنا المسلم الأستاذ يوسف العظم دعوات وصراعات في مناسك الحج. بين مكة.. والمدينة.. ومِنًى.. وعرفات، ترفرف ملبية داعي الله، مسبحة لله.. مستنَّة أثر المصطفى رسول الله وتذوب المشاعر كلها في القلب لينطق عنها في كل خطوة.. لبيك.. لبيك، إنها ابتهالات قلب، وحديث وجدان، وضراعة روح.. تناجي وهي ذائبة الخطى:

أذبـت خطــاي فــي زمزم         ***               ولبَّيـت بالقلــب قبــل الفــم 

وطغت وفي أضلعي حرقة      ***               تـسبـــح لله عبـــر الـــدم 

وقبَّلــت ما قبَّل المصطفى   ***                ســلام علــى ذلك المبسـم 

وترفرف الروح الهائمة بإسلامها المستندة بسنن قائدها في رباع محمد صلى الله عليه وسلم، لتقدم إليه التحية والسلام وهي تتغنى بالنبوة.. بالأمانة.. بالنور.. بالجهاد، وتستلهم عزة المؤمنين لتباهي بها النجوم.

  ســلام عليـك نبـي الهــدى    ***             طهور الثرى عاطر الأعظم 

حملــت الأمـــانة لا تنثنـــي      ***             ورويت بالنور قلب الظِّمِـي

وكنت عزوفا عن المغريات     ***              تعـاف «الشهي من المطعم»

وجاهدت في الله حق الجهاد   ***           وقـدت السـرايا ولم تحجــم 

وأيقظنـا من رقــاد القـرون   ***              وعـلمتنــــا عـزة المسلــم 

فكانت لنا الصافنات الجيــاد   ***            نصول على الظالم المجرمِ 

وكانـت لنا عزة المؤمنيــن     ***            نباهي بها هامــــة الأنجـم 

وفي رباع رسول الهدى، يتأمل يوسف إلى حال أمته الحاضر، حيث الهوان جعل الأرض المقدسة في مأتم الحزن وقد لوَّث ساحاتها رجس يهود.. وما ذلك إلا بسبب ابتعاد الأمة المسلمة عن شرعة الهدى:

فماذا دهانا لنرضى الهــــوان   ***            لناخٍ على القدس في مأتــــم؟

يلــــوث بالرجس ساحتهـــــا      ***            ويختال في ليلهـــــا المظلـــم 

رسول الهدى لو تبعنا خطاك   ***            وكنــــا مـع الله لا نهـــزم...

وفي حمى البيت العتيق صورة حلوة.. تلبيات الإيمان تتعانق ونداء التكبير، تنشد العفو والغفران والسلامة والحب من رب السلام.. وتستمد الهدى من رب مجير.. ترجوه نضرة وسرورا وتناشده جنة وحريرا.. وتستسقيه شرابًا طهورًا.

في حِمى بيتك العتيق تعالت   ***                تلبيـــات تعــانق التكبيـــر؟ 

 تنشد الحب والسلام وترجو    ***                أن ينال الحجيج عفوا كبيرا 

يا إلهي ويا مجير الحيــارَى      ***                من ضلال أكرم بربي مجيرا 

 فإذا اسودت الوجــوه إلهــي   ***           جئت أرجوك نضرة وسرورا

وإذا صـــارت الجحيـــم مقاما   ***            رحت أرجوك جنَّة وحريرا 

وإذا غصــت الحلـــوق بكأس   ***          رب هب لي من الشراب طهورا 

وفي رجم إبليس ينتصر يوسف العظم على نفسه.. ويهزم شيطانه ويجدد العهد، واهبا نفسه لأمر دينه وعقيدته في بيعة لا خلف فيها ولا نقض متمسكا بكتاب الله معتصما بحبله:

رجمت إبليس في نفسي ووجداني  ***     ورحت أطرد بالتنزيل شيطانــي 

وعدت أقطع عهدا لســت أخلفه    ***     بأن أكون لإسلامي وإيمانـــي 

ارتِّل الذكر علَّ الذكرَ يحفظني        ***      من الخطايا ويحميني ويرعاني 

أما مسجد الخيف، فلا شك أنه سيذكر الشاعر المسلم بأولى القبلتين الأقصى.. الأحبَّة.. الديار في المدائن الإسلامية وسوف يحنُّ إلى عودة القدس حرة ترفرف فيها راية الإسلام ثانية.. استمع هذا الحنين من يوسف العظم وهو في مسجد الخيف: 

يا مسجد الخيف في الأقصى أحبتنا   ***        وفي الخليل.. وفي حيفا. وبيســان 

تهفو قلوبــهم للزحــف منطلقــا     ***        يحرر القدس من ظلم وعدوان 

وراية الحق تعلو في مرابعنا           ***            تطهِّر القدس من رجس وأوثان 

وتمسح العار من ساحات مسجدها   ***       وتغرس المجــد فيها بالدم القانـــي 

لقد أثَرْت دموع الشوق وا لَهفِي   ***          يا مسجد الخيف مُذ حرَّكت أشجاني 

إنها انفعالات إیمان وصدقٍ، طافت في وجدان يوسف العظم، صدرت عن شاعر أصيل يعيش مأساة أمة في كل درب ومسلك.

الرابط المختصر :