العنوان دماء الشعب الفلسطيني تستصرخ الأمة.. فهل من مجيب؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 16-مارس-2002
مشاهدات 58
نشر في العدد 1492
نشر في الصفحة 9
السبت 16-مارس-2002
عشرات الشهداء، وأضعاف ذلك من الجرحى، ومئات المعتقلين الأسرى.. وحصار شامل لكل المدن، والقرى، والمخيمات الفلسطينية، ومجازر متعمدة، يرتكبها العدو الصهيوني ضد أبناء الشعب الفلسطيني: ثلاثة وعشرون شهيداً، في مجزرة واحدة في بلدة خزاعة، وعشرون شهيدًا، في مخيم طولكرم.. وغيرها وغيرها، تلك كانت حصيلة الإجرام الصهيوني في الأيام الأخيرة، ورغم ذلك كله، يؤكد الشعب الفلسطيني ومجاهدوه، أنه لا استسلام، ولا ذل، ولا هوان، وأن الجهاد ماضٍ حتى النصر، وأن الصمود والمقاومة هما السبيل الوحيد لنيل الحقوق، وتحرير الأرض واستعادة المقدسات.
تجاوز الاستكبار اليهودي الحدود، وبلغ طغيانه المدى، فولغ في الدماء الطاهرة البريئة، وسفحها دون اعتبار لأي قيمة إنسانية أو ضمير، وأقام المذابح في المدن والمخيمات، فخرجت الأرواح البريئة من مخيمات بلاطة، وجنين، وطولكرم، والدهيشة، وعايدة، ورفح، وخان يونس، وفي خزاعة، وعبسان، ومارس العدو كل الممارسات العنصرية، من تمثيل بالجثث، وترويع للآمنين، متوهمًا أنه بذلك ما يمكن أن يكسر إرادة الفلسطينيين، وعزمهم، وتضامنهم، ولكن العمليات الاستشهادية أعادته إلى حقيقته العارية، وإلى وجهه الإجرامي الكالح، ولقنته دروسًا لم يكن يعرفها عن إرادة الشعب الفلسطيني، وتضحيته في سبيل الحرية، والانعتاق، وكسر الأصفاد، مهما تجبَّر، وطغى واختبا خلف آلة قهره وبطشه.
ومع عودة الحديث عن الوساطات ومبعوثي السلام، علينا ألا نتوهم أن تلك الوساطات تستهدف وقف مسلسل الدم الفلسطيني، فقد سبق للوسطاء أنفسهم أن برروا دموية شارون من قبل باسم «الدفاع عن النفس» ووصفوا الفضال الفلسطيني بالإرهاب، والوسيط الذي كانت عودته مشروطة بوقف الانتفاضة، أصبحت عودته مطلوبة مع تصاعدها، فما الذي تغير؟
إنه تصاعد المقاومة، وقوة ضرباتها، لدرجة باتت تؤرق اليهود وحلفاءهم من أكثر من وجه:
١- فقد أحدثت المقاومة ثغرات في المشروع الصهيوني وإنهاكًا للمجتمع الصهيوني، الذي بات بلا أمن، أو اقتصاد، أو حياة طبيعية، والأهم أن جيشه الذي لا يقهر، أصبح أضحوكة، واستمرار وتيرة المقاومة بهذا الشكل، سيحدث تغييرات على الأرض، تجبر الاحتلال على الانفصال الأمني الأحادي، أو تقديم تنازلات تضر بالمشروع الصهيوني، تحت وقع الضربات ولو بعد حين.
٢- سقوط الخيار الأمني لشارون تماماً، فقد بات لدي المجتمع الصهيوني فاشلًا أمنيًا، واقتصاديًا، وسياسيًا، وأضحى شارون، أسير توازناته الداخلية والخارجية بين يمين متطرف يطالب بالحسم العسكري، واستخدام أكبر للقوة، ويسار لا يرى جدوى من الضغط العسكري، ويرى إعطاء الفلسطينيين افقا سياسياً مرحلياً، مثل تقرير ميتشيل، أو تفاهمات «أبو علاء - بيريز»، وضغوط أمريكية لا تريد تغيير أجندتها في المنطقة المتجهة نحو ضرب العراق، وترتيب المنطقة من جديد، لذا فهي تلزم الاحتلال بخطوط من قبيل عدم إنهاء السلطة، وعدم جر المنطقة إلى حرب شاملة... إلخ.
بين هذه الضغوط الثلاثة يتعامل شارون؛ لذا فهو يسير على خيط رفيع وحاد وإمكانية سقوطه باتت قريبة، والأرجح أن إيفاد المبعوث الأمريكي أنطوني زيني كان بطلب من شارون لإنقاذه، وإخراج أي تحرك سياسي جديد بشكل يحفظ ماء وجهه، وكما هو واضح فإن تخلي شارون عن التفاوض قبل تحقق الهدوء، يعني هزيمة مباشرة له بفعل ضغط المقاومة ووصوله إلى نقطة حاسمة في الحلول التي طرحها، ولكنه لكي يبرر الوصول لذلك يدفع جيشه لممارسة أقصى دموية ممكنة ليزعم لليمين انه وفي للمبادئ التي عرفوه بها، ولعله عمل أخيراً بنصيحة وزير خارجيته بيريز: «اقتل وفاوض»!.
ماذا يمكن أن تصل إليه الوساطات والتفاهمات؟ إن اقصى ما يأمل به الوسطاء هو تهدئة الأمور بشكل مرحلي.. اتفاقات تهدئة، وإن أمكن تثبيت هدنة «تينيت» وربما تطبيق تقرير ميتشيل «وقف الاستيطان مقابل وقف الانتفاضة»، وبالعموم سيبقى التحرك في إطار تخدير الجرح الفلسطيني وضمان هدنة تعيد للمجتمع الصهيوني تماسكه وترفع الحرج الكبير عن بعض المواقف العربية الرسمية الصامتة.
إن الفائدة التي يمكن الخروج بها من مسالة عودة الوساطة هي أن تصاعد المقاومة كفيل بإزعاج الآخرين وإجبارهم على البحث عن حلول لإحلال الهدوء وهذا دليل واضح على فشل الضغط الصهيوني لإجبار الفلسطينيين على وقف الانتفاضة.
لقد أضحت المقاومة الفلسطينية ذات وزن وثقل استراتيجي، وهي تثبت مع تصاعدها وقوة ضرباتها أن استقرار المنطقة رهن بتحقيق مطالب الشعب الفلسطيني العادلة والمشروعة؛ بل إن استمرار المقاومة كفيل بحماية المنطقة من مخططات الهيمنة ومحاولة ترتيبها بالشكل الذي يريد الآخرون، ومن هنا يمكن القول إنه ليس من مصلحة الدول العربية التورط في سيناريو التهدئة لأن المقاومة بدأت تؤتي أكلها وتحقق تصدعات حقيقية في المشروع الصهيوني، وأي هدوء يعطي لشارون متنفسًا للخروج من ورطته وربما أمداً بالحياة السياسية أكبر، فيما هو على وَشْكِ الأفول.
هذا هو حال أهلنا وإخواننا في فلسطين، فمتى يرى أهلنا وإخواننا موقفنا وفعلنا وردناً على ما يرتكبه العدو من مجازر؟ ومتى نساهم في هدم ذلك المشروع الاستيطاني الذي يعبر عن مرحلة متخلفة مظلمة من التاريخ الإنساني؟ وهل يرى عدونا منا وقفة عز وكرامة وانتصار للحق ونكون شركاء في نصرة أهلنا والانتصار لهم؟ ألم يحن الوقت؛ لأن نستجيب لنداء الله عزَّ وجل:
﴿انفروا خفافًا وَثِقَالاً وَجَاهدوا بأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ﴾(التوبة: ٤١)