; دنيا الصغار أم دنيا الكبار نريد؟ | مجلة المجتمع

العنوان دنيا الصغار أم دنيا الكبار نريد؟

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 22-نوفمبر-1994

مشاهدات 52

نشر في العدد 1126

نشر في الصفحة 37

الثلاثاء 22-نوفمبر-1994

العيش في دنيا الصغار لعنة من لعنات التاريخ القاسية ونكبة من نكبات الدهر الكنود وفاجعة من فواجع الأيام العجاف تصاب بها الأمم المتقدمة والشعوب المتطفلة التي يتخاذل فيها كل شيء ويتضاءل، ليصبح على مقاس الصغار وحجم العيال، ويتقاصر كل فكر عندها ويتخاذل ليوافق أمزجة الصبية وأفهام الغلمان وتتوارى كل الحقائق، وتتهافت لتواكب شهوات الأطفال وأهواء الرضع، حتى صاروا هم الدنيا والدنيا هم، فكأنهم روحان حلا جسدا... 

أنا من أهوى ومن أهوى أنا

 

 

نحن روحان حللنا بدنا

 

فإذا أبصرتني أبصرته

 

 

وإذا أبصرته أبصرتنا

 

 

 وصغر الهمم يتبعها صغر الأعمال، وصغر الأفهام يتبعها صغر الثقافة، وكل ذلك يعقبه تدن في الأمة وانحطاط في الشعوب والعالم يتقدم ولا يتأخر، ويرتقي ولا ينحط ونحن في وسط الزمان غرقى السفه والجنون، وصرعى العجز والبلادة، لأن المركب يقودها الصغار في بحار لجية وأمواج عاتية، ولأن القاطرة تجرها همم كليلة، وأياد مرتعشة، ولك أن تتصور قاطرة غيرك تجرها ماكينة صاروخية، وقاطرتنا يجرها حمار هزيل ماكر..

فمتى تبلغ؟!! وهل تصل تلك القاطرة فضلا عن أنها تسابق أو تنافس غيرها؟!! وقد عاش الناس على الآمال عسى أن ينقلب الحمار صاروخا، ويصح الكليل فيكون بطلا، ولكن هيهات هيهات فقد انقلبت الآمال إلى هواجس، والأحلام إلى أوهام مثل الدجى الحالك تقتل النفوس، وتقطع نياط القلوب، ولم يبق للناس إلا غباء الحمار، وحمق الكليل.

وانتشر الوعد والوعيد في جنبات الأمة، يستنزلانها عن الخلق، ويفتنانها عن العقيدة، ويغريانها بالتدني، ويحرضاها على الضياع، حتى مرضت الأهواء واشتبه الوفاء، وانحرفت العدالة، وانقطعت الأسباب بين المرء وصاحبه، وانفرجت الحال بين الرجل وواجبه وانبرت الشعوب تقتل نفسها ويقولون إنها تجاهد، وتركب رؤوسها ويعلنون أنها تسير، وتضطرب في شقائها اضطراب الذبيح ويوهمون أنها تحيا، ثم رصدوا خزائن الدول وجندوها وشرطها وموظفيها لإقرار الشعب على الضيم ورياضيته على الاستكانة، ونسى الجند انهم حشدوا المدافعة العداة، والشرطي انه رصد المراقبة الجناة، والموظف أنه أعد لتصريف الأمور، ووقفوا جهودهم على قطع كل لسان ومحو كل حرية، وانطلقت ذات اليمين وذات الشمال نزوات رعناء من بغي الإنسان على الإنسان تستبيحه واصبح لا يحمي الفرد من الفرد قانون، ولا يعصم الأمة من الأمة معاهدة. أما الدين والمدنية والعلم والأدب والفن والديمقراطيات، فغطاء ذهبي، وطلاء وردي فوق المخالب وعلى الأنياب، وأصبح تذكر هذا والتفكير فيه عذاب أي عذاب يذكر بالحمل الثقيل، وينبه إلى عظم التبعة المهولة.

ما إن ذكرتك إلا هم يلعنني

 

 

قلبي وروحي وسري عند ذكراكا

 

حتى كأن رقيبا منك يهتف بي

 

 

إياك ويحك والتذكار إياكا

 

 

 وما أرى الشعوب الإسلامية المخلصة إلا رافعة لأكف الضراعة صباح مساء تقول: حنانيك يارب لقد تألمنا حتى أشفق الألم، وصبرنا حتى جزع الصبر، وضحينا حتى أصبحنا ضحايا، وزرفنا الدموع من العيون حتى كف دمعها، وانقطع ماؤها، واحترق بياضها.

جرف البكاء دموع عينك فاستعر

 

 

عينا لغيرك دمعها مدرار

 

من ذا يعيرك عينه تبكي بها

 

 

أرأيت عينا للبكاء تعار؟

 

 

ولكن ورغم كل ذلك نقول: لا خلاص لامة بصغار، ولا فلاح لأمة بالمهازيل والمناكيد، ولابد من تربية لرجال مهما كلف الأمر ومن ترسيخ العقيدة مهما كانت الصعاب ولكن

كيف الوصول إلى سعاد ودونها

 

 

قلل الجبال ودونهن حتوف

 

الرجل حافية وما لي مركب

 

 

والكف صفر والطريق مخوف

 

 

نقول بالتوكل والاحتساب والصبر والإصرار والمثابرة والمرابطة والتجمع والوحدة، وقد أثبتت التجارب أن ضعف الشعوب خداع، لأنه قوة متفرقة في نفوس متفرقة، وعزائم مبددة في سواعد موزعة، فإذا ما تجمعت حول قوة مخلصة وقيادة عملاقة، كانت الراجفة تتبعها الرادفة التي تهز الأرض من حين إلى حين، وتنقل التاريخ من فصل إلى فصل، وتقلب الحال من انهزام إلى نصر، ويومها يخط الرجال خطوهم، ويفر الأبطال فريهم، ويظهر الفرق بين الرجال والصغار، ويتعاظم البون بين الأبطال والأطفال.

وللزنبور والبازي جميعا

 

 

لدى الطيران أجنحة وخفق

 

ولكن بين ما يصطاد باز

 

 

وما يصطاده الزنبور فرق

 

 

فهل نتوكل ونصبر ونصابر ونعمل ونرابط حتي يأتي الفلاح، ونسمع قول الحق سبحانه: ﴿ بَلى مَن أَوفَىٰ بِعَهدِهِۦ وَٱتَّقَىٰ فَإِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلمُتَّقِينَ  (آل عمران: 76)  أم نظل نعيش عصر الصغار والصغار !!..

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1319

52

الثلاثاء 29-سبتمبر-1998

تعريف الإرهابي المحلي والعالمي