العنوان من الحياة.. دواء المبتلين
الكاتب أ. د. سمير يونس
تاريخ النشر السبت 27-يونيو-2009
مشاهدات 78
نشر في العدد 1858
نشر في الصفحة 54
السبت 27-يونيو-2009
عن أم سَلمَة -رضي الله عنها- قالت: أتاني أبو سلمة يومًا من عند رسول الله ﷺ، فقال: لقد سمعتُ من رسول الله ﷺ قولًا سررت به قال: «لا تصيب أحدًا من المسلمين مصيبة فيسترجع عند مصيبته، ثم يقول: اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها، إلا فعل ذلك به». قالت أم سلمة: فحفظت ذلك منه، فلما تُوفي أبو سلمة استرجعتُ في مصيبتي وقلت: اللهم أجرني في مصيبتي، واخلف لي خيرًا منه، وفي لفظ: خيرًا منها، ثم رجعت إلى نفسي، وقلت: من أين خير لي من أبي سلمة؟ فلما انقضت عدتي أستأذن عليّ رسول الله ﷺ وأنا أدبغ إهابًا(1) لي، فغسلت يدي من القرظ (2)، وأذنت له، فوضعت له وسادة من أدم حَشوها لِيف، فقعد عليها، فخطيني إلى نفسي، فلما فرغ من مقالته قلت: يا رسول الله: ما بي ألا تكون بك الرغبة، ولكني امرأة في غيرة فأخاف أن ترى مني شيئًا يعذبني الله به، وأنا امرأة قد دخلت في السن، وأنا ذات عيال، فقال: «أما ما ذكرت من الغيرة فسوف يُذهبها الله عز وجل عنك، وأما ما ذكرت من السن فقد أصابني مثل ما أصابك، وأما ما ذكرت من العيال فإنما عيالك عيالي»، قالت فقد سلمت لرسول الله ﷺ فتزوجها رسول الله فقالت أم سلمة بعد: أبدلني الله بأبي سلمة خيرًا منه: رسول الله ﷺ «رواه الإمام أحمد». وقد روي هذا الحديث بعدة طرق في الصحاح والمسانيد.
وجاء عن رسول الله ﷺ: «إن العبد إذا سبقت له من الله منزلة فلم يبلغها بعمل، ابتلاه الله في جسده، أو ماله، أو في ولده، ثم صبر على ذلك، حتى يبلغه الله المنزلة التي سبقت له من الله عز وجل» «رواه الإمام أحمد».
لقد تكالبت المصائب -ذات فترة زمنية- وتكاثرت على واحد ممن أعرفهم، وكنت في جمع من الناس، فقلت: ادعوا لفلان أن يزيل الله عنه همّه وغمّه، وأن يفرج كربه، فقال أحد الحاضرين من الشماتين القساة: من عَمَله سُلّط عليه.. إنه يستحق أكثر من ذلك!!
من الخطأ أن نفسر أقدار الله وابتلاءه لإنسان، ومن الخطأ أن نحسب تلاحق الأذى على شخص ما دليلًا على انتقام الله منه، وإبعاده عن رحمته سبحانه.
إن حديث رسولنا الكريم ﷺ السابق ذكره ليدل على أن كثرة الابتلاءات إشارة إلى ترشيح رب العزة لعبده كي يفوز بخير، وتعلو مكانته، وكثيرًا ما تكون تطهيرًا لذنوبه، ورفعًا لدرجاته، فكم من محنة في طيها منح ونعم ورحمات!!
يؤكد ذلك ما رأيناه في سيَر الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، ولقد رأينا ذلك جليًا في سيرة الأنبياء الثلاثة الذين ورد ذكرهم في المقالات الثلاث السابقة: يوسف وأيوب وإبراهيم عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام.
لذا كان التواصي بالصبر قرين التواصي بالحق، وقد أقسم الحق تبارك وتعالى أن الناس جميعًا خاسرون إلا من آمن وعمل صالحًا والتزم بالصبر والحق ودعا إليهما، وتواصى بهما، قال سبحانه: ﴿وَٱلۡعَصۡرِ (1) إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَفِي خُسۡرٍ (2) إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلۡحَقِّ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلصَّبۡرِ (3)﴾ (سورة العصر: 1- 3)
وثم ارتباط وثيق بين الإيمان والصبر، فالإيمان القوي يدفع العبد إلى اللجوء لربه عند الشدة، فيكون ملاذه بالله بمثابة المسكنات للداء، فلا يشعر بآلام المصيبة، وما أشبه المؤمن عند ذلك بمن تُجرى له عملية جراحية، فيقوم الإيمان بدور «المُغَيّب» للمريض قبل الجراحة، حتى لا يشعر بآلام الجراحة، كذلك فإن المؤمن عندما يكون في معية ربه ينسى آلامه ومتاعبه، ولله المثل الأعلى، لأن حلاوة الإحساس بمعية الله تجعله بمعزل عن آلام شدته، أو حتى -على الأقل- تخفف عنه تلك الآلام.
ومما يخفف عن المؤمنين -أيضًا- تطلعهم إلى ثمرات الصبر، وخاصة محو الذنوب وبلوغ الجنة.
فعن أم العلاء -وهي من اللائي بايعن رسول الله ﷺ- قالت: دعاني رسول الله ﷺ وأنا مريضة، فقال: «يا أم العلاء أبشري، فإن مرض المسلم يُذهب الله به خطاياه كما تذهب النار خبث الحديد والفضة» «رواه أبوداود».
ومن هدي رسول الله ﷺ في ذلك أيضًا: «إن الله لا يرضى لعبده المؤمن، إذا ذهب بصفيه من أهل الأرض فصبر واحتسب، بثواب دون الجنة» «رواه النسائي». ولذوي المحن أدوية تخفف عنهم، وتسليهم، وتعالجهم، وفيما يلي بعض هذه الأدوية:
1- دواء الاسترجاع: لقد وعد الحق سبحانه الصابرين المسترجعين عدلين صلوات منه سبحانه وتعالى عليهم –وهذا هو العدل الأول- ورحمة منه واسعة وهي العدل الثاني - قال تعالى: ﴿وَلَنَبۡلُوَنَّكُم بِشَيۡءٖ مِّنَ ٱلۡخَوۡفِ وَٱلۡجُوعِ وَنَقۡصٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ (155) ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَٰبَتۡهُم مُّصِيبَةٞ قَالُوٓاْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيۡهِ رَٰجِعُونَ (156) أُوْلَٰٓئِكَ عَلَيۡهِمۡ صَلَوَٰتٞ مِّن رَّبِّهِمۡ وَرَحۡمَةٞۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُهۡتَدُونَ (157)﴾ (سورة البقرة: 155 - 157).
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: نِعَم العدلان ونعمت العلاوة: ﴿أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ (سورة البقرة 157)..
وفي الصحيحين عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفّر الله عزّ وجلّ بها عنه، حتّى الشوكة يشاكها».. كلمات الإسترجاع -إذًا- هي مفتاح الخير، وهي خمس كلمات: «إنا لله وإنا إليه راجعون».. إنها ملاذ أصحاب المصائب والشدائد، وهي -أيضًا- حصن المبتلين من وسوسة الشياطين، فقول المؤمن المبتلى الصابر: «إنا لله» توحيد له عز وجل، وإقرار له بالملك، وقول المؤمن المبتلى الصابر: «وإنا إليه راجعون» إقرار بأن المصير إلى الله، والأمر كله له، والحكم له، وفي كلمات الاسترجاع حُسنُ توكل على الله، وملجأ للمؤمن من عنت البلاء وفتن المصائب.
وإذا كانت كلمات الاسترجاع تؤكد أننا جميعًا ملك له سبحانه وأننا سَنردّ إليه.. فإن إقرار المؤمن الصابر بذلك يعد أفضل دواء وأنجح علاج وأنفعه للعبد في عاجله وآجله، لأنها تتضمن أصلين اثنين:
الأصل الأول: يقين العبد بأن نفسه وأهله وولده وماله ملك لله عز وجل، وقد أعاره الله هذا كله، فإذا أخذه منه فهذا حقه، لأنه تعالى -ولله المثل الأعلى- كالمُعير يأخذ عاريته من المستعير متى شاء، ولا يصح للمستعير أن يتصرف فيما أستعاره إلا بموافقة المعير المالك الحقيقي وهو الله عز وجل.
والأصل الثاني: اعتقاد العبد بأن مصيره ومرجعه إلى الله مولاه الحق، وأنه لا محالة سيترك الدنيا وراء ظهره، وسيأتي ربّه يوم القيامة فردًا، كما خلقه أول مرة، بلا مال، ولا أهل، ولا ولد، ولا عشيرة، بل سيأتيه بالحسنات والسيئات، فإذا آمن العبد بذلك فكيف يدوم فرحه بولد أو مال أو غير ذلك من متاع الدنيا وزخرفها؟ وكيف يعترض على فقدان مفقود؟
2- التضرع إلى الله بالأجر والعوض
وقد رأينا في قصة أم سلمة ثمرة تضرعها إلى الله بالدعاء: «اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها».. لقد أثبت لها الله آخر الصبر، وأبدلها بأبي سلمة خير خلق الله جميعًا، وهو رسول الله ﷺ.
3- اليقين بأن ما أصابك لم يكن ليخطئك: فمن هدي رسولنا الكريم ﷺ: «ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك»، فما أحوج المبتلين أن يتدبروا قول الله عز وجل ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (سورة الحديد: 22).
4- أن يحمد صاحب المصيبة ربه على أنها ليست في الدين، لأن كل مصيبة مُتحمّلة إلا المصيبة في الدين، فهي نهاية الخسران الذي لا ربح معه، والحرمان الذي لا طمع معه، والحرمان الذي لا عطاء بعده.
ولما كانت مصيبة موت رسول الله ﷺ من أعظم مصائب الدين -حيث أنقطع الوحي من السماء، وأرتد بعض الناس عن الدين- لذا فإن آية مصيبة تهون في عين المسلم بعد مصيبته في رسوله الكريم، ولقد أحسن أبو العتاهية في نظمه الموافق لهذا المعنى، إذ يقول:
أصبر لكل مصيبة وتجلّد وأعلم بأن المرء غير مُخلّد
أو ما ترى أن المصائب جَمّة وترى المنية للعباد بمرصدِ
مَنْ لم يُصبْ ممن ترى بمصيبة هذا سبيل لست عنه بأوحد
فإذا ذكرت محمدًا ومصابه فأجعل مصابك بالنبي محمد
5- ومن أدوية أهل المصائب أن يدرك صاحب المصيبة أنه ليس وحده المبتلى: بل إنه واحد من الواقفين في صف الشرف والكرامة الممتد إلى الصالحين والأنبياء، وأن يدرك أنه ليس هو المصاب وحده، وإنما البشر جميعهم تحل بهم المصائب. وفي هذا السياق يذكر أبو الفرج ابن الجوزي بإسناده عن عبدالله بن زياد قال: حدثني بعض مَن قرأ في الكتب: أن ذا القرنين لما رجع من مشارق الأرض ومغاربها، وبلغ أرض بابل مَرِض مرضًا شديدًا، فلما أشفق أن يموت كتب إلى أمه: يا أماه أصنعي طعامًا، وأجمعي من قدرت عليه ولا يأكل طعامك من أُصيب بمصيبة، وأعلمي هل وجدت لشيء قرارًا باقيًا وخيالًا دائمًا؟! إني قد علمت يقينًا أن الذي أذهب إليه خير من مكاني، قال: فلما وصل كتابه صنعت طعامًا، وجمعت الناس، وقالت: لا يأكل هذا من أصيب بمصيبة فلم يأكلوا، فعلمت ما أراد فقالت: مَن يبلغك عني أنك وعظتني فاتّعظتُ. وعزيتني فتعزيتُ فعليك السلام حيًا وميتًا!!
إن سرور الدنيا كأحلام النوم، أو كظل زائل إن أضحكت قليلًا أبكت كثيرًا، وإن سرّت يومًا، ساءت دهرًا، يقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: لكل فرحة ترحة، وما ملى بيت فرحًا إلا مُلىء ترحًا، فإذا تأسى العبد عند المصيبة، ونظر إلى ذوي المصائب والشدائد، ورجا النعيم الذي أعده الله للصابرين، وجد في ذلك راحة نفسية.
تقول الخنساء في هذا الدواء:
ولولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلتُ نفسي
وما يبكون مِثْل أخي ولكن أُعزي النفسَ عنه بالتأسّي
--------------------------
الهوامش
(1) الإهاب: الجلد ما لم يُدبغ.
(۲) القرظ: ورق يُدبغ به.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل