العنوان أسرار تُنشر لأول مرة.. دور الاتحاد السوفييتي في حرب عام ١٩٦٧م
الكاتب عبد الحكيم مرة
تاريخ النشر السبت 21-يوليو-2001
مشاهدات 60
نشر في العدد 1460
نشر في الصفحة 26
السبت 21-يوليو-2001
نشرت وكالة الاستخبارات الروسية مؤخرًا وثيقة تتعلق بدور الاتحاد السوفييتي في حرب عام ١٩٦٧م. تتضمن هذه الوثيقة معلومات كانت حتى الأسبوع قبل الماضي تحمل عبارة «سري للغاية».
ورغم مرور ما يزيد على 3 عقود على نشوب تلك الحرب تبقى المعلومات المتعلقة بها مهمة للباحثين والمؤرخين بشكل خاص والمهتمين عامة.
موقف الاتحاد السوفييتي في واحدة من أهم الحقب التاريخية العربية في العصر الحديث أوردها مركز الصحافة الروسي في هذا التقرير.
كان لوكالة الاستخبارات السوفييتية KGB خلال السنوات ١٩٥٠ - ١٩٧٠م العديد من قنوات الحصول على معلومات دقيقة عما عرف بالبرنامج الصاروخي - النووي لدول الشرق الأوسط.
وكان للكيان الصهيوني في هذه الفترة موضع اهتمام خاص باعتباره -وحتى أواسط الخمسينيات- الحليف الوحيد والمستقبلي لموسكو في المنطقة وعمليًا كان الاتحاد السوفييتي مستعدًا لمد يد العون لهذا الحليف في مجال الأبحاث النووية.. لكن فرنسا سبقته، إذ بدأ التعاون النووي بين البلدين عام ١٩٥٣م أما سياسة إنتاج الأسلحة النووية فقد تشكلت نهائيًا بعد أزمة السويس عام ١٩٥٦م، عندما رفضت الولايات المتحدة الأمريكية بيع أسلحة إلى الكيان الصهيوني، وبدأ الاتحاد السوفييتي تزويد العرب بالأسلحة والمعدات الحربية.
وفي العام التالي (١٩٥٧م) تمكن رئيس الوزراء الإسرائيلي ديفيد بن غوريون ووزير دفاعه شمعون بيريز من إقناع فرنسا بتوقيع اتفاقية سرية لبناء مفاعل نووي في ديمونة، وفي الواقع كان هذا الاتفاق يقوم على المصلحة المتبادلة، ففي الوقت الذي تعهدت فيه فرنسا ببناء هذا المفاعل تعهد الكيان الصهيوني بتزويدها بتكنولوجيا الحصول على الماء الثقيل.
لم تكن وجهات نظر القادة الإسرائيليين متطابقة بشأن البرامج النووي، إذ كان أرييل شارون -رئيس الوزراء الحالي- يرى أنه لن يكون بإمكان الأسلحة النووية ضمان أمن الكيان الصهيوني، وأن الإرهاب والهجمات عليها لن تتوقف، وعليه فمن غير الممكن ردع الإرهاب بالقنابل الذرية، وخلص إلى نتيجة مفادها أن لا فائدة من تبذير الأموال على القنابل الذرية إنما يجب إنفاقها على رفع مستوى الجيش وبالتحديد قوات المهام الخاصة.
إلا أن العمل في البرنامج النووي استمر. وفي الثالث عشر من شهر فبراير عام ١٩٦٠م قام الفرنسيون بتفجير قنبلتهم الذرية الأولى في الصحراء الجزائرية، حضر هذا التفجير علماء من الكيان الصهيوني معلوم أن العلماء الإسرائيليين كانوا يتمتعون بحرية الوصول إلى معظم الأسرار النووية الفرنسية.
عام ١٩٦٤م قرر الرئيس الفرنسي شارل ديغول وقف التعاون النووي مع الكيان الصهيوني، وذلك بعد أن وصلته معلومات تفيد بأن حكومة تل أبيب بدأت بابتزاز سياسيين غربيين معينين، مخيرة إياهم بين مساعدتها في الحرب ضد العرب، وإما أنها ستكون مضطرة لإلقاء قنبلة ذرية عليهم -على العرب- إلا أن الوقت قد أصبح متأخرًا، ولم يعد الكيان الصهيوني بحاجة للمساعدة الفرنسية، وأصبح لديه فريق من المختصين بإنتاج الأسلحة النووية لم يكن ينقصه سوى شيء بسيط وهو مضاعفة طاقة المفاعل الفرنسي لكي يصبح بالإمكان الحصول على بلوتونيوم مخصب بكميات كافية. وهذا ما بدأ العمل به عام ١٩٦٧م.
في ذلك الوقت بدأت مصر بمساعدة ألمانيا بحث الخطة لتحقيق ما عُرِفَ «بالبرنامج الصاروخي» والموجه دون شك ضد الكيان الصهيوني. بقيت موسكو مراقبًا سلبيًا للمشروع، حيث إنها لم تكن تؤمن بنجاحه، أما الأمريكان فقد قاموا بصورة سرية بتحذير عبد الناصر من إنه لن يكون الفائز في أي سباق تسلح مع الكيان الصهيوني.
أما الحكومة الإسرائيلية فقد اقترحت على مصر القيام بحملات تفتيش متبادل لكيلا يصبح الشك عند الجانبين سببًا لأزمة جديدة في الشرق الأوسط «لم يكن الكيان الصهيوني على بينة من أن مصر وسوريا تعملان على إنشاء مشاريع نووية، وبما أن الأمر كذلك فيكفي إلقاء قنبلة كالتي ألقيت على هيروشيما ويزول الكيان الصهيوني عن الخارطة إلى الأبد».
في هذا الوقت نقل عملاء الموساد إلى قادتهم أن مصر بدأت بإنتاج أسلحة كيميائية وربما بيولوجية وتخزينها في شبه جزيرة سيناء، وفيما لو تم استعمال هذه الأسلحة فإن القضاء على الكيان الصهيوني بالكامل سيكون مسألة سويعات.
تمكنت موسكو بفضل المعلومات الاستخبارية والصور الفضائية من الحصول على معلومات دقيقة للغاية عن مفاعل ديمونة، وأدرك الكرملين أن ما يعرف باسم مصنع الأنسجة ومحطة المضخات ما هو في الحقيقة إلا ملجأ ذو ست طبقات مقام تحت الأرض، حيث لا يتم الاستعداد لإنتاج البلوتونيوم المخصب فحسب، بل وإنشاء أقسام متخصصة في إنتاج الأسلحة النووية.. ولم يكن مستبعدًا أن يكون الاتحاد السوفييتي قد زود مصر بهذه المعلومات خاصة وأن التنسيق بين أجهزة مخابرات الدولتين كان قد وصل إلى أعلى الدرجات.
يلاحظ أن الإسرائيليين كانوا قد أخفوا بصورة مطلقة أسرارهم النووية عن الأمريكان، في الواقع هذا ما أصر عليه الفرنسيون الذين نقضوا اتفاق الشرف مع الأمريكان وبدأوا ببيع التكنولوجيا النووية لدول أخرى.
فقط في العام ١٩٧٤م تمكنت وكالة الاستخبارات الأمريكية من الوصول إلى نتيجة مفادها أن الكيان الصهيوني قد بدأ فعلًا بإنتاج أسلحة نووية وذلك عندما بدأت التحقيقات في الاختفاء «الغريب» لكميات كبيرة من اليورانيوم من أحد مصانع التخصيب الأمريكية في ولاية بنسلفانيا، وكذلك من مناجم في جنوب إفريقيا، «عملية سرية قام بها جهاز «بلا مبيت» الاستخباري «الإسرائيلي.»
في ذلك العام قامت المخابرات الأمريكية برفع تقرير إلى الرئيس ريتشارد نيكسون أشارت فيه إلى أنه في أسوأ الاحتمالات فإن الإسرائيليين قد قاموا بتجميع كمية من البلوتونيوم كافية لصنع عدة قنابل بدائية لا تتعدى قدرة الواحدة منها عشرين كيلو طن.
صراحة لم تكن وكالة الاستخبارات الأمريكية أو السوفييتية تعلم أن باستطاعة مفاعل ديمونة إنتاج حتى ٤٠ كلغ من البلوتونيوم المخصب في السنة وكذلك حتى ١٠ كلغ من الليثيوم - ٦ إلا في أواسط الثمانينيات.
كما هو معلوم فان إنتاج قنبلة ذرية واحدة يحتاج إلى 4 - 10 كلغ من البلوتونيوم ٢٣٩ ولإنتاج قنبلة ثيرمونووية فيحتاج إلى 6 كلغ من ليثيوم - ٦، لذلك وحسب تقديرات الخبراء فإنه من المتوقع أن يكون في حوزة الكيان الصهيوني حوالي ۲۰۰ رأس نووي و٣٥ قنبلة ثيرمونووية.
بداية عام ١٩٦٧م كان التوتر في العلاقات بين العرب والكيان الصهيوني قد بلغ مداه. وكانت الدعاية العربية قد كونت انطباعًا مفاده أن هناك جبهة عريضة ضد الكيان الصهيوني مستعدة لإنزال ضربة قاسمة بالمعتدين.. ونشطت الأعمال العسكرية الفلسطينية انطلاقًا من سيناء والضفة الغربية ومرتفعات الجولان، وبدأت سوريا بإقامة مشاريع لتحويل مجرى نهر الأردن «وهذا يعني نهاية حتمية للدولة اليهودية».
كانت مصر وسوريا بحاجة إلى نصر عسكري حاسم والكيان الصهيوني كذلك، لكن الولايات المتحدة والغرب عمومًا كانوا ضد ذلك. أما الاتحاد السوفييتي فقد كان يؤيد العرب من حيث المبدأ ولكنه كان يريد أن يبادر الكيان الصهيوني بشن الحرب.
في ١٧ مايو ١٩٦٧م أبلغت موسكو القاهرة معلومات سرية للغاية تفيد أن الكيان الصهيوني قد قام بنشر ۱۳ لواء عسكريًا على الحدود مع سوريا «الحقيقة أن هذه المعلومات مغلوطة والواقع أن الكيان الصهيوني لم يكن يحشد أكثر من 5 فرق و١٠٠ دبابة».
خلال عدة أيام طلب الرئيس عبد الناصر سحب قوات الأمم المتحدة من منطقة خط الهدنة، وأعلن حصارًا بحريًا يشمل كافة السواحل الإسرائيلية، حتى تلك اللحظة لم تكن المخابرات السوفييتية تعلم حقيقة الموقف المصري.
وحتى النصف الثاني من شهر مايو كان المصريون الذين استفزتهم قضية ديمونة يعتبرونها قضية تجسس عادية يقوم بها أحد الأطراف المتصارعة ضد الآخر، لكن لاحقًا تبيّن أن بطل الاتحاد السوفييتي عبد الناصر والمشير عبد الحكيم عامر قد قررا في سرية مطلقة تدمير المفاعل الإسرائيلي قبل أن يتمكن الكيان الصهيوني من إنتاج قنبلة ذرية واستخدامها في الحرب.
كانت ديمونة وفق الخطط الحربية المصرية تعتبر الهدف الأساسي للعمليات المقبلة، وكانت رحلات التجسس الجوية فوق المفاعل والصمت المستغرب لوسائل الدفاع الجوي الإسرائيلية غير مفهومة حتى الآن، لماذا؟ فلقد كان بإمكان الطائرات الاستكشافية حمل أسلحة موجهة.
ولّدت كل هذه العوامل انطباعًا لدى عبد الحكيم عامر اتخذ على أساسه قرارًا بقصف ديمونة بالقنابل.. ولكن جواب الكرملين كان الرجاء الحار بعدم بدء الحرب.
أما جمال عبد الناصر فلم يكن يذكر مفاعل ديمونة بأي كلمة. كان جُلّ حديثه يتركز على القيام بضربات جوية لأهداف هامة في الكيان الصهيوني، ولو كان عبد الناصر منفتحًا للنهاية -على حد تعبير أندريه غروميكو- لكان الاتحاد السوفييتي يؤيد تدمير القدرة النووية الإسرائيلية وما كنا لنثنيه.
بطبيعة الحال، كانت الدائرة ستنقلب عليه ولكنه كان على الأقل قد فاز بزمام المبادرة محققًا التوازن العسكري بين الكيان الصهيوني والعالم العربي.
هنا لعب الموساد دورًا أفضل مما لعبته وكالتا الاستخبارات السوفييتية والأمريكية معًا، واستطاع عملاؤه معرفة ما كان «يتحذر» عملاء الاستخبارات السوفييتية والأمريكية والأردنية والسورية، وأيقن عملاء الموساد أنه إذا لم يتم توقيف عبد الناصر عند حده فإن مفاعل ديمونة سيتعرض للهجوم.
بداية يونيو أتّخذ ليفي أشكول رئيس الوزراء الإسرائيلي ووزير دفاعه موشیه دایان قرارًا سريًا بتدمير القوى الجوية لمصر وسوريا واحتلال شبه جزيرة سيناء والضفة الغربية لنهر الأردن وقطاع غزة ومرتفعات الجولان، كان هذا هو الحل الأفضل وفق تصورات تل أبيب لحماية المفاعل النووي والحفاظ على التوازن المائي لنهر الأردن وكذلك الوقوف في وجه الفدائيين الفلسطينيين، كما أن نصرًا ساحقًا لإسرائيل كفيل بأن يعيد العرب إلى رشدهم، وعندها سيتحدث الكيان الصهيوني معهم بشكل أسهل.
عمليًا لم يكن أحد مطلعًا على هذه الخطة باستثناء فرنسا الحليف الوحيد والوفي لإسرائيل. لكن الرئيس الفرنسي شارل ديغول لم يؤيد الفكرة الإسرائيلية وأرسل إلى ليفي أشكول برقية طلب منه ألّا يبدأ الحرب، فالأمر ليس خطيرًا وإمكانية الحوار السلمي لم تُفقد بعد.
لكن الإسرائيليين لم يعيروه آذانًا صاغية وفي الساعة الثامنة والنصف من صباح 5 يونيو قامت ٨٠ طائرة إسرائيلية بعبور الحدود وقامت بقصف مكثف لأهم القواعد الجوية والمطارات الحربية وكذلك وسائل الدفاع الجوي ومحطات الرادارات والجسور الممتدة عبر قناة السويس، بعد ذلك بعدة ساعات قامت ۱۲۰ طائرة بغارات مماثلة، بعدها قامت الطائرات الإسرائيلية بغارات مشابهة ضد سوريا، كانت النتيجة أن فقدت مصر 300 طائرة ومروحية، فيما فقدت سوريا ٥٠ من طائراتها، وفقد الأردن ۲۰ طائرة، أما على الجبهات البرية فقد كانت الخسائر مأساوية إذ قُتل أكثر من 40 ألف جندي، وتم تدمير ما يزيد على ٩٠٠ دبابة وأكثر من ألف قطعة مدفعية، فيما فقد الكيان الصهيوني خلال الأيام الستة للحرب ۸۰۰ جندي، وجُرح له أكثر من ٧٠٠، كما فقد أكثر من ١٠٠ دبابة و ٤٨ طائرة.
أدت هزيمة مصر في الحرب إلى إنقاذ مفاعل ديمونة وبالتالي إبعاد خطر الإشعاعات النووية عن الكيان الصهيوني.
بدورها أثبتت حرب الأيام الستة أنّ الأسلحة النووية يمكن أن تتحول من وسيلة لضبط النفس وتحقيق توازن الردع إلى وسيلة لزيادة حدة التوتر العسكري، وجاءت أحداث عام ١٩٦٧م لتوجه صفعة إلى الدول النووية، فقد أثبتت التجربة أن دعاية الذرة من أجل السلام «محطات كهربائية، تحلية مياه، استخدامات طبية وغيرها» تترك أثرًا عكسيًا إذا ما تم نقل التكنولوجيا النووية إلى دول أخرى.