; دولة إسلامية أسقطها الفقهاء! | مجلة المجتمع

العنوان دولة إسلامية أسقطها الفقهاء!

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 27-يونيو-1972

مشاهدات 100

نشر في العدد 106

نشر في الصفحة 33

الثلاثاء 27-يونيو-1972

قراءة جديدة للتاريخ

الصفحات الأخيرة من حضارتنا

دولة إسلامية أسقطها الفقهاء!

بدأت دولة المرابطين بالمغرب العربي بداية طيبة قوية.

كانت هذه الدولة -بحق انبثاقه- فكرة إسلامية عظيمة الأثر في حياة الدعوة الإسلامية، هذه الفكرة هي تلك التي تقوم على إبراز دور محدد قيادي للمسجد الإسلامي، فالمسجد ليس مجرد دار لأداء صلوات خمس مبتوته الصلة بالحياة -كما هو حادث في عصرنا- وإنما المسجد الإسلامي دار تنطلق منها قيادة البشرية وتربيتها في كل مرافق الحياة؛ فهو إلى جانب كونه دار عبادة هو كذلك دار علم، وهو دار قضاء، وهو مكتبة، وهو مجلس شورى، وهو...، وهو... إلى آخره، أي أن المسجد في الحقيقة نموذج لكل الوزارات والدواوين التي تقود شئون الناس وتوجه مصالحهم، على هذا الأساس قامت فكرة الأربطة التي أنشأها المرابطون، والتي من خلالها تكونت طلیعة إسلامية استطاعت أن تنشئ دولة المرابطين التي حمت المغرب الإسلامي والأندلس قرابة قرن من الزمان.

ومضت فترة القوة في هذه الدولة عندما مات أكبر شخصية مرابطية، شخصية يوسف بن تاشفين على رأس المائة الخامسة، وبالتحديد سنة 500 من الهجرة.

وبعد يوسف ومع الجهود الضحمة التي بذلها خليفته وابنه علي بن يوسف بدأت دولة المرابطين تدخل طور الأُفُول.

وكان ذلك بتأثير سبب قوى غريب، كان ذلك لأن علي بن يوسف هذا قد انصرف عن شئون الحكم إلى حد كبير، ولم يتحرك إلا في مرات قليلة لم تكن كافية لسد الثغرات التي فتحت على الدولة في المغرب والأندلس، وراح هذا الأمير المرابطي يصوم النهار ويقوم الليل، ويعكس بزهده وإهماله لشئون دولته فهمًا مغلوطًا للإسلام، كما أنه وقع في خطأ كبير، إذ إنه وقع تحت تأثير مجموعة كبار الفقهاء البارزين في دولته، وكان لا يزيد عن كونه لعبة صغيرة في أيديهم.

ونتيجة غفلة علي بن يوسف وانصراف الفقهاء إلى تكفير الناس وجمع الثروات، بدأت مظاهر التحلل تسود قطاعات كبيرة من الدولة.

كانت الخمر تباع علنًا في الأسواق، وكان النبيذ يشرب دون حرج، وكانت الخنازير تمرح في الأسواق كالأغنام، واستولى أكابر المرابطين على إقطاعات كبيرة وذهبوا إلى الاستبداد فيها، واستولى النساء على الأحوال، وصارت كل امرأة تشتمل على كل مفسد وشرير وقاطع سبيل وصاحب خمر وماخور.

وكان ثمة مظهر آخر من مظاهر الفساد انتشر على عهد الضعف المرابطي هذا، ذلك هو تحجب الرجال حتى أن الرجل لا تبدو منه إلا عينه، وسفور النساء وظهورهن في الأسواق العامة سافرات واختلاطهن بالرجال، لكن مفتاح كل هذه المصائب على الدولة المرابطية كان هم الفقهاء الذين ترك لهم علي بن يوسف شئون الحكم، ووثق في أقوالهم إلى حد البله.

لقد ذهبوا إلى تكفير كل من يحاول تأويل المتشابه من القرآن، وذهبوا إلى تكفير كل من يحاول تأييد القواعد والأصول الشرعية، لا سيما العقائد بأدلة عقلية، وقد يكونون على خطأ أو على صواب، فلسنا نعرض لآرائهم أو لآراء غيرهم، وإنما الذي نقصده أن نظرية التكفير هي دلالة إفلاس فكري وتحجر، وليس من حق أحد أن يتعجل فيرمي الناس بالكفر، إذ ليس الكفر مفتاحًا يملكه الناس ما لم تظهر أدلته المادية التي لا تقبل الشك، أما الخلاف على رأي فليس مجال تكفير.

وقد ذهب هؤلاء الفقهاء في استرسالهم التكفيري هذا إلى تكفير أعظم شخصية إسلامية أنجبها القرنان الخامس والسادس الهجريان، وهي شخصية الإمام أبي حامد الغزالي المعروف بحجة الإسلام، بل إنهم ذهبوا في غلوائهم أبعد مذهب، فحرصًا على امتيازاتهم التي يكتسبونها من جدلياتهم في علوم الفقه التي تمثل الفروع، أفتوا بإحراق كتب الإمام الغزالي لا سيما كتابه الشهير «إحياء علوم الدين»، وكانت حجتهم في ذلك اشتمال الكتاب على بعض المسائل الفلسفية الكلامية، مما اضطر السلطان علي بن يوسف الخاضع لتأثيرهم إلى إصدار أمره بوجوب إحراق الكتاب «إحياء علوم الدين» في جميع أنحاء مملكته تنفيذًا لفتوى الفقهاء، وأنذر بالوعيد الشديد، بل بالقتل واستلاب المال كل من يوجد عنده الكتاب!!

وكان هذا الحادث أبرز ألوان الجمود والتحيز والخوف على الامتيازات الشخصية التي أظهرها الفقهاء.

وقد بلغ الحنق بالإمام الغزالي مبلغه، فدعا على علي بن يوسف بن تاشفين المرابطي أن يمزق الله ملكه حين علم بالأمر !

لقد كان منهج الفقهاء الذين تصدروا شئون الدولة المرابطية يقوم على الابتعاد عن المصدرين الرئيسيين للتشريع وهما القرآن والسنة، والتمسك الشديد بآراء الفقهاء، حتى ولو لم يعرفوا لها سندًا من الكتاب والسنة، وقد بلغ الأمر بهم في هذا الأمر مبلغه، حتى أن أحد الناس قال لرجل وهما في الطريق: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول كذا... فرد عليه الآخر: لكني أعتقد أن الإمام مالك يقول كذا: «!!»، وهكذا ذهبت آراء الفقهاء في نظرهم مذهب التقديس والغلو المبالغ فيه.

وقد أمات الفقهاء واجب الحسبة، وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلم يقوموا بتغيير نواحي التحلل التي ظهرت في الدولة، وكان بإمكانهم -لتمكنهم من الحكم- أن يقوموا على تغييرها، لكنهم جاروا العامة في غرائزها، وبحثوا عن أنفسهم، بل قاوموا المخلصين الذين حاولوا التغيير، ورموهم بالتفكير والمروق.

بقي أن نقول: إن الفقيه أبا القاسم بن حمدين زعيم الفقهاء في هذه الفوضى، وأكبر المكفرين للإمام الغزالي، بل المكفر لكل من قرأ كتاب الإحياء.

كان يمثل نموذجًا لكثير من الدجالين المتاجرين بالإسلام، والإسلام والحكومة الإسلامية منهم براء، ومع ألسنة النار المندلعة من نسخ كتاب الإحياء التي أُحرقت في مشهد علني بجامع قرطبة، كانت ألسنة نيران حركة التاريخ التي تقودها سنة الله التي لا تتخلف تأكل دولة المرابطين لا تتخلف تأكل دولة المرابطين التي تركت أمرها لمجموعة من ضيِّقي الأفق ومرتزقة الكلمة، هؤلاء الذين لا يفهمون أصول الإسلام، ولا روح الإسلام، ولا أصول الحكم في الإسلام، ولا روح الحكومة الإسلامية.

الرابط المختصر :