; دولة القرى المحصنة والجدُر والأسلاك الشائكة | مجلة المجتمع

العنوان دولة القرى المحصنة والجدُر والأسلاك الشائكة

الكاتب وسام عفيفة

تاريخ النشر السبت 16-أغسطس-2003

مشاهدات 61

نشر في العدد 1564

نشر في الصفحة 14

السبت 16-أغسطس-2003

قبل قرون.. حين مر اليهود عبر فلسطين كان المشهد ذاته، انطلق اليهود يقيمون الجدران حول أريحا، ويفيد المؤرخون اليهود أن الجدار كان أهم ما يحرصون على إقامته حول تجمعاتهم السكانية، وقبيل بعثة النبيﷺ حرص اليهود في المدينة على إقامة الجدار حول قراهم لتصبح قلاعًا محصنة.

وفي مطلع الهجرة اليهودية الأرض فلسطين أواخر العام التاسع عشر وفي مطلع القرن العشرين كان الصهاينة يقيمون الجدار حول مستوطناتهم. ويشير الكاتب يهودا ليطاني إلى أنه في العشرينيات – والثلاثينيات أطلق اليهود حملة «جدار وبرج» في – إشارة إلى كون التحصين أهم عنصر في العقيدة الأمنية لليهود. وحتى عندما انتقل الصهاينة إلى شن الهجمات الإرهابية على الفلسطينيين، ظلت نفس العقيدة قائمة، حيث رفع الصهاينة شعار «هجوم وجدار»، وبعد الإعلان عن الدولة بقي الجدار يحتل مكانة كبيرة في عقيدتهم الأمنية. ويشير ليطاني إلى أن رئيس الوزراء الأول ديفيد بن جوريون كان يشاهد وهو يحاول أن يشارك في إقامة الجدار حول المستوطنات الحدودية كنوع من العمل التطوعي، وبعد حرب يونيو ١٩٦٧ أقام الصهاينة «المنتصرون» خط «بارليف» الشهير، الذي كان ينظر إليه على أنه أهم ضمانة أمنية في ذلك الوقت، وبلغ الارتهان إلى نظرية «الجدران»، أوجه مؤخرًا في قرار حكومة شارون إقامة الجدار الفاصل في قلب الضفة الغربية. 

وذلك كله إقرار بما ذكره القرآن الكريم منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام ﴿ لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ ۚ بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ ﴾ ) الحشر:١٤). 

  • جدار الهوس الأمن

لم يبالغ عدد من الخبراء الفلسطينيين حينما وصفوا الجدار الفاصل بأنه أخطر بكثير من المشروع الاستيطاني - وشدد عدد من هؤلاء - اجتمعوا في مدينة البيرة مؤخرًا – على أن حكومة الاحتلال تريد من خلال هذا المشروع التهويدي ضم أكثر من ١٠٪من الأراضي الفلسطينية، الأكثر خصوبة، والأكثر غنى بالماء في الضفة الغربية، مشيرين إلى أن المطلوب في هذه الفترة تكريس الجهد الإعلامي المكثف، لكشف حقيقة وأهداف وخطورة إقامة هذا الجدار. 

المتجول في مختلف مدن وقرى فلسطين سيلحظ وجود إجراءات أمنية مشددة، سواء في تل أبيب أو القدس أو حتى حول المستوطنات اليهودية في الضفة والقطاع تتراوح ما بين حاجز عسكري أو جدار أو كتل أسمنتية أو دوريات متنقلة. وتظهر هذه المشاهد واضحة في القدس المحتلة التي تحولت بفعل الحواجز والنقاط العسكرية إلى ما يشبه السجن.

ویری كثير من المحللين السياسيين أن بناء الجدار إنما يعكس العقلية التي قامت على الهوس الأمني ومحاولة إحاطة نفسها بما يمنعها من الاختلاط بالآخرين، وقد ظهرت ثقافة «الجيتو»، في أوروبا منذ بداية القرن السابق، الأمر الذي جلب لليهود الكوارث بسبب الصورة السلبية التي ارتبطت في أذهان الآخرين حول الطبيعة اليهودية القائمة على التعالي وكراهية الغير. وفي سياق نقاش جمع عددًا من نواب الكنيست سألت النائبة نوعامي بلومنتال رئيس الوزراء شارون: « أي شعب يحيط نفسه بجدار؟ إن هذا يعيدنا إلى عهد الجيتو»!. الكاتب والأديب اليهودي المشهور أ. ب يهوشع يصف مدى حيرة الإسرائيليين في إيجاد إطار يجمعهم بقوله: «عبرة الكارثة النازية وهدف الصهيونية أن على الشعب اليهودي أن يضع نفسه في حدود، وأن ينفصل عن الشعوب الأخرى، وأن يعيش في داخل حدود واضحة. مشكلة عدم وجود حدود في دولة «إسرائيل» ووجودنا في داخلهم مثلما كان الحال عليه في الشتات هو الذي يتسبب في هذه العلاقة الفظيعة. نحن جننا لأرض ، «إسرائيل»، من أجل العيش في داخل حدودنا، ومنذ حرب الأيام الستة عدنا واختلطنا بشعب آخر الرد يكمن في الانفصال عنهم. وضع حدود لتكون هناك دولة فلسطينية حتى لا يتمكن الشاب النابلسي من وضع قبلة على جبين والدته وواضعًا حزامًا ناسفًا على وسطه ليتوجه لتفجير نفسه في وسط القدس».

ودلالة على استمرار عقلية الجيتو قرر وزراء الحكومة الصهيونية، العام الماضي دعم اقتراح قانون يمكن الوكالة اليهودية من إقامة بلدات جماهيرية لليهود فقط. ويعتبر القرار الحكومي تخطياً لسابقة قضائية أقرتها محكمة العدل العليا عندما أمرت بمنع التمييز بين العرب واليهود في «إسرائيل» في هذا الشأن. ومنذ عام ۱۹۹۷ أعدت وثيقة تبحث في إنشاء جدار أو سور حول الأحياء اليهودية القريبة من المناطق الفلسطينية، بناءً على طلب قائد شرطة القدس المحتلة إريه عاميت. الفكرة تمركزت حول منع تسرب العرب من مخيمات اللاجئين وبيت جالا للقدس، ومنع إطلاق النار بشكل مباشر نحو منازل جيلو. معد التقرير العميد احتياط يورام لونينسكي أوصى بإقامة سور أسمنتي في مقطع واحد فقط. وهذا يعود لعدة أسباب حسب رأيه. والآن بعد خمس سنوات من إعداد التقرير مازال لونينسكي يعتقد أن الأسباب ما زالت قائمة بالنسبة لمنطقة خط التماس أيضًا.

  • عقيدة الجدار

منذ أن نشأ الكيان الصهيوني في شكل قرى وتجمعات كان الجدار الذي يحيط بهذه القرية أو ذلك الكيبوتس من أولى الضروريات. وكان الشعار الذي رفعه الصهاينة آنذاك «سور وبرج»، مما يدل على استحكام الهوس الأمني، بل إن كاتبًا إسرائيليًا ذهب إلى أبعد من ذلك حينما قال «إن اليهود يحاولون إحاطة أنفسهم بسور دائم». ويقول يهودا ليطان «منذ الهجرات الأولى شعر المستوطنون اليهود بالحاجة إلى إحاطة أنفسهم بجدار، فيما اكتفى جيرانهم العرب بأشجار الصبار التي تحيط بقراهم في فترة الأحداث في نهاية الثلاثينيات أحيطت القرى والمدن الجديدة بجدران من الخشب، معززة في إطار حملة ما سمي «سور وبرج»

ويضيف ليطاني: غير أن «عقلية الجدار» تواصلت في السنوات التالية أيضًا. فحتى بعد إقامة دولة «إسرائيل»، لم تنته المخاطر. فتسلل «الفدائيين» والمتسللين العاديين الى القرى والمدن اليهودية في منطقة القدس، والنقب والجليل أدى إلى تواصل ذلك النمط على نحو شبه تلقائي: جدار لكل قرية ومدينة، ذات الإحساس بكوننا جزيرة داخل بحر من العرب حتى بعد إقامة الدولة، برزت لدى العديد من الإسرائيليين الحاجة إلى الأسوار والجدران. صور معروفة من الخمسينيات تظهر رئيس الوزراء في حيفا دافيد بن جوريون، بالملابس الكاكية والقفازات يلف سياجًا على جدار في إحدى القرى الحدودية».

وليست فقط هذه القرى التي أحيطت بالأسيجة وحقول الألغام، بل وقرى ومدن داخل البلاد سيجت خوفًا من وصول المتسللين إليها. وبين ١٩٤٨ و١٩٦٧ كانت القدس محاطة بالأسيجة والحيطان الوقائية حماية من القناصة، والعوائق المضادة للمدرعات وما شابه. عاصمة «إسرائيل»، بدت، وهكذا كانت بالفعل، مدينة حدودية بكل معنى الكلمة.

معظم المستوطنات التي أقيمت في الأراضي الفلسطينية بعد حرب الأيام الستة أحيط بالجدار مثلما في عهد «سور وبرج». ورغم أن جيش الاحتلال سيطر على الضفة وقطاع غزة بقوة، بثت الجدران التي تحيط بالمستوطنات إحساسًا من الضعف والعزلة. كريات أربع المحاطة بالجدران وأبراج الحراسة من كل اتجاه تشبه حتى اليوم في عين الناظر الأجنبي مدينة محصنة شبه عسكرية وليست قرية مدنية عادية. 

ويرى ليطاني أن «جدار الفصل الذي تجري إقامته، والذي صار صخرة خلاف بين الرئيس بوش ورئيس الوزراء شارون، هو استمرار لذات الميل. إنه مثال على العزلة التي فرضناها على أنفسنا. إنه رمز قصر نظرنا. ومنذ الأزل وجد العدو السبل لتجاوز الجدران واقتحام الأسوار، ابتداءً من أسوار أريحا القديمة وانتهاء بخط ماجينو وخط بارليف في القرن العشرين. وسواء جدار أم سور فليس هذا سوى أحد العناصر التي تشكل الأمن العام للأمة. ولكن شعبًا كاملًا يعلق كل آماله على جدار فاصل وليس على اتفاق ثنائي ملزم، يضع أمانه في الأبراج المزدهرة. وراء الجدار ستوجد دومًا العناصر التي ستسعى إلى الاقتحام والهدم والاجتثاث من الجذور». 

ويرى الكاتب جال أوجوفسكي في مقال له في صحيفة «معاريف»، أن الجدار يشبه ذلك الإنسان الآلي الذي خرج عن طوعه، وسيستمر بالتقدم بخداع ما باتجاه المستقبل الذي يعمل على تدميره أكثر فأكثر. في كل مرة بتقدم فيها سنتيمترًا تلو سنتيمتر آخر .

الرابط المختصر :