; دولة الكانتونات الفلسطينية تخرج من ستوكهولم! | مجلة المجتمع

العنوان دولة الكانتونات الفلسطينية تخرج من ستوكهولم!

الكاتب محمود الخطيب

تاريخ النشر الثلاثاء 06-يونيو-2000

مشاهدات 97

نشر في العدد 1403

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 06-يونيو-2000

انتفاضة الأسرى كما أسمتها وسائل الإعلام تجلي أكثر من حقيقة حول طبيعة ومستقبل المفاوضات الجارية بين السلطة الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية، ولعل أولى تلك الحقائق عدم رضا الشارع الفلسطيني بكل قطاعاته وفصائله وقواه عن التنازلات الخطيرة التي ما زالت السلطة الفلسطينية تقدمها للطرف الآخر، وأخيرًا وبعد مرور ست سنوات على تطبيق اتفاق أوسلو اتضحت هشاشة الاتفاق وتأكد فشله في إعادة حقوق الشعب الفلسطيني المغصوبة.

ووجد المفاوض الفلسطيني نفسه أمام حائط صهيوني لا يمكنه اختراقه أو حمل الطرف الصهيوني على تنفيذ ما وافق على «التنازل» عنه. فكيف يمكن إذن تطويع سلطة الاحتلال لكي توافق على إعادة حقوق فلسطينية لا تعترف بها أصلًا خصوصًا ما تعلق منها بالقدس المحتلة وعودة أكثر من أربعة ملايين لاجئ فلسطيني إلى أراضيهم؟ وإذا كانت هذه الانتفاضة الجديدة التي ساقت معها حتى الآن العديد من الشهداء وأكثر من ألف جريح فلسطيني قد حملت عنوان التضامن مع الأسرى والمعتقلين في السجون الإسرائيلية وتبنت قضيتهم في وقت تخلت فيه السلطة الفلسطينية عنها، فإنها في فحواها تعبير عن رفض الشارع الفلسطيني لمحاولات قتل القضية الفلسطينية على مذبح ستوكهولم هذه المرة بدلًا من أوسلو.

ومن الواضح أن تدخل عناصر من الشرطة الفلسطينية في الانتفاضة وتبادلهم لإطلاق النار مع جنود الاحتلال الإسرائيلي كان بمبادرة ذاتية من جانبهم للدفاع عن أبناء شعبهم بعد أن رأوهم يسقطون برصاص الصهاينة فلم يكن ذلك قرارًا بالمواجهة من جانب السلطة، وفي الوقت الذي كان الشارع الفلسطيني فيه يموج بالغضب ويدلل فيه على تضامنه مع قضية أكثر من ألفي أسير ومعتقل فلسطيني يخوضون إضرابًا عن الطعام منذ بداية مايو الحالي، سرب بعض الصحف الإسرائيلية خبر اجتماعات سرية تدور في ستوكهولم بين مفاوضين إسرائيليين وفلسطينيين من وراء ظهور أعضاء الوفد الرسمي الفلسطيني لمفاوضات الوضع النهائي، واضطر رئيس الوفد الرسمي ياسر عبد ربه إلى تقديم استقالته احتجاجًا على القناة السرية الجارية وعرابها أحمد قريع رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني وهو نفسه أحد عرابي اتفاق أوسلو الذي كان يجري طبخه بعيدًا عن أعين أعضاء الوفد الرسمي الفلسطيني في واشنطن برئاسة حيدر عبد الشافي. هذا يعني أن القيادة الفلسطينية مدمنة على الاجتماعات السرية التي تستطيع من خلالها تقديم تنازلات مصيرية بعيدًا عن ضغط الشارع الفلسطيني والعربي، وإلا ما هدف مثل تلك اللقاءات السرية سوى أنه رغبة إسرائيلية بالاستفراد بالجانب الفلسطيني لتقديم هذه التنازلات؟ كما كشفت صحيفة يديعوت أحرنوت الإسرائيلية عن خطة جديدة لباراك لتسوية الوضع النهائي للضفة الغربية وتقضي بتقسيم الضفة إلى ثلاثة كانتونات فلسطينية معزولة عن بعضها إضافة إلى كانتون غزة المفصول عن الضفة أصلًا.

 ويبدو أن هذه الخارطة هي محور مفاوضات ستوكهولم السرية حيث يوافق الإسرائيليون على إقامة دولة فلسطينية «منزوعة السيادة» على هذه الكانتونات مقابل تسليم السلطة الفلسطينية بالموقف الإسرائيلي من وضع القدس المحتلة وقضية اللاجئين. وكان قرار الحكومة الإسرائيلية «الذي جمدته بعد ذلك بسبب انتفاضة الأسرى» بالانسحاب من ثلاث قرى قرب القدس الشرقية -وهي أبوديس والسواحرة والعيزرية- مؤشرًا على حقيقة وجود اتفاق أبو مازن - بيلين الذي ظلت القيادة الفلسطينية تنفي وجوده حتى الآن، فهذه المناطق هي التي يجري إعدادها حسب الاتفاق المذكور لتكون عاصمة الدولة الفلسطينية بعد أن يجري تسميتها باسم «القدس» باللغتين العربية والإنجليزية بينما تظل «جيروزليم» وهي القدس الشرقية والغربية تحت السيادة الإسرائيلية مقابل السماح للمسلمين والنصارى بالدخول إلى الأماكن المقدسة وفق ترتيبات معينة، ومما يدل على صحة هذه المعلومات المشروع الذي يجري الآن في أبوديس لبناء المقر الدائم للمجلس التشريعي الفلسطيني «البرلمان». فقد جرى العرف أن يكون مبنى البرلمان في العاصمة وليس في الضواحي! وهكذا أصبحت أبوديس حقيقة! فالقدس تظل تحت السيادة الإسرائيلية أما السكان العرب فيها فيمكن أن يكونوا تابعين للسيادة الفلسطينية «باعتبار أن سيكون هناك سيادة فلسطينية» وهو الأمر الذي سيعفي الحكومة الإسرائيلية من تحمل نفقات التعليم والخدمات الصحية والاجتماعية وغيرها لسكان القدس الفلسطينيين وسيسمح للفلسطينيين بإدارة المقدسات الإسلامية في القدس وهو ليس بالأمر الجديد حيث إن الأوقاف الإسلامية تدار الآن من جانب وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في الأردن وتنازعها عليها وزارة الأوقاف في السلطة الفلسطينية.

مستقبل المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية يجري إعداده أيضًا وفق الرؤية الإسرائيلية التي يراد فرضها على المفاوض الفلسطيني بمباركة من الإدارة الأمريكية التي تريد حلًا نهائيًا لكل المشكلات الموجودة قبل رحيل هذه الإدارة نهاية العام الحالي، ويريد الإسرائيليون ضم المستوطنات الواقعة على حدود الضفة الغربية مع الأردن وتعادل في مساحتها ١٠% من مساحة الضفة الغربية باستثناء القدس المحتلة. كما أن هناك بعض المستوطنات اليهودية الواقعة في قلب المناطق السكانية الفلسطينية تريد الحكومة الإسرائيلية ضمها إليها، إضافة إلى تأجير مناطق استولت عليها لإقامة مشاريع زراعية لفترات زمنية طويلة جدًا، وهكذا يصل مجمل المناطق التي يريد الصهاينة إبقاءها تحت سيطرتهم حوالي ٣٠% من مساحة الضفة الغربية السلطة فضلًا عن القدس.

وجدير بالذكر أن هذه الخارطة التي يتبناها باراك وحزبه تشبه إلى حد بعيد خطة أريل شارون التي تهدف هي الأخرى إلى تقسيم الضفة الغربية إلى كانتونات وجزر معزولة عن بعضها البعض حكومة باراك جادة في فرض التصور الذي تريده على السلطة الفلسطينية وهي ليست في عجلة من أمرها كما هي الفلسطينية التي تريد حلًا قبل ١٣ سبتمبر المقبل. فطالما ردد الإسرائيليون بأنه ليس عندهم مواعيد مقدسة وإنما مصالح يريدون تأمينها، وهم بالطبع الطرف الأقوى الذي يستطيع فرض إرادته على السلطة الفلسطينية، وحتى تظل الحكومة الإسرائيلية بعيدًا عن أي ضغط خارجي يحملها على تقديم «تنازلات» للفلسطينيين صوت الكنيست الإسرائيلي لصالح قرار يمنع أي حكومة إسرائيلية من التوصل إلى حل حول القدس إلا بعد عرضه على التصويت في الكنيست وموافقة أغلبية ثلثي الأعضاء عليه. أما بالنسبة للاجئين الفلسطينيين فقد صوت الكنيست على قرار بمنعهم من العودة إلى وطنهم، ما بعد رفضًا إسرائيليًا لقرار الأمم المتحدة رقم ١٩٤.

في داخل القنوات السرية يفرض الإسرائيليون ما يريدون على السلطة الفلسطينية، وبدلًا من أن تستقوي هذه السلطة على الإرادة الإسرائيلية بالوقوف في صف الشارع الفلسطيني في انتفاضته ضد الاحتلال، نجدها تستجيب للمطالب الإسرائيلية بقمع الانتفاضة وإخمادها.

الرابط المختصر :