; دين القوة | مجلة المجتمع

العنوان دين القوة

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 31-أغسطس-1976

مشاهدات 66

نشر في العدد 315

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 31-أغسطس-1976

المحاور التي يتسرب منها الضعف إلى الإنسان

  • الضعف الحسي والمادي
  • الضعف الفكري
  • الضعف الروحي والنفسي

حينما أراد الفيلسوف الألماني «نيتشه» أن يصل بالإنسان إلى مرحلة السوبرمان «الإنسان القوي أو الأعظم» رأى أنه لا بد من إسقاط مقام الألوهية أو فكرة الألوهية من الحسبان، وقد عبر عن ذلك ببذاءة متناهية معلنًا أن «الإله قد مات» وما دامت القاعدة الخالدة هي أن الزبد يذهب جفاء، فقد مات «نيتشه» وحده وماتت معه فكرة «السوبرمان» أيضاً؛ لأن الإنسان الأعظم الذي تنبأ به، بعد أن توفرت له كل العناصر المطلوبة في التربية الحضارية الحديثة، قد ولد فأرًا أجربًا كما هو واضح الآن في جيل الهيبيين والمدمنين وزبائن العيادات النفسية والعصبية ومرتكبي الجرائم الوحشية البشعة. 

على أن الإنسان القوي الذي حلم به «نيتشه» قد ظهر على سطح الأرض ربما بأقوى مما تصوره نيتشه، ولكن ذلك لم يستوجب «موت الإله» -سبحانه وتعالى علوًّا كبيرًا- وإنما حدث ذلك بهداية الله والحياة في معيته والتزود من قدرته وعظمته.

 إن القدرة الإنسانية، مادية أو روحية أو فكرية، قد بلغت مداها الأعلى في حياة الصحابة على ما ثبت من التاريخ، وإذا كان غاية ما يدركه الإنسان من الكمال هو أن تتحقق فيه إنسانيته بما يرفعه عن عالم الحيوان ونزعات الشيطان، فإن أولئك النفر ولا شك قد ضربوا المثل في الرقي الإنساني حكامًا كانوا أم محكومين، آباء أو أبناء، نساء أو رجالًا، أفرادًا أو جماعات.

بعد أن تعرى وهم «الإنسان المتحضر» في هذا العصر، وطفحت صفحة الحضارة الحديثة بأبشع الجرائم كاشفة عن ضعف إنسانية الإنسان الجديد، هرع الناس إلى ممارسة مختلف الطقوس في تخبط فكري واضح «ضلال» معترفين ضمنًا بحاجتهم إلى الدين، تلك الحاجة التي لم يغن عنها العلم «كما كان يزعم جوليان هکسلی» ولا الموسيقى ولا التربية الحديثة.

 فظهرت بدعة الذكاء الخلاق واليوغا وبعثت المفاهيم الهندوسية، وطلع علينا بالروحية الحديثة والباراسايكولوجي والسحر وعبادة الشيطان وغيرها من صنوف الضلال والوثنيات التي أعيد تلميعها بما يتوافق مع طبيعة العصر وذوقه وبما يساير الجاهلية الحديثة.

 وطبيعي أن الإنسان الذي لم يفلح العلم الوضعي ولا الفلسفة العقلية في معالجة أزمته الفكرية أو إروائه روحيا أن تستقيم أموره في الكفر بالعلم والتحول إلى الخرافة.

 لقد قدم الإسلام المنهج الشافي لصياغة الإنسان القوي، وعالج ببساطة متناهية مسارب الضعف التي يصاب الإنسان من خلالها فيسقط في إسار العجز والتقزُّم والمرض. 

ويمكننا التنويه إجمالًا وعلى سبيل المثال ببعض الأولويات التي عني بها الحل الإسلامي حتى يقضي على الضعف البشري في الإنسانية ويسهم بها في خلق الإنسان القوي المتكامل صحيا، فمن المعروف أن الضعف يتسرب إلى الإنسان - عمومًا - من ثلاثة محاور سنرى كيف ركز الإسلام على بنائها وتقويتها.

أولًا - الضعف الحسي والمادي:

 لو راجعنا سجلات المحاكم لنقف على دوافع الجريمة فماذا نجد؟؟ معظم الجرائم، جنائية كانت أو مدنية يدفع إليها الضعف البشري أمام المال أو الجنس أو الإدمان، وإذا أخذنا جريمة خاصة يعنينا كأمة مسألة الضعف البشري فيها، وهي جريمة الخيانة العظمى، نجد أن أبطال هذه الجرائم يسقطون في حضيضها السحيق بسبب ضعفهم أمام إغراء المال أو الجنس أو الخمر، من هنا نستطيع أن نفهم مغزى الحرب الشعواء التي يشنها الإسلام ضد الجشع وعبادة المال وحب الدنيا، وضد الاستسلام للرغبات الشهوانية، وممارسة الفاحشة وضد الخمر والمسكر بأنواعه.

 كل ذلك من خلال التربية على الزهد والعفة والتطهر والتعويد على قهر الشهوات القاتلة، والتحكم في رغبات النفس، والسيطرة عليها وتنظيمها على قواعد الفطرة والخلق العالي - وقد تجلت الحكمة الإلهية في تميز المنهج الإسلامي هنا عن الشطط الوضعي في منهج فرويد والفلسفة الهندوسية. والإسلام بهذه التربية الأخلاقية يحفظ الطاقات الإنسانية وعناصر القوة الطبيعية في الإنسان من أن تتبدد وتتحطم وتضيع نتيجة السكر والإدمان والهوس الجنسي، ويدخر الفرد طاقة هائلة روحية وجسدية، ومناعة كاملة أمام المغريات.

ثانيًا - الضعف الفكري:

 وقد ظهر هذا النوع من العجز أكثر ما ظهر في هذا العصر الذي يفترض أنه عصر العلم والعقل والنهضة الفكرية، ويتمثل في الحيرة الفكرية الخانقة التي نعاني منها اليوم والتي أدت إلى الأزمة العقلية وأفرزت هذه الإيديولوجيات المتناقضة، إن الإنسان كافح من أجل أن يدرك الحقيقة اليقينية التي تجعل لحياته معنى وهدفًا، واستعمل في بحثه المتصل جميع وسائل المعرفة من عقل وحواس وتجربة. بل لجأ حينما أعوزته الحيلة إلى السحر والخرافة والوسائل غير العلمية، ولكن كل هذه المصادر لم توصله إلى المعرفة الأكيدة، بل كانت حصيلة جهده الفكري هي هذه الفلسفات المتناقضة والأفكار المتصارعة والوضعية الطبيعية التي تقف عاجزة أمام حقائق الكون وتنفي اليوم ما زعمته بالأمس حقائق ثابتة وتعارض غدًا ما تعتبره اليوم مسلمات علمية، هذا العجز وهذا التقلب وهذا التناقض أصاب العقل الإنساني بالقلق والشك والحيرة والتناقض وأوقعه في هذه الأزمة الفكرية الساحقة.

 أما الإسلام كدين سماوي يقوم على الوحي المعصوم، فقد زود الإنسان بالفكر الهادي الذي يتسم بالعصمة والثبات واليقينية، كما يتسم بالتناسق التام ما دام مصدره واحدًا، وهو نفس المصدر الذي خلق الكون والحياة والإنسان، هذا العلم الهادي الذي يملك تفسيرًا لكل الظواهر وحلًا لكل المشكلات، ومنهجا لكافة سبل الحياة ونشاطاتها، ثم يجمع كل ذلك في تناغم لا يتناقص واتساق لا يتنافر ويسلكه في انسجام مع القوانين الطبيعية التي تحكم حركة الكون كلها وخصائص الحياة، ثم لا تجد لحقائقه وعقائده تبدلا مع عامل الزمن ونتائج التجربة، هذا العلم هو وحده الذي يجد العقل الإنساني فيه سلامًا واستقرارًا واطمئنانًا، ويستشعر في إيمانه به الثقة والهدى واليقين، فيقبل على الحياة بهذه الثقة وهذا الهدى وهذا الاطمئنان.

ثالثًا - الضعف الروحي والنفساني:

 وهذا النوع هو سمة العصر ومرض الإنسان المعاصر، أصبح الإنسان اليوم كائنًا هشــــاً سرعان ما تصرعه الإصابات العصبية والنفسية، وذلك بعد أن استبد به التوتر والخوف من المجهول والقلق واليأس، وكل هذه الأمراض جاءت بسبب المادية والشر المتمثل في الحروب والجرائم، وبسبب إحساس الإنسان بضعفه أمام المشكلات التي تبدو بالحسابات الأرضية غالبة وقاهرة ومن ثم تولد اليأس في نفس الإنسان. 

ولكن الإسلام بالقليل مما حث عليه من الأخلاقيات قادر على محو هذا الضعف، وتحصين الإنسان بما يؤهله لمواجهة المصاعب النفسية، وتزويده برصيد لا ينضب من المعنويات المالية والروحانيات الفنية.

فالمسلم الذي يتخلق بالصبر، كما حثه القرآن الكريم وأحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام قادر على تجاوز الآلام والمحن واحتمالها، إلى أن يأتيه الفرج، فالصبر يعلمه ألا يستسلم، ويرفع روحه الجهادية ويزوده باليقين أن الفرج آت وأن الله مع الصابرين ويحب الصابرين، ولا بد أن نشير هنا إلى جهل بعض «المتعالمين» مثل الشاعر نزار قباني الذين أعياهم أن يستوعبوا هذه البديهية، فوضعوا الصبر بأنه وراء روح الجبرية والاستسلام والخنوع التي تعاني منها الأمة العربية اليوم، فالصبر قيمة إيجابية وليست سلبية، ولكن انظر كيف قلبوا المعنى رأسًا على عقب، وجعلوا الأبيض أسودَ بما أضلهم الله فأنَّى يفقهون.

والمسلم الذي عرف التوكل أيضًا يجابه الحياة بثقة مطلقة، ولا يتطرق إلى نفسه التردد أو الجزع ولكنه يحزم أمره بنية خالصة وثقة تامة في توفيق الله، ثم لا يبالي كيف ستأتي النتيجة، إنه بذلك يستشعر قوة الله الغالبة تسري في جسده، وتشد من أزره، وتعينه على التوفيق، بعكس الإنسان المادي الذي يعتمد على قدرته وحدها، وهو يعلم أن قدرته لا يمكن أن تواجه الأقدار الغالبة وإن اغتر وبطر وتكبر، فهو مدرك لمحدودية قدرته.

وهو لذلك فاقد الثقة في نفسه، جازع من الغيب والمستقبل، يمزقه القلق ويطحنه الجزع.

 والمسلم الذي أدرك «الرضا» بالقضاء خيره وشره، يعرف أن كل ما يصيبه من خير أو شر إنما هو مقدر من لدن حكيم خبير، وأن كل ما يقدره المولى إنما هو لخيره ومصلحته، فهو لا يجزع وإنما يتقبل كل ما يصيبه راضيًا مطمئنًّا في قناعة ويقين، لا تهزه المصائب، ولا ينهار أمام البلاء، ولا تستخفه النعمة الفانية، ولا يشتكي من قلة ما يصيب من مكسب.

 إن تعاليم الدين الإسلامي ذاخرة بالقيم التربوية التي تعصم النفس من الضعف أمام الكوارث والمصاعب والمشكلات، وتزودها بالقدرة على الصمود والاحتمال، وبالثقة في عاقبة الأمور وفي عون الله ورعايته ومدده، لذلك تبقى النفس المسلمة قوية وسليمة ومعافاة.

الرابط المختصر :