; د. توفيق الشاوي يكتب من غابة الشياطين في أوروبا «١-٢»: | مجلة المجتمع

العنوان د. توفيق الشاوي يكتب من غابة الشياطين في أوروبا «١-٢»:

الكاتب الدكتور توفيق الشاوي

تاريخ النشر الثلاثاء 07-ديسمبر-1993

مشاهدات 90

نشر في العدد 1078

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 07-ديسمبر-1993

مسؤول حكومي بريطاني يعلن رفض الحكومة البريطانية دعم المدارس الإسلامية.

لم يتح لي الإقامة في بريطانيا مدة كافية لكي أدعي معرفتي بالمجتمع البريطاني- فكل زياراتي لها كانت عابرة وقتية؛ ولذلك فإن فكرتي عنها تعتبر سطحية إلى حد كبير.

لكنها كانت كافية لأن أحب زيارتها وأستريح لقضاء بعض الأيام فيها- وفي هذه المرة وجدت أحد أصحابي ساخطًا على ما يلقاه المسلمون هناك، ولما حاولت تهدئته بتذكيره بما يشكو منه المسلمون في ألمانيا من اعتداءات العصابات النازية النامية هناك- وما يلقاه المسلمون في فرنسا من استفزازات عصابات الأقدام السوداء- إلا أنه ثار عليّ قائلاً.. إن ما نلقاه في بريطانيا أسوأ من ذلك كله- بل إني أقول لك إنه لا نظير له في العالم- لأن الذي يظلمنا ويطاردنا هي الدولة بجميع مؤسساتها وأجهزتها، بل هي الإمبراطورية الاستعمارية العجوز الشمطاء ذات الاتجاه الرجعي الحقود ضد المسلمين الذي يستفز المشاعر الإنسانية ويهدر قيم الحضارة والمدنية ومع ذلك لا يخجل بعض الرسميين البريطانيين من إعلانها واتخاذ مواقف رسمية تعبر دون حياء ولا خجل.

إننا نعتبر الفرد الإنجليزي نموذجًا للإنسان المتحضر الذي يتمتع بسلوك اجتماعي راق نحبه ونعجب به، بل إنا نتخذه قدوة لنا من حيث الانضباط وحب النظام والاستقامة في علاقاته مع الغير- صحيح أننا لا نقر بعض تصرفاتهم وسلوكياتهم الشخصية التي يشاركهم فيها جميع الأوروبيين من حيث اعتبار الخمر شيئًا عاديًا محبوبًا- أو من حيث الانزلاق في موجة الليبرالية الأخلاقية أو التسيب والانحلال في العلاقة بين الرجال والنساء التي تستفز شعورنا ونعمل كل ما نستطيع لوقاية أبنائنا وبناتنا من عدواها؛ لأنها في نظرنا تهدد القيم الأسرية والقواعد الأساسية في العلاقة المتوازنة المنضبطة بين المرأة والرجل في شريعتنا وخلقنا-؛ ولذلك فإننا نتمنى أن تكون لنا مدارس إسلامية لا تعود بناتنا وشبابنا على الاختلاط أو الرقص أو شرب الخمر أو العري وما إلى ذلك من أسباب الانحلال، وكنا نعتبر أن عدم وجود هذا النوع من المدارس لحد الآن سببه تقصيرنا وعجزنا، ومنذ مدة طويلة ونحن نسعى لكي ننشئ هذا النوع من المدارس لحد الآن سببه تقصيرنا وعجزنا ومنذ مدة طويلة ونحن نسعى لكي ننشئ هذا النوع من المدارس وقد أحسنت المملكة العربية السعودية صنعًا إذ بادرت بإنشاء أكاديمية الملك فهد في لندن لاستقبال عدد كبير من أبناء العرب المقيمين هنا.. ولكنها بلا شك لا تتسع للجميع وخاصة أبناء المسلمين غير العرب وما أكثرهم في لندن وفي بريطانيا.

محاولة إنشاء مدرسة إسلامية: وقد تحقق لنا أخيرًا إنشاء مدرسة إنجليزية إسلامية خاصة أنشأها إنجليزي مسلم هو: المستر يوسف إسلام، وتعاون معه أعداد كبيرة من المسلمين حتى اتسعت المدرسة ونمت وأصبحت الجالية المسلمة تعتز بها وتفخر بوجودها وترعاها وتعتبرها رمزًا لقدرتها على التعاون والتضامن والبناء، وكنا نتوقع أن تنظر لها الحكومة البريطانية على أنها مؤسسة ثقافية تربوية ناهضة تفخر بريطانيا كلها بوجودها وخصوصًا أن الذي أسسها ليس من المسلمين المهاجرين المتجنسين أو الملونين سواء كانوا من الآسيويين أو الأفارقة الذين ما زالت بعض الأوساط هنا تنظر إليهم نظرة عنصرية وتعاملهم باستعلاء عرقي لا مبرر له.

وقد سعى مؤسس المدرسة في عزم وتصميم ومثابرة جديرة بالخلق الإنجليزي العريق- وقدم طلبه إلى الجهات الرسمية لتحظى مدرسته الإسلامية بما تحظى به المدارس الخاصة الدينية المسيحية واليهودية من دعم وتشجيع.. وطالت الإجراءات وطال الانتظار وكنا دائمًا نعتبر ذلك دليلًا على بطء الروتين وفساد بعض الإدارات المحلية- لكننا فوجئنا أخيرًا بتصريح من مسؤول حكومي رسمي يعلن رفض الحكومة لما يوجبه القانون البريطاني من دعم لهذه المدرسة أسوة بغيرها من المدارس الخاصة ذات الطابع الديني المسيحية والإسرائيلية- زاعمًا أن المسلمين يستطيعون إرسال أطفالهم للمدارس الحكومية متجاهلًا دعم المدارس الخاصة الدينية؛ وذلك ليس تبرعًا من الحكومة، بل إنه لمصلحتها المالية؛ لأن تلك المدارس توفر على الحكومة ذاتها ما تنفقه على الأطفال في مدارسها، فكل طفل في مدارس الدولة يكلفها سنويًا مبلغًا لا يستهان به وهؤلاء المسلمون الذين يدعوهم المتحدث الرسمي لإرسال أولادهم إلى المدارس الحكومية يعلم قبل غيره أن ذلك سيترتب عليه التزام الحكومة بدفع مبالغ مالية باهظة سنويًا تنفقها على كل طفل منهم يدخل مدارس الحكومة- في حين أنها إذا أعطت إعانة مالية محدودة للمدارس الإسلامية فإن هذه الإعانة ستوفر لها المبالغ الكبيرة التي كانت ستتكلفها لتعليمهم في مدارسها التي يدعو المتحدث الرسمي لإرسال أولادنا لها رغم أنها تضيق بمن فيها- ونجد صعوبات عديدة كلما طلبنا إلحاق أطفالنا بها، وأهمها النظرة العنصرية المتعالية التي نواجهها من كثيرين من المسؤولين في تلك المدارس، ثم إن الحكومة البريطانية تعلم أنها ستكون خاسرة ماليًا لو استمعنا لنصيحته وأدخلنا جميع أولادنا بها، ويمكنك أن تسأل.. لماذا قررت جهة رسمية بريطانية أن تتخذ هذا الموقف المعادي لمدرسة إسلامية تؤدي خدمة توفر على بريطانيا آلاف الجنيهات سنويًا.

إن الرد هو أن جهات حكومية معينة في بريطانيا ذاتها تريد أن تعلن للناس أنها لا تعتبر الدين الإسلامي ديانة جديرة بأن تكون لها الاحترام والتقدير الذي تمنحه بريطانيا للمسيحية أو اليهودية..

إنني لا أعرف من الذي اتخذ هذا القرار الخاطئ، وكل ما تعرفه أن من صرح به وأعلنه يمثل جهة رسمية حكومية، وهذه هي خطورة الأمر- يا سيدي-؛ لأن هذا القرار في نظري إهانة للمجتمع البريطاني والدولة البريطانية، بل والحضارة والمدنية التي تعتز بها جميع الشعوب- بل إن فيه سخرية بالقانون الذي يفخر البريطانيون بالالتزام به والخضوع له. إن من أعلن هذا القرار قدم له مبررًا خاطئًا وزائفًا وساذجًا؛ لأنه يسخر من عقول من يسمعونه- إذ يقول إن هناك مدارس حكومية عديدة تغني عن تلك المدرسة الإسلامية ويستطيع المسلمون أن يرسلوا أولادهم إليها، كأن المسلمين لم يسمعوا عن تلك المدارس ولا يعرفون طريقها وينتظرون من صاحب هذا التصريح أن يدلهم عليها أو أن يفرض عليهم الوقوف ببابها أيامًا متوالية ليحظوا من المسؤولين فيها بشرف إلحاق أولادهم بها، ومع ذلك لا يحظون بهذا الشرف دائمًا بحجة عدم وجود أماكن خالية.

إن المسلمين قد فهموا من هذا التعليل الزائف أنه يريد أن يستر عورة تشينه وتشين الجهة التي اتخذت هذا القرار الذي يظهرها بمظهر رجعي لا يلتزم بأصول المجتمع البريطاني الراقي الذي نعرفه- إنه يريد أن يخفي ما فهمه الناس من أن الجهة التي اتخذت هذا القرار قصدت أن تعلن أن الإسلام ليس ديانة تتمتع في نظر الحكومة البريطانية بالحرية التي تتمتع بها الديانة المسيحية والإسرائيلية التي تعترف بها بريطانيا وتشجع مدارسها وتقدم لها الدعم الذي يقره القانون- إن هذا القرار لا يدين الإسلام ولا المسلمين، وإنما يدين الذي قصد بهذا القرار استفزاز المسلمين وإشعارهم أن بريطانيا العظمى اختارت أن تسير في طريق معاد لدينهم وحضارتهم وثقافتهم..

إن حضارة الإسلام وثقافته لا تحتاج لاعتراف من أصدر هذا القرار وإن المسلمين لا يشكون لحظة واحدة في أن المجتمع البريطاني يعرف ذلك بدليل هذه الأعداد من الإنجليز الذين يقبلون على اعتناق الدين الإسلامي ومنهم: «يوسف إسلام»، صاحب هذه المدرسة، وإذا كان من أصدر هذا القرار أراد أن يعلن استنكاره لاعتناق يوسف إسلام لدين الإسلام واعتزازه بعقيدة التوحيد وثقافة الإسلام؛ فإنه يكون قد تخلى عن المستوى الحضاري الذي عهدناه في جميع المجتمعات المتمدينة ومن بينها المجتمع الإنجليزي ذاته.. إننا نترك لهذا المجتمع أن يصحح مثل هذا القرار الشاذ الذي لا نريد أن نصفه بأكثر من ذلك.. رغم أنه يستحق أن تكون له أوصاف لا تشرف الشيطان الذي أعلنه ثم عاد مستدركًا يقول: إنه ليس شيطانًا بل شيطانة عجوز شمطاء اسمها الإمبراطورية البريطانية، التي دفنت منذ مدة طويلة في أرشيف وزارة المستعمرات.. لكنها ما زالت تسمم جو السياسة بروائح الحقد ضد الإسلام والعداء لأمته وعالمه؛ لأنها كانت فيما مضى تعتبره أكثر عقبة في سبيل سيطرتها على العالم..

وأنت ترى هذا الحقد وتشم رائحته في كثير من المواقف الرسمية للحكومة البريطانية ذاتها، ويكفي ما تفعله بعض الجهات الحكومية من التباهي بأكاذيب سلمان رشدي وافتراءاته، وأنها تسخر جميع إداراتها وأجهزة مخابراتها لإعطائه أهمية لا يستحقها بحجة حمايته، بل إنها تدور به في أركان العالم لتعرض على الناس أكاذيبه دون حياء ولا خجل..

 

الرابط المختصر :