; د. مانع الجهني والعمل الطلابي الإسلامي | مجلة المجتمع

العنوان د. مانع الجهني والعمل الطلابي الإسلامي

الكاتب مصطفى الطحان

تاريخ النشر السبت 14-سبتمبر-2002

مشاهدات 49

نشر في العدد 1518

نشر في الصفحة 37

السبت 14-سبتمبر-2002

فجع العالم الإسلامي بوفاة الأخ الدكتور مانع بن حماد الجهني، الأمين العام للندوة العالمية للشباب الإسلامي وعضو مجلس الشورى السعودي.

ولقد خسر العمل الطلابي في جميع ساحاته الممتدة في أنحاء العالم بوفاته.. أخًا كريمًا... وداعية مرموقًا.. وإنسانًا تحسس كل مشكلات العمل الشبابي والطلابي وساهم بجهده في دفع هذا العمل إلى الأمام.. كان يتحرك بهدوء وتواضع فلا تكاد تشعر به إلا من خلال منجزاته الكبيرة التي تقف أمامها متسائلًا: هل يستطيع رجل واحد أن ينجز كل هذا؟

ولا بد في هذه المناسبة من التعريف بالحركة الطلابية والشبابية منذ بداية عملها..

لقد عاشت الأمة المسلمة فترة حالكة من تاريخها بلغت ذروتها في حرب عام ١٩٦٧م، التي انتهت إلى الفاجعة التي لم تخرج الأمة منها حتى اليوم.

في هذا الفترة الحالكة سادت القيم الإقليمية والأفكار الاشتراكية والمواقف الحزبية والثورية على حساب قيم الأمة الأصيلة وتراثها الخالد.. غاب المصلحون في السجون وتناثرت قوى الأمة بين سجين أو طريد.

وفي هذه الأثناء، أنشئ الاتحاد الإسلامي العالمي للمنظمات الطلابية، بعد أربع سنوات من الجهد الدؤوب، قامت به ثلة من كرام الشخصيات المؤمنة العاملة طافت الأقطار الإسلامية، وجمعت القوى الطلابية في اتحاد طلابي عالمي أعلن عن تأسيسه في مدينة أخن بألمانيا الغربية في ١٧ حزيران «يونيو» ١٩٦٩م، كان الأعضاء ثمانية اتحادات طلابية من إندونيسيا وباكستان ونيجيريا وأوروبا وأمريكا والمغرب والسودان... وبدأت العجلة تدور.

وفي ٢٠ ديسمبر ۱۹۷۲م، كانت الأمور أكثر وضوحًا... فقد بدأت المملكة العربية السعودية بقيادة الملك الصالح فيصل بن عبد العزيز - رحمه الله- بالدعوة إلى التضامن الإسلامي... ومن هذا المنطلق وإحساسًا بأهمية الشباب والطلاب كانت الدعوة للمؤتمر الشبابي الأول في الرياض بإشراف وزارة المعارف.

وكنت في هذه الفترة في الأمانة العامة للاتحاد الإسلامي العالمي للمنظمات الطلابية، ولقد قمنا بدور رئيس في الإعداد لقيام الندوة، وكان ينظر باستمرار إلى هاتين المؤسستين باعتبارهما التوأم.. المسؤولين عن العمل الطلابي والشبابي في العالم.

ولقد راعت اللوائح هذا الأمر فأصبح الأمين العام للاتحاد العالمي عضوًا في الأمانة العامة للندوة.. كان عدد أعضاء الاتحاد ثمانية كما ذكرنا.. واليوم وصل عدد الأعضاء إلى ثمانين.. وكانت الندوة فكرة وجهدًا متواضعًا واليوم أصبحت صرحًا عظيمًا.. وشجرة وارفة يستظل بظلها كل عملا طلابي وشبابي في العالم.

ولا بد لي من الاعتراف.. أن الأخ الدكتور مانع الجهني من أبرز القيادات في الندوة.. فلم يكن مجرد أمين عام بل كان قائدًا فذًا ومفكرًا واعيًا وعالمًا وداعية.. ولقد تحدث عنه زميله الدكتور عبد القادر طاش فأحسن الحديث.. ولا يعرف الفضل إلا ذوو الفضل.. قال الأخ عبد القادر: «نعم.. لقد مات الرجل السهل الممتنع».

عادت بي الذكريات إلى أكثر من ربع قرن، وبالتحديد إلى أواخر عام ١٩٧٦ حيث كنا مجموعة من المعيدين الذين ابتعثتهم جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية لتحضير الماجستير والدكتوراه في الولايات المتحدة الأمريكية.

وهناك وفي أحد المخيمات الشبابية التي عقدت في ولاية أوهايو تعرفت على مانع الجهني لأول مرة، كان رجلًا مكتمل الشباب يفيض نشاطًا وحيوية، وبدأنا العمل معًا فقد انتخب هو أول أمين عام لرابطة الشباب المسلم العربي وانتخبت أنا مسؤولًا ثقافيًا.

كان مقره الدائم لأكثر من اثني عشر عامًا في مدينة بولمنجتن بولاية إنديانا كان خلال هذه الفترة ملء السمع والبصر رئيسًا للمركز الإسلامي وإمامًا للمسلمين وخطيبًا وداعية ومعلمًا، إضافة إلى نشاطه الطلابي في الرابطة ورحلاته الدعوية في أنحاء أمريكا.

كان بحق «عمدة» بلومنجتن الذي يقصده الجميع وأتذكر جيدًا ذلك اليوم الحزين الذي ودع فيه أهل بلومنجتن «عمدتهم» في أواخر عام ۱۹۸۲م بعد أن نال الدكتوراه.

عاد هو إلى المملكة قبل عودتي بعام واحد ولحقته في أواخر عام ۱۹۸۳، والتقينا مرة أخرى عندما انضم للعمل متطوعًا في الندوة العالمية للشباب الإسلامي بالرياض، وعملنا معًا في عدة لجان بالندوة.

وقد جمعت شخصية مانع الجهني بين ثلاث سمات:

السمة الأولى: في مجال الفكر كان صاحب مدرسة متميزة عنوانها الوسطية، لقد حارب نزعات الغلو والتطرف دون هوادة، كان دائم التحذير من وقوع الشباب في براثن تلك النزعات، وكتبه ومحاضراته ودراساته كلها شاهدة على ذلك.

وقد أكسبته هذه النزعة الوسطية محبة الجميع إذ يعد بحق من أولئك الذين انعقد عليهم الإجماع وحظوا بالقبول على المستويين الرسمي والشعبي على حد سواء، وكان مقبولًا أيضًا من مختلف التيارات الإسلامية من تقليدية وحديثة، وبذلك كان جسرًا رابطًا بين هؤلاء وأولئك.

السمة الثانية: تركيزه -في المجال التربوي- على الشباب، فمنذ أن بدأ نشاطه الإسلامي في الولايات المتحدة كان قريبًا من الشباب وارتبط اسمه دائمًا بالشباب، فهو من مؤسسي رابطة الشباب المسلم العربي، وقد خدم الشباب في أنحاء العالم من خلال عمله لأكثر من عشرين عامًا في الندوة العالمية للشباب الإسلامي التي حولها برؤيته الثاقبة وعمله الدؤوب من جمعية صغيرة إلى منظمة عالمية تزيد ميزانيتها على ۱۰۰ مليون ريال وتسمع عن نشاطاتها في كل مكان تذهب إليه على وجه البسيطة.

أما السمة الثالثة: فهي جهاده - في المجال الدعوي- لتوضيح صورة الإسلامي الناصعة وإبراز محاسنه الكثيرة لغير المسلمين، فمنذ وطئت قدمه أرض أمريكا وهو يحمل هم الدعوة إلى الدين الحق، لم يشغله نشاطه بين إخوانه عن الاهتمام بأولئك الذين لم تصلهم دعوة الحق، وهذا مما لا يجتمع إلا للقليل النادر من الرجال.

ومرة أخرى لم تشغله مسؤولياته الجسام في الندوة العالمية عن عشقه الدائم لدعوة غير المسلمين، فقد كان يمارس هذا العشق أينما ذهب ويكتب ويحاضر ويؤلف في هذا الميدان، وكان يرأس منظمتين عالميتين تهتمان بدعوة غير المسلمين هما: المجلس العالمي للتعريف بالإسلام بالمملكة المتحدة، ومعهد التربية والتعليم لدعوة غير المسلمين في شيكاغو نعم إنه الرجل السهل الممتنع إلى هنا انتهى كلام د. عبد القادر طاش.

ولا أستطيع أن أزيد على ما ذكره زميل الفقيد إلا بكلمات قليلة وهي:

  • لقد مضى فقيدنا إلى ربه بعد أن أدى دورًا مميزًا في خدمة دعوته.. فهل نمضي نحن وإخواننا في أنحاء العالم - والكثيرون من غرس يده- على درب الدعوة.. نكمل المسيرة التي قضى الفقيد حياته في خدمتها؟

  • وأريد أن أبشر الأمة المسلمة.. وهي في هذه الظروف الصعبة التي تعيشها.. أن غراس الاتحاد الإسلامي العالمي للمنظمات الطلابية.. والندوة العالمية للشباب الإسلامي.. قد استطالت ونمت تشعبت وتؤتي أكلها في كل أنحاء العالم.

تغمد الله الفقيد بواسع رحمته وأسكنه فسيح جناته، ولا نقول إلا ما يرضي الرب «إنا لله وإنا إليه راجعون».

الرابط المختصر :