; د. مصطفى محمود علم وعالم فقدناه | مجلة المجتمع

العنوان د. مصطفى محمود علم وعالم فقدناه

الكاتب د. عصام العريان

تاريخ النشر السبت 14-نوفمبر-2009

مشاهدات 69

نشر في العدد 1877

نشر في الصفحة 38

السبت 14-نوفمبر-2009

عاش د. مصطفى محمود قرابة ٨٨ عامًا ملء السمع والبصر منذ أكثر من ستين عامًا مع الكتاب والمفكرين والفنانين والصحفيين والإعلام، الذي كان أحد أبرز رموزه وقت أن كان يثير كل فترة ضجة بمقال أو بكتاب أو ببرنامج أو بحوار. وعندما حضرت مع فضيلة المرشد العام الأستاذ محمد مهدي عاكف جنازته في المسجد الذي أسسه وجعله صرحا إسلاميا وسط مدينة الجيزة، كان معظم هؤلاء غائبين كما غابت الحكومة ورجالها ورموزها وحضر البسطاء والفقراء والدعاة والعاملون بمشروعاته الخيرية لوداعه الوداع الأخير فكان هذا خير وداع لرجل نذر نفسه لهؤلاء البسطاء يثبت الإيمان في قلوبهم، ويدلهم على آيات الله في الكون عبر برنامجه التلفزيوني «العلم والإيمان، ثم لم يتركهم فريسة للغلاء ولا للمرض فأسس جمعية مسجد محمود بتبرعات الخيرين من القطريين والخليجيين ليقدم لهم نموذجا عمليا في دعم الفقراء وأبناء الطبقة المتوسطة في علاج أنفسهم وأسرهم عندما تركتهم الحكومات المتوالية فريسة للمرض وللمستشفيات الاستثمارية.

لم يكتف بذلك، بل أصبح المسجد موئلا لعدد من الدعاة الذين أثروا عقول الرواد بخطب الجمعة والدروس الإسلامية.

وأكثر من ذلك.. ركب فوق سطح المسجد مرصدا بسيطا فلكيا تليسكوبا بديعا للنظر في آفاق الكون الرحيب ليعمق الإيمان في قلوب الشباب.

ولم يتوقف عقل الراحل الكريم عن الابتكار والتجديد في وسائل الدعوة والعمل للإسلام، وعندما كان المراسلون الأجانب يسألونني عن مشاريع الإخوان الخيرية، كنت أدفعهم دفعا لزيارة ذلك الصرح معلنا لهم أن الإخوان ليسوا وحدهم في ساحة العمل الخيري، ويكفيهم أنهم غرسوا الفكرة في المجتمع، ونافسوا فيها الإرساليات التبشيرية القديمة، ثم انتشرت المشروعات الخيرية على يد الجميع معتبرا أن النموذج الذي تقدمه جمعية ، مسجد محمود» يرعاه د. مصطفى يرحمه الله وغفر له من أنجح النماذج في هذا الصدد.

عرفنا كشباب د. مصطفى محمود من كتاباته وكتبه، من مقالاته القديمة في صباح الخير، رغم ما كانت تحمل من أفكار صادمة ثم احتفينا جدا بكتابه الرائع رحلتي من الشك إلى الإيمان، الذي حاكي فيه أبا حامد الغزالي في كتابه المنقذ من الضلال.. والتزم بعدها جانب الإيمان بعد الفلسفة الوجودية وبدأ يطرح أطروحات إسلامية صادمة رد عليها مفكرون بارزون أمثال: د. بنت الشاطئ عائشة عبد الرحمن، والأستاذ عبد المتعال الجبري، والقرضاوي وغيرهم، لكن ذلك لم يخرجه من الدائرة الفكرية الإسلامية التي ظل ثابتا عليها إلى نهاية عمره.

أصبحت مقالات الأهرام المصطفى محمود خاصة في المجال السياسي كاشفة لجبروت السياسة العالمية التي تقودها أمريكا ضد العالم الإسلامى ورعايتها للمشروع الصهيوني ويكفي وصفه لها بأنها عاد الآخرة»، وأن الله سيهلكها كما أهلك عادا الأولى.

عرفت بعد ذلك د. مصطفى محمود شخصيا عندما ذهبت إليه مع أخي الحبيب أ. د. عصام حشيش أستاذ الهندسة - فك الله أسره وفرج كربه - لاستطلاع رأيه حول إقامة شعائر صلاة العيد في الميدان الفسيح حول المسجد بعد أن منعتنا السلطات من إقامتها في ميدان عابدين، وفرضت علينا مسجد السيدة زينب الذي لم يتسع للمصلين وضاق الميدان بالآلاف الوافدين من كل فج عميق، وكانت أول مرة فيما أتذكر ألتقي به، وكأننا يعرف بعضنا بعضا من زمن طويل، فكانت موافقته الفورية دون تردد ومساعدته لنا بكل الطرق وتيسير انتقال الصلاة إلى خارج المسجد، وكان إمامنا شيخنا الراحل الإمام محمد الغزالي يرحمه الله، وظلت علاقتنا قوية في زيارات متباعدة رغم سيطرة الحكومة بعد ذلك على ترتيبات الصلاة التي يكفينا فيها انتشار الفكرة والتزام السنة ورجاء الثواب من الله تعالى.

ظللت أتردد عليه كل فترة حتى أثقله المرض، ولم يعد قادرا على التعرف على أحد وكان زاهدا صابرا متواضعا في صومعته يعيش في حالة تصوف رائعة.

رحم الله الفقيد وغفر له وتقبل منه وجزاه عن المسلمين خيرا وعن الفقراء أجزل الثواب.


الرابط المختصر :