العنوان ذكريات عشتها ولم أكتبها من قبل (۱۳).. عم «عبده».. والبرقوق
الكاتب الأستاذ الدكتور جابر قميحة
تاريخ النشر السبت 23-يونيو-2012
مشاهدات 64
نشر في العدد 2008
نشر في الصفحة 48
السبت 23-يونيو-2012
كان لا يخلو بيت في المنزلة من البط بأنواعه الثلاثة المرجان وهو أضخمها و البلدي، وهو أخفها و المشرك، وهو متوسط الحجم
يقولون إن الإنسان مجموعة من الذكريات والمواقف، والعاقل هو الذي يسجلها إحياء لذاته، وحرصاً على انتفاع الآخرين، والذكرى أو الموقف يبقى له مكانه في التاريخ صفر أو كبر، المهم أنه يشغل حيزا من الزمن. وفي هذه الحلقات التي انشرها تباعاً، يهمني أن أنبه القارئ أن كثيراً منها قد مضى على وقائعها سبعون عاماً، وربما أكثر من ذلك... وأحمد الله تعالى إذ أسوقها بمصداقية وعفوية دون تزويق، أو إسراف.
منذ نحو سبعين عاماً كنت استيقظ على صوته في الصباح الباكرة وهو ينادي: «سمك البط يا ولاد.. سمك البط يا ست إنتي وهي».. و ولاد. هذا يقصد بها عم« عبده» السيدات والبنات وعم «عبده»، هذا رجل متلاحق النداء يحمل« مقطفاً كبيراً»، معلوماً بالسمك الصغير إنه يحضر كل يوم في الصباح الباكر من المطرية إلى المنزل وهو يحمل مقطفه هذا عن طريق الديزل... والديزل قطار كان يربط بين المطرية أول الخط وينتهي إلى المنصورة. وهو يعني بالمفهوم القديم قطاراً بطيئاً يقف في كل محطة قرابة عشر دقائق وبعضهم يسميه «القشاش»
ويبدأ عم «عبده» بعرض بضاعته في حارتنا.. «حارة قميحة» ويطلقون عليها غالباً «حارة القمايحة» لأن هذه الحارة الطويلة يسكنها آل قميحة أبي وأسرتنا وأعمامي وبعض أصهارنا. وارى كل ربة بيت قد خرجت له بإناء لتشتري من عم عبده، سمك البط، إذ لا يخلو بيت من البط بأنواعه الثلاثة المرجان «السوداني» وهو أضخمها، و البلدي، وهو أخفها، والمشرك وهو وسط في الحجم وينتج من ذكر بلدي، وأنتئ مرجان، وتأخذ ربات البيوت هذه الأسماك الصغيرة أبعدوا للبط بأنواعه الثلاثة الوجبة الرئيسة من طبخة مكونة من هذا السمك و الدشيش «كسر الأرز» والرجيع «وهو قشر الأرز المطحون»، وأي بيت يخلو من البط يقال عنه على سبيل الاستهزاء ما بينه فاضي «أي ليس فيه خير«
وذات يوم – وأنا أنظر للمساومة بين ربات البيوت وعم عبده – رأيته لا يعطي النساء الكم الذي تعوَّدن عليه، بل نقص منه. فلما ثارت النسوة في وجهه زجرهن بقوله: "أعمل إيه؟ الدنيا كلها غلاء دلوقتي، متبضم شوفوا البرجوج (البرقوق) بكام!". فضحكت النسوة ضحكة ساخرة، وقالت إحداهن له: "هو إنت بتأكل برجوج يا عم عبده؟" فصاح غاضباً: "ليه هو أنا مش بني آدم؟!"
سمعت هذا الحوار وأنا سعيد إذ أسمع هذه الكلمات مشفقاً على الطرفين: عم «عبده» وستات «القمايحة»
اللقاء الأخير
وفي اليوم التالي لم يحضر عم «عبده» ومر قرابة أسبوع واضطرت الستات إلى شراء هذا السمك الصغير من سوق المنزلة بسعر أغلى وهن يتحسون على عم «عبده»، وأيامه واعتقدنا أنه غضب منهن وقاطع الحارة بعد اللقاء الأخير.
وبعد أسبوع فوجئت ستات الحارة بشاب يحمل المقطف نفسه وينادي في الصبحة الباكرة« سمك البط يا ولاد.. سمك البط يا ست إنتي وهي» ..... فخرجن إليه واشترين منه ما تعودن على شرائه من عم «عبده» ثم سألته إحداهن:« أمال عم «عبده» فين»؟ فدمعت عينا هذا الشاب وقال: «الله يرحمه... الديزل داسه .. وأنا ابنه».
فلم تبق سيدة في الشارع إلا والدموع تغرق عينيها، وهنا قلت بصوت حزين «الله يرحمك يا عم« عبده».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل