; ذكرى استشهاد إمام الجيل حسن البنَّا | مجلة المجتمع

العنوان ذكرى استشهاد إمام الجيل حسن البنَّا

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 23-فبراير-2013

مشاهدات 58

نشر في العدد 2041

نشر في الصفحة 41

السبت 23-فبراير-2013

أردت في حديثي عن الإمام البنا أن أعتمد فقط على شهادتين اثنتين؛ شهادة رئيس وزراء مصر المحترم، وعلى عميد مستشرقين قليل المثال، لعدم الحاجة في نظري إلى المزيد. يقول محمد محمود باشا رئيس وزراء مصر آنذاك: والله لولا العرف والتقاليد لعين هذا الرجل وزيراً للخارجية، وأنا مؤمن أنه سيجعل لمصر في ظرف أشهر مكانة مرموقة بدول العالم.

و «ربير جاكسون » الذي يقول: لقد كانت شخصية حسن البنا جديدة على الناس.. عجب لها من رآها واتصل بها.. كان فيه من الساسة دهاؤهم، ومن القادة قوتهم، ومن العلماء حججهم، ومن الصوفية إيمانهم، ومن الرياضيين حماسهم، ومن الفلاسفة مقاييسهم، ومن الخطباء لباقتهم، ومن الكتَّاب رصانتهم.

ورأيت أن أقابل الرجل الذي يتبعه نصف مليون شخص، وكتبت في «النيويورك كرونيكل » بالنص: زرت هذا الأسبوع رجلاً قد يصبح من أبرز الرجال في التاريخ المعاصر، وقد يختفي اسمه إذا كانت الحوادث أكبر منه ذلك هو الشيخ حسن البنا زعيم الإخوان.

هذا ما كتبته منذ خمس سنوات، وقد صدقتني الأحداث فيما ذهبت إليه، فقد ذهب الرجل مبكراً.. وكان أمل الشرق في صراعه مع المستعمر، وأنا أفهم أنه يطمح إلى مصلح يضم صفوفه ويرد له كيانه، غير أنه في اليوم الذي بات فيه مثل هذا الأمل قاب قوسين أو أدنى، انتهت حياة الرجل على وضع غير مألوف.. وبطريقة شاذة.

هكذا الشرق لا يستطيع أن يحتفظ طويلاً بالكنز الذي يقع في يده، لقد لفت هذا الرجل نظري بصورته الفذة عندما كنت أزور القاهرة بعد أن التقيت بطائفة من الزعماء المصريين ورؤساء الأحزاب، خلاب المظهر، دقيق العبارة، بالرغم من أنه لا يعرف لغة أجنبية، إلخ.

وبعد، هل ترى معي أن رجلاً بهذه المواصفات له مثال في هذا العصر الذي نعيشه؟ بل هو في الحقيقة الكنز الذي أضاعه المسلمون فقتلوه، ويريدون اليوم قتل دعوته للإنقاذ والإصلاح! فهل يستطيع المفسدون ذلك؟ لا وألف لا، وما هم إلا كقول القائل:

كناطح صخرة يوماً ليوهنها

فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل

قدرات خاصة وعقلية متفردة، حيث كان حسن البنَّا ذا قدرة عظيمة على العمل، فلم يَكُن ينام أكثر من خمس ساعات في اليوم، وكان واسع الاطلاع بصورة نادرة، فقد كان يحفظ العديد  من دواوين الشعراء وعلى رأسها «ديوان المتنبي » عن ظهر قلب، بالإضافة إلى القرآن الكريم، ومحفوظاته من الأحاديث النبوية.

وكان من أبرع الكُتَّاب، ومن أكثرهم قدرة على تصوير ما بنفسه، ومن أشدهم تأثيراً في النفوس بالألفاظ الكريمة والمعاني المركَّزة، وبلغ من قوة حافظته أنه كان يعرف عدداً كبيراً من الناس، ويعرف عنهم كل ما يحيط بهم معرفة تامة، ويعرف مدن القطر وقراه، وكل بلد فيه، ونظم أهلها، وعاداتهم وتقاليدهم، وكل ما يتعلق بكيانهم الروحي والاجتماعي والعقلي.

كان من نتيجة دروسه وخطبه أن حضر إليه ستة نفر ممن تأثروا به وبدعوته من أهالي الإسماعيلية في ذي القعدة 1347 ه/ أبريل  1928 م، فحدَّثوه في شأن الطريق العملي الذي يجب أن يسلكوه لنصرة الإسلام والعمل لخدمة المسلمين، وعرضوا عليه ما يملكون من مال بسيط، وأقسموا له على الطاعة والولاء، وبعد مشاورة استقروا على تسمية أنفسهم «الإخوان المسلمون .»

وبدأ الهجوم الظالم على الفكرة الوطنية الإسلامية، حيث أعلن «النقراشي » رئيس وزراء مصر آنذاك في مساء الأربعاء 8/ 12 / 1948 م قراره بحل جماعة الإخوان المسلمين، ومصادرة أموالها واعتقال معظم أعضائها.. وفي اليوم التالي بدأت حملة الاعتقالات والمصادرات، ولما همّ الأستاذ حسن البنا أن يركب سيارة وُضع فيها بعض المعتقلين اعترضه رجال الشرطة قائلين: لدينا أمر بعدم القبض على الشيخ البنا، ولكن البنا أصرّ على الركوب في سيارة المعتقلين، فعادت السلطات وأطلقت سراحه، فصرح عندئذ بقوله: أنتم تقتلونني بعدم القبض عليَّ، وقال أمام مجلس الدولة: إن قرار حلّ الإخوان صدر عن اجتماع عُقد في ثكنات الاستعمار، وأخذ يتردد على «جمعيّة الشبان المسلمين»، وحدَّثهم مرة قائلاً لهم: لقد جاءني سيدنا عمر في الرؤيا يُنبئني بأعلى صوته: «سَتُقْتلُ يا حسن »، ثم قُمتُ وتهجدت إلى الفجر.

ثم صادَرت الحكومةُ سيارة الإمام الخاصّة، واعتقلت سائقه، وسحبت سلاحه المُرخص به، وقبضت على شقيقيه اللذين كانا يرافقانه في تحركاته، وقد كتب إلى المسؤوليم يطلب إعادة سلاحه إليه، ويُطالب بحارس مسلح يدفع هو  راتبه، وإذا لم يستجيبوا فإنه يُحَمّلهم مسؤولية أيّ عدوان عليه. لكن الأمور كانت مرتّبة، فتتابعت الحوادث سريعاً، حيث كان الأميرالاي «محمود عبد المجيد ،» المدير العام للمباحث الجنائية بوزارة الداخلية، يُدبر أمر اغتيال حسن البنا، واستخدم في ذلك عصابة من الأمن المصريّ، «ووضع تحت تصرفهم سيارته الرسمية رقم 9979 وتفصيل ذلك في مفكرة النيابة العمومية المصرية سنة 1952 م.

وفي الساعة الثامنة من مساء السبت 1949/2/12 م، كان الأستاذ البنا يخرج من باب «جمعية الشبان المسلمين » يرافقه رئيس الجمعية لوداعه، ودقّ جرس الهاتف داخل الجمعية، فعاد رئيسها ليجيب الهاتف، فسمع إطلاق الرصاص، فخرج ليرى صديقه الأستاذ البنا وقد أصيب بطلقات تحت إبطه وهو يعدو خلف السيارة التي ركبها القاتل، ويأخذ رقمها.

لم تكن الإصابة خطيرة، بل بقي الإمام البنا بعدها متماسك القوى؛ كامل الوعي، وقد أبلغ كل من شهدوا الحادث رقم السيارة، ثم نقل إلى مستشفى «قصر العيني » فخلع ملابسه بنفسه، وقد شهد بذلك «محمد الليثي » الذي كان في غرفة العمليات حين وصول حسن البنا، كما شهد أن الطبيب أجاب البكباشي «محمد وصفي »، أحد زبانية «فاروق »، حين سأله عن المصاب: إن إصابته ليست خطيرة. فهذا كله يرجح بأن الإمام البنا لم يُقتَل برصاص المغتالين.

لفظ البنا - يرحمه الله تعالى - أنفاسه الأخيرة في الساعة الثانية عشرة والنصف بعد منتصف الليل، أي بعد أربع ساعات ونصف الساعة من بدء محاولة الاغتيال، ولم يعلم والده وأهله بالحادث إلا بعد ساعتين أخريين، وأرادت الحكومة أن تظل الجثة في المستشفى حتى تخرج إلى الدفن مباشرة، ولكن ثورة والد الشهيد جعلتها تتنازل فتسمح بحمل الجثة إلى البيت، مشترطة أن يتم الدفن في الساعة التاسعة صباحاً، وألا يقام عزاء!

واعتقلت السلطة كل رجل حاول الاقتراب من بيت البنا قبل الدفن، فخرجت الجنازة تحملها النساء، إذ لم يكن هناك رجل غير والده الذي رفض أن يحملها، وقال لرجال الجيش والشرطة: أنتم قتلتموه فاحملوا جثته على أعين الناس! ومن الغرائب، والغرائب كثيرة، أن يكون حماة الأمن هم أنفسهم قطَّاع الطرق، وجناة، وقتلة.. وقد فرح أعداء الإسم داخل مصر وخارجها عندما علموا بنبأ قتله. رحم الله الإمام البنا رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده، واغفر لنا وله، اللهم آمين.

الرابط المختصر :