العنوان ذوقيات (٢).. آداب الزيارة
الكاتب أ. د. سمير يونس
تاريخ النشر السبت 01-ديسمبر-2007
مشاهدات 92
نشر في العدد 1779
نشر في الصفحة 58
السبت 01-ديسمبر-2007
(*) أستاذ المناهج وأساليب التربية الإسلامية المساعد
«دخل رجل على مريض يعوده؛ فأطال المكوث، وأكثر من الكلام والثرثرة والصخب؛ ثم هم بالانصراف، فاصطدم رأسه بباب الغرفة التي يرقد فيها المريض ببيته، وكان سقف الغرفة منخفضا على حين كان الزائر طويل القامة، فإذا بالرجل يلتفت إلى المريض ويقول له يا فلان كيف يخرجونك على خشبة الغسل من هذا الباب المنخفض»؟
كثير من الناس لا يدرك أداب الزيارة؛ فالزيارات تتنوع وتتعدد آدابها، وبعض الناس يدرك آداب الزيارة؛ لكنه لا يمارسها، والسبب معروف، وهو أن ثمة فجوة بين الإدراك والممارسة في حياة الناس، وذلك يعكس قصوراً في التربية، فالذوق والأدب والخلق أمور لا تكتسب بمجرد معرفة الفرد لها وإدراكه إياها، وإنما تحتاج إلى ممارسة ومران.
وفي صدارة آداب الزيارة أدب الاستئناس والاستئذان الذي حثنا القرآن الكريم عليه. يقول المولى عز ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدۡخُلُواْ بُيُوتًا غَيۡرَ بُيُوتِكُمۡ حَتَّىٰ تَسۡتَأۡنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَىٰٓ أَهۡلِهَاۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ , فَإِن لَّمۡ تَجِدُواْ فِيهَآ أَحَدٗا فَلَا تَدۡخُلُوهَا حَتَّىٰ يُؤۡذَنَ لَكُمۡۖ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ٱرۡجِعُواْ فَٱرۡجِعُواْۖ هُوَ أَزۡكَىٰ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ عَلِيمٞ﴾(النور:٢٧-٢٨).
ولهذا الأدب موقف مع سيدنا عبد الله ابن عباس رضي الله عنهما؛ إذ مات ونفسه تتوق إلى ممارسة جزء من هذا الأدب فقد كان يتأنس قبل أن يزور أحدا، ويستأذن، ولكنه كان يتمنى أن يطرق باب أحد من أصحابه فيقال: له ارجع، لكنه ما طرق باب أحد إلا وأذن له بالدخول؛ فكان يتمنى العكس، ثم مات ونفسه تتوق إلى ذلك!!
فتأمل - أخي القارئ - انشغال هذا الصحابي ثم قارن بين حاله وأحوالنا نحن، فقد يطرق بابك شخص أو صديق أو صاحب في وقت لا يناسبك، وقد يسبب دخوله بيتك حرجاً شديداً في هذا الوقت، فماذا تتوقع إذا أنت رددته وقلت له :ارجع، وأبديت له عذرك في عدم تمكنك من استقباله الآن؟
وتجد شخصا يزور مريضا في وقت راحته، وربما تكون الزيارة مرهقة له أصلا ويمنعها الطبيب!! وبرغم ذلك يأتي هذا الزائر ويصر على رؤية المريض وزيارته بحجة أنه يحب المريض، وأنه صديقه الحبيب، وأن ظروفه لا تمكنه من زيارة المريض إلا في هذا الوقت، وأنه لا يطيق ولا يتصور أن يأتي إلى المستشفى ولا يرى المريض ولا يحادثه!!
وأعجب من ذلك أن حديث هذا الزائر عند المريض لا يهم المريض ولا بقية الزائرين، ولا يحصد القوم منه إلا الملل والضجر، ولا يصيب المريض منه إلا التعب والنصب، فصاحبنا الزائر يجلس ويتحدث عن نفسه، وعن مشروعاته الحالية والمستقبلية، ولا يرده عن ذلك تململ الناس ولا آهات المريض!!!
يقول الأستاذ عباس السيسي - يرحمه الله - في كتابه القيم «الذوق سلوك الروح». الذين قدر الله عليهم المرض هم الذين يشعرون بدقة الظرف، وشدة الحرج الذي يتعرض له المرضى على أسرة المستشفيات، أحياناً يكون المريض في حالة لا تسمح بدخول الزوار، ولكن الزائر يحرص على أن يرى المريض أو يراه المريض كإثبات حالة! وبعضهم يصر على تقبيله، وآخر يجلس إلى جواره على السرير وينسى الموقف ويهز رجليه ولا يدري كم يؤثر في نفسية المريض ويؤثر على قلة راحته، ويستحيي المريض أن ينبه الزائر إلى ذلك.
وأحيانا يتألم المرضى لثرثرة الزوار وجلجلة أصواتهم؛ مما يسبب ألم المرضى المجاورين، والمريض في العناية المركزة أكثر طلباً للراحة والهدوء الكامل؛ فإن كثرة الزائرين تستهلك من قوة المريض ما يكون سببا في مضاعفة الوقت والعلاج. ويكفي أن تترك بطاقتك أو تقابل أهل المريض للاطمئنان.
وقد يسلك زوار آخرون الاتجاه المعاكس، فبدلا من الإسراف في زيارة المريض وتجاوز الحد، وبدلاً من الاعتدال والتأدب بذوقيات زيارة المريض تجد صنفا أخر من الناس يعزف عن زيارة المريض ويعرض عنها، في حين أن المريض يكون في أشد الحاجة إلى الزيارة، وخاصة من قبل أصحابه وأصدقائه وأحبابه، إنه يتوق إلى رؤية أهل الخير ممن يبشرونه بالشفاء ويدعون ربهم ويتضرعون إليه أن يكرم المريض بالصحة والعافية لكن المريض لا يجد من يزوره، ويشد من أزره، ويعينه على ما هو فيه، ويواسيه في محنته ويؤازره فيما لا يستطيعه ولا يقدر عليه من عون مادي أو معنوي...
لا يستطيع أحد أن يتصور الحالة النفسية للمريض إلا إذا جرب وذاق؛ إنه يشعر بضعفه إلى الله عز وجل وحاجته إليه، ويتطلع إلى من يذكره بفضل الله ورحمته، ويفتح له آفاق الآمال الواسعة، ولعل ذلك من الأسرار والأسباب التي من أجلها حثنا ديننا العظيم على زيارة المرضى والالتزام بآدابها، فعن رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن رب العزة في الحديث القدسي: «عبدي، مرضت فلم تعدني. قال: يارب، كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: إن عبدي فلان قد مرض فلم تعده، ألا إنك لوعدته لوجدت ذلك عندي.. »
وثمة زيارات أخرى - غير زيارة المريض - لها آدابها العامة. فقد يفتقد الزائر الأدب الإسلامي الرفيع عندما يطرق بابك في ساعة متأخرة بالليل دون داع أو مبرر، وذلك سلوك يدل على فساد ذوق الزائر.
وقد تنظف الخادمة أو الزوجة البيت وتنظمه وترتبه، وإذا بزائر يدخل بأهله وأولاده دون أن يخلعوا نعالهم وأحذيتهم، فلا نظافة ولانظام، وهم يدركون - أولا يدركون - أن الأحذية تحتك بالأرض وقد تتلوث بالزيوت والأتربة وربما بنجاسات، ومن ثم يلوثون الأبسطة والمفروشات والأثاثات التي ربما يصلي عليها أهل البيت وقد تتعجب عندما تعلم أن الناس في الغرب من غير المسلمين يتمسكون بعادة خلع الأحذية خارج البيوت، ونحن أولى بذلك منهم يقول الله عز وجل ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلۡمُتَطَهِّرِينَ ﴾(البقرة:٢٢٢) ولا يكتفي الزوار بالتلويث الذي أحدثوه في المفروشات والأثاثات، بل تجد بعد لحظات من حلول الضيوف الكرام عبث أولادهم، فيستحوذون على لعب أطفالك، بل يتعارك بعضهم مع بعض على اللعب التي ليست ملكا لهم، وترتفع الأصوات ويشتد الجري هنا وهناك فيكسرون في المنزل كما يشاؤون، وربما يضربون أولادك ويتصايحون فرحا وسروراً بالنصر الذي أحرزوه وحققوه في عقر دارك على أولادك، كل ذلك في حضرة والديهم اللذين لم يبادر أحدهما بكلمة تأديب أو توجيه أو حتى بنظرة تعبر عن رفض هذا السلوك وهذه الفوضى التي أحدثوها !! بل إن بعض الآباء يفرحون بما أحدثه أولادهم. ويقصون عليك - بزهو وفخر - انتصارات أولادهم في مواقع حربية سابقة على أولاد الجيران أو الأحباب والأقرباء والأصدقاء!!! ألا يعلم هذا الأب وتلك الأم أن البيوت إنما جعلت للهدوء والسكينة؟! ألا يعلم هؤلاء أن للزيارة آدابًا يجب الالتزام بها وتربية أولادنا عليها؟! ألا يعلم هؤلاء أن الزيارة أصلا تهدف إلى تحقيق السعادة وإدخال السرور على قلوب الآخرين؟!!
وقد يستأذنك أحدهم في «الشالية» أو في شقتك التي تصيف فيها وتستجم وتسلمه الشقة نظيفة مرتبة، فيمكث فيها عدة أيام في متعة ورخاء، ويستخدم الهاتف بإسراف ودون حساب، عاملا بالقاعدة أو المثل الشائع «أبو بلاش كتر منه» ما دام هو المستفيد، ثم يقلب القاعدة عندما يكون هو المفيد وهو المضحي... يقضي الضيف أيامًا ممتعة في «الشالية» أو الشقة التي تركتها له نظيفة، ثم يرجع إلى بلده دون أن يعطيك المفتاح، ثم تذهب إلى شقتك مرة أخرى، وما أن تفتح بابها إلا وتقابلك رائحة كريهة تشمئز منها النفس وتنفر، وتتأذى عيناك من النفايات المتراكمة، والأطباق التي بها بقايا طعام متحللة، أو تلك الأطباق المتكسرة، ناهيك عن دورات المياه.. والحديث الشريف في قوله صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار» يبرر لك إحجامك عن تكرار هذه التجربة مع الآخرين، بيد أن الأمر الذي نحذر منه هنا هو أن تعمم هذه القاعدة، فيكون صاحبنا نجح في منع الخير عن أناس وأحباب آخرين يستحقون هذا الخير، وهم جديرون بحسن الاستقبال والضيافة، وأخيراً قد يتجاوز هذا الضيف حدوده فتجده وزوجته وأولاده قد فتحوا خزانتك «دولابك» الخاص، واطلعوا على ملابسك وملابس زوجتك، وفي بعض الأحيان قد يأخذون منها، لا تدري إلا عند رؤيتك لهم بعد ذلك وهم يرتدون ملابسكم!! وربما زارتك أسرة وكان بيتك متواضعًا وإمكاناتك محدودة، فأخذوا يعيرونكم ببساطة مفروشات بيتكم وأثاثه، وربما طلبوا أطعمة وأشياء فوق طاقتك، وذلك كله من السلوكيات التي تفتقد الذوق، بل في بعض الأحيان تجرح الآخرين وتؤلمهم وتسيء إليهم، أعاذنا الله جميعاً من تلك التصرفات والسلوكيات المجردة من الذوق.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل