العنوان أيها الانقلابيون.. يكفي الأمة منكم ما كان.. فاتركوا الأمر لأهله
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 18-أبريل-2000
مشاهدات 64
نشر في العدد 1396
نشر في الصفحة 9
الثلاثاء 18-أبريل-2000
ابتلي عدد من الدول العربية والإسلامية قبل عقود بظاهرة الانقلابات العسكرية، وقفزت إلى كراسي السلطة أنظمة سمت أنفسها بالثورية، وادعت أنها جاءت من أجل إصلاح الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية المتردية، ومواجهة المخططات الاستعمارية والاغتصاب الصهيوني لفلسطين، وتعهدت بإصلاح الأوضاع الداخلية، ومواجهة الأخطار الخارجية وتحرير الأرض المغتصبة.
فماذا كانت النتيجة؟
لقد فشلت هذه الأنظمة فشلًا ذريعًا في كل ما رفعت من شعارات وأورثت الأمة:
- هزائم عسكرية مخزية أمام الصهاينة جلبت العار للأمة وما زالت الأجيال المتعاقبة تدفع ثمنها.
- تبعية مطلقة للخارج على الرغم مما رفع من شعارات الاستقلال.
- غياب سلطة القانون وقيام أنظمة بطش بوليسية يملك الحاكم الثوري المتسلط فيها السلطة المطلقة، دون رقيب أو حسيب، وما تبع ذلك من انحراف في السلطة حيث التشريعات توضع لغرض محدد ويتم التلاعب بالدساتير والقوانين لحساب شخص أو طائفة.
وكان من الطبيعي أن يتبع ذلك فساد مؤسسي تغلغل في كل دوائر الدولة، وتحلل أخلاقي واجتماعي وقيمي نتج عنه انخفاض في المهارات والكفاءات القادرة على إدارة مؤسسات الدولة وانفراط في عقد القيم والمبادئ والأخلاقيات التي تضمن أداء العمل بإخلاص، وسيادة شعور الأنانية، وزيادة الفوارق بين الأقلية التي تملك الثروة باستغلال النفوذ ومسايرة السلطة، والأكثرية المحرومة المهمشة.
وزاد على ذلك كله، أزمات اقتصادية طاحنة جعلت الشعوب تنشغل ليل نهار في البحث عن لقمة العيش دون أن تنال المستوى اللائق لها من الحياة الاجتماعية، وكان ذلك نتيجة طبيعية للنهب المنظم للثروات الذي قام به أولئك الانقلابيون، حيث ذهبت الأموال للبنوك الأجنبية أو لشراء النفوذ والأعوان أو لدعم طائفة معينة أو للدعاية والترويج لتلك الأنظمة، وتضليل الشعوب عن حقيقتها العفنة.
وقد بقيت تلك الأنظمة سنوات طوالًا على تلك الحال المقيتة رافعة شعار الشرعية الثورية مستغنية به عن الشرعية الحقيقية المتمثلة في الرضا الشعبي العام الحر أو البيعة حسب المصطلح الإسلامي، حتى إذا ما أذن عهد الثورات بأن يولي، وكادت شمس تلك الأنظمة أن تغيب فوجئنا باتجاه جديد لدى تلك النظم يسعى لتوريث أبناء المسؤولين السلطة بلا أساس ولا قاعدة سوى الرغبة في الاستئثار بالسلطة وحصرها في أفراد بعينهم.
إن ذلك التوريث مرفوض رفضًا باتًا:
فهو لا يتفق مع دعاوى الديمقراطية التي ترفعها تلك الأنظمة الثورية.
وهو يلغي الإرادة الشعبية بالكامل، ولا يقوم على أساس من الرضا الحر القائم على أسس الشرعية التي هي في مجتمعاتنا ترتبط بشكل أساسي بالعمل على تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، والقبول بحكم الإسلام كمرجعية عليا، تهيمن على المجتمع والدولة، وتدير شؤونهما معًا، وتلك هي الأسس الوحيدة للشرعية المقبولة في بلادنا الإسلامية، إن تلك النظم تسير في حركة عكس حركة التاريخ، وتخرج على كل المعادلات، فهي خارجة على معادلة الإسلام، كما أنها خارجة على معادلة الديمقراطية.
وإننا نتساءل في عجب هل عقمت الشعوب أن تنجب غير أبناء الحكام الثوريين؟ ألا يكفي ما حدث من تخريب وتدمير على أيدي تلك الحكومات الثورية أليس من حق الشعوب أن تتنفس الصعداء وأن تحلم بيوم ينزاح عنها فيه ذلك الكابوس الذي جثم على صدورها ردحًا من الزمان.
إن الشعوب اليوم تتسم بقدر كبير من الوعي وهي لا تقبل أن تسام كالأغنام، كما أنها ترى ما يموج به العالم من تطورات وتأمل أن تنال حريتها واستقلالية قرارها وإن أخشى ما نخشاه أن تقود تلك السياسات إلى أمور أشد خطرًا على البلاد والعباد بسبب تلك التوجهات غير المسؤولة، وبعد أن بلغ الظلم والاستبداد مداه بشهادة الجميع، ولا سيما أن جيل الحكام الجدد من أبناء الثوريين الذي يؤهلونه للسلطة سيكون أكثر إمعانًا في التفريط في الحقوق، بحكم أنه لم يشارك يومًا في حركة التحرير، ولم يرفع يومًا شعار الاستقلال، كما أن فقدانه الصلة بالشعوب سيجعله أكثر استبدادًا وعنفًا من أجل التسلط على الحكم.
ولماذا تختص دولنا العربية والإسلامية بتلك الظاهرة المستهجنة؟ ولماذا يزرعون في الشعوب العربية والإسلامية القابلية للاستبداد والخضوع؟!
إن من حق تلك الشعوب التي أعزها الله بالإسلام أن تعيش تلك العزة بحذافيرها، وأن تمارس حقها الشرعي كاملًا دون نقصان، وخاصة أن التحديات كبيرة، وتحتاج إلى تضافر جهود الجميع.. حكامًا وشعوبًا، وتعاون الجميع وتآزرهم من أجل تحقيق أهداف الأمة ومصالحها.
ونقول لأولئك الانقلابيين المتهافتين على كراسي الحكم لقد قدمتم أسوأ المثل وسطرتم أسود الصفحات في تاريخ الأمة، ويكفي الأمة منكم ما كان، فاتركوا الأمر لأهله ودعوا الشعوب تقرر مصائرها بنفسها... فمتى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟!