العنوان رأي المجتمع: دبلوماسية الفاتيكان.. من الاعتذار الديني إلى الحج السياسي
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 28-مارس-2000
مشاهدات 56
نشر في العدد 1393
نشر في الصفحة 9
الثلاثاء 28-مارس-2000
قبل زيارته للكيان الصهيوني - التي انتهت أول من أمس - أعلن بابا الفاتيكان الاعتذار عن الأخطاء التي ارتكبتها الكنيسة الكاثوليكية أو ما اقترف باسمها في حق الآخرين خلال الألفي عام الماضية، وفي هذا الاعتذار خص اليهود، فقط بالذكر، طالبًا الصفح والغفران، متعهدًا باسم الكنيسة العيش بأخوة صادقة، معبرًا عن الحزن إزاء سلوك أولئك الذين تسببوا خلال مسيرة التاريخ بمعاناة اليهود.
ومع ذلك، وعلى الرغم من أنها ليست المرة الأولى التي تعتذر فيها الكنيسة الكاثوليكية لليهود؛ حيث أصدرت في شأنهم وثيقةً خاصةً بعنوان «نحن نتذكر» في سنة ١٩٩٨م. وأشارت إلى عدم القيام بما يكفي لحمايتهم من الاضطهاد إبان الحرب العالمية الثانية. فقد كانت المفارقة هي أن اليهود وكيانهم الصهيوني كانوا هم الجهة الوحيدة التي عبرت عن عدم رضاها بما أعلنه البابا من اعتذار لا لشيء سوى أنه لم يتطرق إلى موضوع المحرقة النازية، وما دأب اليهود على نسجه من مزاعم حولها بهدف ابتزاز العالم كله للوقوف خلف أطماعهم. وتبرير جرائمهم هم، التي ارتكبوها في فلسطين، ولا يزالون يرتكبون المزيد منها كل يوم.
إن دبلوماسية الاعتذار الديني التي ينتهجها بابا الفاتيكان الحالي تجاه اليهود تثير الاستغراب حقًّا؛ لكونها عملًا غير مسبوق من داخل الكنيسة الكاثوليكية، من حيث إنها تنزع القداسة المزيفة التي أضفتها على نفسها طوال تاريخها، وفي سبيلها استعبدت أتباعها، وتحكمت في رقاب العباد وباعت صكوك الغفران، وعاكست مسيرة التطور الإنساني، وحاربت العلم، وحكمت على العلماء بالموت، وعلى كتبهم بالحرق، وتسببت في مآسي إنسانية تفوق الحصر باسم الدين، والتحدث نيابة عن الرب، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا.
على أن الجدير بالانتباه أن اعتذارات البابا لا تقف عند مغزاها الظاهري المعلن فقط؛ بل إنها عمل سياسي أيضًا يسعى من ورائه إلى إعطاء الكنيسة قوة دافعة، تمكنها من الاستمرار في العيش ضمن متغيرات العصر التي تجاوزتها، وتخلصها من العوائق التي عزلتها في السابق عن الحياة، وتهيئ لها الظروف؛ لكي يرتفع صوتها على مسرح السياسة العالمية.
وقد اختار دهاقنة الفاتيكان فلسطين، وما حولها من البقاع التي كانت مهبط عدد من الرسالات السماوية؛ لتكون بوابتهم نحو هذا الهدف، لما لها من مكانة خاصة في قلب العالم الإسلامي من ناحية، ولما تغلي به من صراع ممتد بين الأمة الإسلامية والصهيونية المغتصبة والاستعمار العالمي من ناحية أخرى.
وفي هذا السياق فإن ما وصفته وسائل الإعلام بأنه حج تاريخي، قام به بابا الفاتيكان للأراضي المقدسة يندرج أساسًا ضمن المنحى السياسي العام للفاتيكان، وتطغى أبعاده الدنيوية - السياسية على طقوسه الدينية، وتصب نتائجه في مصلحة العدو "الإسرائيلي" وكيانه الصهيوني، سواء بالاعتذار، أو بالإقرار باغتصابهم الأرض وتدنيسهم المقدسات وتشريدهم لشعب بأكمله خارج دياره وقتلهم الأطفال والعجائز والشيوخ، وخيانتهم للعهود والمواثيق عبر التاريخ.
إن دبلوماسية الفاتيكان التي يتحرك بها رئيسه اليوم تعي تمامًا منطق عصر العولمة، والكيل بمعايير مزدوجة، وتطبق ذلك في إطار التواطؤ الصليبي الصهيوني المستمر ضد الأمة الإسلامية وشعوبها، وبخاصة في فلسطين، ويوظف بابا الفاتيكان في ذلك صفته المزدوجة الدينية والسياسية، وعندما يتعلق الأمر باليهود والكيان الصهيوني لا يتردد في بذل الاعتذار تلو الاعتذار دينيًّا كان أم سياسيًّا، أما عندما يتعلق الأمر بحقوق الشعب الفلسطيني في العودة وفي تحرير أرضه؛ فإنه يفضل الصمت والابتعاد عن الحديث في السياسة.
وهو ما فعله في زيارته لمدينة القدس المحتلة؛ إذ تحاشى التصريح بقولة حق، أو حتى بما أقرته كافة مواثيق الشرعية الدولية من أن القدس جزء من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام ١٩٦٧م، ولم يدن بكلمة ما يفعله الصهاينة بالمسجد الأقصى من اعتداءات متكررة على بنيانه وعلى رواده من المصلين القائمين الراكعين الساجدين لله الواحد القهار، وكان أولى به أن يشجب تلك الاعتداءات، ولو من باب الإسهام في إشاعة التسامح واحترام العقائد والمقدسات، وزجر المعتدي ليكف عن جرائمه.
ولو أنصف بابا الفاتيكان في اعتذاره لقاله قبل زيارته لمصر – وليس للكيان الصهيوني – ولطلب العفو من أهلها ومن أهل الشرق الإسلامي كله على ما ارتكبته كنيسته في حقهم من مجازر وويلات إبان الحروب الصليبية، ولو أنه أنصف في زيارته الأخيرة لجهر بالمطالبة بكل حقوق الشعب الفلسطيني في العودة إلى وطنه وإقامة دولته على كامل ترابها وإجلاء العصابات الصهيونية عنها، ولو أنصف لطالب برفع المعاناة التي يلقاها خمسة ملايين مواطن فلسطيني مشردين يعيشون في مخيمات تفتقر للحد الأدنى من الظروف المعيشية الإنسانية، بينما يرتع المغتصبون في خيرات بلاده.
ولكن متى جاء الإنصاف من طرف منحاز عقائديًّا وسياسيًّا لليهود والصهيونية الأئمة؟! ومتى طلب العدل من المتواطئ مع الجاني على أمتنا ومقدساتنا وأهلنا؟! وصدق الله إذ يقول: ﴿وَلَنْ تَرْضَىٰ عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ ۗ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ۙ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ (البقرة:١٢٠).
إن الجهاد بكل صوره المشروعة هو سبيلنا الوحيد لرد حقوق أمتنا في كامل فلسطين ولدحر التواطؤ الصليبي الصهيوني، ولإقرار السلام العادل وفق منظور الإسلام، ورفع راية الحق والقضاء على منابع الظلم.