العنوان رأي في التآخي بين الدعاة (أدب الخلاف والأخوة الإيمانية)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 01-سبتمبر-1992
مشاهدات 27
نشر في العدد 1014
نشر في الصفحة 47
الثلاثاء 01-سبتمبر-1992
المقال الثالث: رأي في
التآخي بين الدعاة (أدب الخلاف والأخوة الإيمانية)
أخوة الدعاة: تأسيس رباني
ومحبة في الله
الدعاة شأنهم شأن كل البشر تنشأ بينهم عاطفة أخوية ولكنها بتأليف رباني قال
تعالى: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ۚ لَوْ
أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ
وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (الأنفال: ٦٣).
وذلك التأليف قائم على الطهر والعفاف حين التقرب إلى الله سبحانه وتعالى عن
طريق هذا التآلف المتمثل في الحب في الله، فنرى الداعية يجتهد ما في وسعه
لقضاء حوائج إخوانه من المسلمين، ولا شك أن لأخيه الداعية النصيب الأوفر من هذه
الخدمة بسبب القرب من الهدف والغاية والشركة في المصير، يقول الرسول صلى الله عليه
وسلم: «لأن تمشي في حاجة أخيك خير لك من أن تعتكف في مسجدي هذا شهراً» أو كما قال.
والحب في الله حق واجب على كل مسلم لأخيه المسلم، ولكن هذه المحبة تزداد
بقدر قرب الأخوين المتحابين من الله سبحانه وتعالى، والمقصر في حق الله نصيبه
الإقلال من مقدار المحبة بحسب تقصيره.
والحب في الله دافع إلى جادة الصراط المستقيم، وصيانة لكل مسلم في حياته من
كل هوى، فالقلوب التي التقت على الحب في الله وذاقت حلاوة الإيمان تجني ثمرة ذلك بالنصرة
بينها والنصح لبعضها البعض، يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «رحم الله
امرءاً أهدى إليّ عيوبي». يقول أحد الصالحين: «أخوك من ناصحك لا أخوك من داهنك».
وتشيع في محاضن الدعاة علاقات تحكمها أخلاق فاضلة كالإيثار والسماحة وحسن
الظن وسلامة الصدر وما إلى ذلك، نابعة من قلوب ملؤها الحب والإخاء.
آفة الخلاف وتجاوز حدود
النقد
وليس نفياً لما سبق أن نذكر أن هناك بعض الشوائب التي لا تخلو منها أي علاقة
بشرية فالكمال المطلق لله سبحانه والعصمة للأنبياء، فالشيطان –وهو العدو الذي
حذرنا الله منه– يئس أن يُعبد من دون الله ولكنه دؤوب في وسوسته للتحريش بين
المسلمين وبين دعاتهم خاصة لإسقاطهم في أوحال سوء الظن والحسد والبغضاء، وهي
زفرات وأنفاس شيطانية ينفثها لتعكر الصفو وتخذل الصف.
ومما يؤسف له أن تنطلق أحياناً بعض حمم قاذفة على ألسنة بعض دعاة اليوم في
حق إخوانهم وأقرانهم ممن توجهوا إلى نفس الهدف والغاية مع اختلاف يسير في المنهج
والوسيلة، فترى أحكاماً متجرئة يطلقها البعض منهم في حق دعاة أجلاء أوقفوا
حياتهم في سبيل الله، بل جادوا بأرواحهم رخيصة نصرة للحق وإبطالاً للباطل.
وتبدو الصورة مؤلمة أن تجد تسلط الألسنة الحداد من بعض الدعاة في حق
من أبانوا عن رأيهم في أقوال وأفعال غيرهم من الدعاة ويُجيزوا [يجيزوا] لأنفسهم
–في الوقت ذاته– أن يصدروا أحكاماً بالتهاون في أمر الدين وبالفسق أحياناً، وقد
تصل إلى الحكم بالكفر تجاوزاً، دونما أدنى فقه بأدب الخلاف الذي كان سائداً بين الصحابة
رضوان الله عليهم والسلف الصالح رحمهم الله.
﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ
سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ
آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (الحشر: 10).
خالد ساير العتيبي