العنوان رؤية إسلامية جديدة لواقع الحال في: تركيا.. العائدة إلى الله
الكاتب الأستاذ يوسف العظم
تاريخ النشر الثلاثاء 31-أكتوبر-1978
مشاهدات 52
نشر في العدد 418
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 31-أكتوبر-1978
الحلقة الثالثة
- نجم الدين أربكان وصحبه.. هم رجال الغد في تركيا العائدة إلى الله.. إلى القوة والكرامة.. إلى البناء والعطاء.. إلى الاستقلال والحرية..
- حزب السلامة الوطني.. هو الحركة المنظمة الرائدة التي تسعى لتحرير تركيا من ظلام العلمانية وذل الاستجداء!
- المفتاح.. رمز لحزب السلامة الوطني.. إشارة إلى أن الإسلام وحده سر عزتنا وسبب سعادة الإنسانية وسلامة البشرية..
- دمج قواعد جماعة النور في حزب السلامة الوطني يشكل قوة إسلامية منظمة واعية..
- حزب السلامة الوطني.. نشأته وأهدافه.. رئيسه ورجاله.. شبابه ومنظماته.. وعيه وطموحاته المستقبلية..
- دعوة حزب السلامة لتصنيع تركيا واستقلالها معنويًّا واقتصاديًّا سحبت البساط من تحت أرجل أحزاب اليسار واليمين معًا، وأعلنت عن وجود ثمرات الإسلام الواعي لبذور الإيمان العميق.
قال صاحبي: ما دمت في طريقك إلى إستانبول فإني ناصح لك أن تلقى رجلًا من الطراز الذي تحب.. صفاء في العقيدة ونقاء في النفس وطهر في السريرة مع وعي بما يحيط به في الدنيا وصدق في العبادة.
قلت له: ومن ذاك الذي تثنى عليه هذا الثناء العطر؟
قال: الشيخ محمد زاهد.
قلت: وأين ألقاه؟
قال: في جامع صغير متواضع في حي الفاتح.. واسمه جامع إسكندر باشا. وقدر لي أن ألقى الرجل فألقى شيخًا جليلًا مهيب الطلعة، باسم الثغر مشرق الوجه أبيض اللحية، تجاوز السبعين وكان نظيف البيت في تواضع، نظيف الثياب في غير إسراف ولا تكلف.. يتكلم العربية الفصحى خالطها عجمة خفيفة، تحس معها بصدق الحديث وعمق الإيمان معًا.
وجلست إلى الرجل مع بعض مريديه فما لقيت إلا الأدب الجم والعلم الغزير والوعي المبصر.. تحدث عن الشهيد حسن البنا فذكره بخير ودعا له بالمغفرة، وذكر الشهيد سيد قطب فطلب له من ربه الرحمة والرضوان، وقد أثنى على الحركة الإسلامية الواعية المنبثة في أرجاء العالم الإسلامي متمثلة في حركة الإخوان المسلمين ثناء طيبًا، أحسست معه أن الرجل قريب من القلوب المؤمنة، محب للحركة الإسلامية الواعية، وأنه صادق مع الله لا يحب كبرًا في الأرض ولا علوًّا، ولا يبحث عن زعامة فانية أو خضوع أجوف من مريديه كما يفعل بعض شيوخ الطرق ورؤساء الجمعيات الهزيلة، التي تنشأ على عين خصوم الحركة الإسلامية ليضربوا بها جموع الشباب.. والصف المؤمن الموحد.. ولكن هيهات.
وأحببت أن أعيش مع الرجل أو بعض تلاميذه أكثر؛ فرجوته أن يخصص معي شابًّا يرافقني في جولتي في إستانبول؛ ليطلعني على معالمها ويشرح لي ما خفي من أسرارها وآثارها، فاستجاب الشيخ الجليل مشكورًا.. وأرسل في طلب واحد من مريديه.. وإذ بي أمام رجل طويل القامة ممتلئ الجسم حنطي اللون، وكان يتكلم الإنجليزية. وقدم لي نفسه بعد صلاة المغرب في مسجد إسكندر باشا، ثم راح يوضح لي أمرًا ويرجوني أن أقوم بدوری بشرح الموقف للشيخ.. وانطلق الرجل في حديثه.
أنا لا أرد للشيخ طلبًا، ولكني مرتبط غدًا بلجنة فنية هندسية من ألمانيا- أو لعله قال من اليابان- مهمتها إقامة جسر معلق على البسفور يربط جزئي إسطنبول الآسيوي بالأوروبي، وأنا ممثل تركيا أو أحد ممثليها في تلك اللجنة. ولما سألته عن عمله فوجئت أن الرجل أستاذ في كلية الهندسة بجامعة إسطنبول، وأدركت أثر الرجل الجليل والشيخ المربي في الجيل المثقف في تركيا اليوم.. وقبلت عذره.. ورحت أرجو الشيخ أن يعفيه من المهمة وأن ينتدب واحدًا من الشباب.. وكان لي ما طلبت.. وتمر الأيام وإذ بي أسمع بالحركة الإسلامية المعاصرة في تركيا التي تتمثل في جماعة النور وحزب السلامة الوطني.
ومن خلال معرفتي أن الدكتور نجم الدين أربكان بروفيسور في كلية الهندسة.. ويحمل شهادة الدكتوراه في الهندسة الميكانيكية.. حسبت أن الذي لقيته يومًا في مسجد إسكندر باشا- والذي أسهم في الإشراف على إقامة الجسر المعلق- هو رئيس حزب السلامة الوطني الجديد.
ومن هنا- ولأسباب كثيرة أهم ذات علاقة بالأوضاع السياسية في العالم الإسلامي وتركيا بخاصة- سعيت للقاء الرجل.. وكان لقاء ودودًا في مركز الحزب بأنقرة.
فوجئت أن الرجل الذي ألقاه اليوم غير الذي لقيته بالأمس. إذ أن نجم الدین أربكان طويل القامة ممتلئ الجسم ولكنه أبيض الوجه مشرب بحمرة.. وقد عانقني بأخوة إسلامية صادقة، ودعاني أن نبدأ لقاءنا بصلاة المغرب.. وقد كان.
كان إمامنا في الصلاة شاب تركي تخرج من إحدى الجامعات الإسلامية في البلاد العربية، وهو يحسن تلاوة القرآن والتحدث بالفصحى في طلاقة ووضوح. وفي نهاية الصلاة ختمها الدكتور نجم الدين أربكان في خشوع بالتسبيح والحمد والتكبير.. ثم بدعاء ضارع تحس معه بصدق النبرة وحرارة الدعاء.. ومضينا بعد ذلك إلى مكتب منظم مرتب أنيق.
وكانت رغبة الرجل واضحة في أن أبدأ الحديث ليعرف ما الذي أبغيه من اللقاء بالإضافة إلى الأخوة وصدق الود.. وانطلقت أسأل وأعلق وأستفسر؛ ففي جعبتي الكثير مما يدور في أذهاننا في العالم العربي عن الحركة الإسلامية في تركيا.. عن جماعة النور.. عن حزب السلامة الوطني.. عن العلمانية والإلحاد.. عن العلماء والفقهاء.. عن الأئمة ومدارس الفقه واللغة العربية.. عن وجود الإسلام والفصحى في تركيا.. عن التصنيع.. عن تركيا العظيمة بالإسلام.. الهزيلة بسواه.
وكان حديثي بالعربية.. فالدكتور نجم الدين أربكان يحسن التركية والألمانية.. كان إمامنا في الصلاة هو المترجم الأمين الذي ينقل أفكارنا وآراءنا ويحمل الإجابة على كل سؤال.
- وحدة العمل والصف بين جماعة النور وحزب السلامة.
طرحت سؤالًا كبيرًا طالما أثقل كاهلي حمله، وطالما مزقت الإجابة عليه نفسيتي المعذبة، وأنا أرى الشباب المؤمن في زخم فكري وتطلعات مستقبلية وتيار قوي هادر، لا يقوى الخصوم على تمزيقه وإضعافه إلا حين يمزقون الكلمة ويشتتون الجمع ويبعثرون الصف الموحد.. لمَ هذه التكتلات الإسلامية العديدة وكلها يدعو إلى استئناف حياة إسلامية جديدة وتحكيم شرع الله في الأرض؟ ولو كان تعددها بالأسماء وحدها دون الخلاف والتناحر لهان الأمر، كما هو الحال بين الجماعة الإسلامية بباكستان والإخوان المسلمين في البلاد العربية؛ إذ يعتبر كل منهما نفسه فرعًا للآخر أو جزءًا منه.. ولكنه خلاف يقود أحيانًا إلى سفسطة لفظية وجدل فكري عقيم، أو يتعداه إلى تسفيه في الرأي، بل قد يتعداه إلى ما هو أسوأ من هذا وأخطر.
وكان السؤال: لماذا لا توحدون صفوفكم في تركيا وتعملون على جمع الشمل والتنسيق بين جماعة النور وحزب السلامة الوطني؟ وعلقت وأنا أطرح السؤال: إن خصومكم لن يرحموكم.. ولن يطلبوا عندما يتمكنون منكم إبراز هوية الحزب أو الحركة أو الجماعة.. إنما سيقتلونكم- لا سمح الله- على الهوية الموحدة التي كانت سببًا في قتل الآلاف في لبنان على أيدي برابرة الصليب والاستعمار، وتصفية الآلاف في قبرص على أيدي أحفاد الحضارة الإغريقية المستعلية والأحقاد الصليبية العمياء.. إن هويتكم شئتم أم أبيتم: لا إله إلا الله محمد رسول الله.
وهز الرجل رأسه بوعي وطمأنينة. وأكد لي أن ما تم بين شباب جماعة النور وحزب السلامة الوطني أكثر من تنسيق وأعمق من تفاهم.. لقد ساق لي البشرى أن التوحيد قد تم.. وأن قواعد جماعة النور قد اندمجت في حزب السلامة، ولم يشذ إلا فئة قليلة تبين أن لها جذورًا ماسونية كانت تدعي الانتماء لجماعة النور زورًا وبهتانًا.. بالإضافة إلى فئة ضئيلة قليلة تتبع شيخًا- أحسبه مأجورًا مغرورًا والكلام هنا لي وليس لأربكان- أبى إلا أن يظل زعيم فئة قليلة من المضللين به البعيدين عن الوعي وإدراك الخطر المحدق.. ويستأنف أربكان حديثه بقوله: لقد انضم أولئك لحزب العدالة، وهو حزب معظم أعضائه والمنتمين له من الماسونيين.. وحين طرحنا اقتراحًا وطالبنا بخطوة أولى على الطريق الطويل أن يكون يوم الجمعة هو يوم العطلة الأسبوعية خذلنا أولئك، وخرجوا مع أعضاء الحزبين حزب الشعب وحزب العدالة لنظل وحدنا في الميدان.. ميدان الاقتراح والكلمة، فما بالك بميدان الصراع والجهاد المرتقب؟
وأثلجت الإجابة صدري، خاصة بعد أن باتت يقينًا عرفته بعد ذلك على ألسنة عدد من شباب جماعة النور في إستانبول.
- تجربة حزب السلامة في الحكم.
وهنا هيأت نفسي للسؤال عن اشتراك حزب السلامة الوطني في الحكم.. ما أثر ذلك على الحزب وعلى الإسلام والحركة الإسلامية في تركيا سلبًا وإيجابًا؟
وهنا يبتسم الرجل ولكن في وقار كأنما قد أدرك أن هذا مأخذ يأخذه عليه بعض العاملين في حقل الدعوة إلى الله أصابوا في ذلك أم أخطأوا.
وينطلق الرجل في حماسة وتوقد ذهن وقد أحسست أن الإجابة في بريق عينيه تكاد تسابق الإجابة على لسانه.. إن الرجل يوضح موقفًا من المفروض في العاملين في الحقل الإسلامي أن يعرفوه قبل أن يؤيدوا أو يعارضوا، يباركوا أو يلوموا بسبب اشتراك الحزب في الحكم.
لقد كانت وظائف الدولة العامة بل العادية محظورة على المصلين، وكان الفراشون والمراسلون وحدهم هم الذين يصلون، مع نظرة خاصة توحي بالسخرية منهم والاستهزاء بهم.. وكان الرجل المصلي لا يستطيع التقدم لأية وظيفة ذات شأن لأنه يعلم أن طلبه مردود سلفًا.. لقد كان جهاز الدولة ماسونيًّا علمانيًّا بمفهوم الإلحاد لا بمفهوم الحياد.
ولما تقدم الحزب ليشارك بالحكم وطرح شعاره أنه- يناضل من أجل استقلال تركيا المعنوي والاقتصادي- واتخذ المفتاح شعارًا له رمزًا للأمن والسلامة والرخاء والعزة والمنعة والكرامة.. شعر الناس بوجود الإسلام في ميدان السياسة وقد خلا من المسلمين الصادقين هذه السنين الطويلة.. فصار الآن عدد كبير من موظفي الدولة- بل أقول عددًا كبيرًا- من المحافظين وأعني حكام الولايات الإدارية والمقاطعات التركية يصلون.
لقد وجدوا حركة سياسية إسلامية واعية تقودهم إلى بيوت الله وتدلهم على طريق المساجد، بعد أن حالت العلمانية الملحدة بينهم وبين ذلك، وأرهبتهم بسلطة وهمية إن هم أقبلوا على الله.
بل أحب أن أوضح لك أمرًا كنا نسمعه على ألسنة الفلاحين في الريف.. لقد كانوا يسرون مما يسمعون من دعوتنا بالعودة إلى الإسلام والكرامة التي يبعثها الإسلام في نفوسنا، ولكنهم يعودون فيقولون في خوف ووجل: إننا لا نكاد نصدق آذاننا أن هذا يحدث في تركيا، أو تصدق أعيننا أن ترى هذا الجيل الجديد بهذا الوعي الإسلامي يتحرك.. ولكنهم لن يسمحوا لكم بذلك، إن الجيش سيضربكم حتى ولو وصلتم.. والآن وبحمد الله فإن عددًا من رجالات الجيش يحضرون صلاة الجمعة والجماعة أحيانًا.. ونسأل الله الهدى للبقية الباقية منهم.
وأحسست أني أمام حقيقة فاقت الخيال وواقع أخصب من الحلم وأثرى من الأمل.. إن تركيا تخطو ولكن في هدوء نحو مستقبل إسلامي عائد بإذن الله.
ودفعني مثل هذا الواقع الحي المشرف أن أقول للدكتور نجم الدين أربكان:
- لقد عرفك الرسميون في بلادك عبر كتاب المناخ بأنك غير وطني لأنك غير علماني.. وفي هذا التعريف إجحاف وافتئات عليك وعلى الوطنية.. فالوطنية الصادقة بمفهوم حب الأهل والديار والإخلاص لهما ليست وقفًا على الملحدين الذين قست قلوبهم وتلوثت نفوسهم.. إنك حقًّا رمز للوطنية إيمانًا بالله وحبًّا لله ورسوله وعملًا متواصلًا من أجل عزة الأمة ورفعة المؤمنين.. وعلقت على كلامه أن العلمانية في تركيا الحديثة أشبه بالخشبة التي يلبسونها ثيابًا ممزقة ويغرسونها في الحقل لإخافة العصافير أن تقترب من الثمار.. وإن حزبكم هو الحركة التي حطمت خرافة العلمانية في تركيا؛ ليدرك الشعب أنها وهم كبير مصيره إلى زوال، وما أن تسقط العلمانية وتتهشم حتى يقبل الناس على دين الله أفواجًا من جديد.
حقًّا لقد منح حزب السلامة الوطني باشتراكه في الحكم في تركيا الشجاعة للكثيرين من الأتراك أن يعلنوا عن إسلامهم وأن يعتزوا به مفاخرين.. إنها تجربة جديرة بالدراسة والبحث لمعرفة الظروف والأحوال التي تحيط بكل جناح من أجنحة الحركة الإسلامية في العالم، لتتصرف وفق ظروفها ومقتضيات الموقف الذي تواجهه هذه الحركة أو تلك.. هنا أو هناك.
وهنا قفز سؤال لا بد من طرحه:
- ألا ترى أنك قد أعلنت عن هوية وهدف وخطة خطيرة لا يسكت عنها أعداء الإسلام حين أعلنت عن تصنيع تركيا ووضع برنامج للصناعات الثقيلة في بلادكم؟
ويمضي الرجل في حديثه كأنما هو امتداد للإجابة السابقة حيث يؤكد أن إعلان التصنيع لا بد منه والعمل على التصنيع لا بد منه.. وهنا طلب أن يؤتى له بنسخة من كتاب الصناعات الثقيلة الذي وضعه حزب السلامة وقدمه للشعب التركي وللجماهير.
برنامج عمل وخطة من خطط النهوض بتركيا لتعود عظيمة كما كانت بالإسلام، وتترك هذا التقزم والتواري عن الأنظار.. ثم قدم نسخة من الكتاب لي موقعة بتوقيعه، وراح يقول: لو لم نعلن عن التصنيع وهو أمل كل تركي مخلص لاعتبرَنا خصومُنا جمعية كلامية تحسن الحديث والوعظ والإرشاد فحسب، ولادَّعَوا أننا ندعو لإعادة تركيا لعهد الدراويش كما يقولون، وبذلك نُصفَّى في ليلة واحدة ويعلَن ذلك على الناس في خبر قصير تذيعه الإذاعة أو تنشره الصحف، مع إلصاق ما يروق لهم من صفات العَمالة والرجعية وغير ذلك.. فخطر ببالي- والكلام لي- ما فعله التلاميذ المقلدون لأتاتورك الخائن في ديار العربية.
وأدركت ما لدى الرجل من بُعد نظر.. ماذا ترك للأحزاب الأخرى أن تعلن عنه إذا كان هو يسعى ويعمل على تصنيع تركيا؟ وقد أقام في عهد مشاركة حزبه في الحكم عددًا من المصانع ولم يتمكن من الاستمرار في برنامجه لئلا يكون عمله أكبر دعاية عملية لا كلامية له ولدعوته المبصرة الواعية. وقدمت فترة الانتخابات وعبث العابثون وزور المزورون ليخسر الحزب عددًا من مقاعد البرلمان.. وتزداد القاعدة الجماهيرية العريضة له، وينطلق الشباب في حماسة منظمة ووعي واثق لاستئناف العمل الدؤوب.
قلت وفي نفسي حسرة وتقدير وإشفاق:
- ألا ترى أن إعلانك ودعوتك وبدأك بالتنفيذ لتصنيع تركيا يرعب الغرب وأمريكا بالذات مما يجعلها تفكر كما عرفناها في أنحاء شتى من العالم أن تصفي خصومها جسديًّا أحيانًا؟ وهو ما يدعوني أن أسأل: هل أعددتم للأمر عدته ورتب حزب السلامة نفسه على أن يتولى قيادته يومًا رجال بعدك يعون ولا يلتوون؟
قال: إن لحزب السلامة قيادات واعية مخلصة لا تنتهي بموت رجل أو زوال مسؤول، لأنه تخطى مرحلة التأسيس ومضى في طريق البناء وإعداد القيادات الواعية المنظمة من مختلف الأعمار.
فحمدت الله على هذا الفهم.. ثم قادني الحديث عن الوعي إلى سؤال: بعض العاملين في ميدان الحركة الإسلامية يعملون بتقوى لا وعي فيها وبعضهم يعملون بوعي لا تقوى فيه وبعضهم يجمع بين التقوى والوعي معًا، وفي نظري أن التقوى بلا وعي غفلة، والوعي بلا تقوى فجور.. فأي السبل يسلك حزب السلامة في هذا المجال؟
قال الرجل ذو العقلية العلمية المنظمة والقلب المؤمن الخاشع كما أحسست:
- حزبنا اختط لنفسه العمل في هذين المجالين اللذين لا غنى لنا عن أحدهما، التقوى التي تربطنا بالله والوعي الذي يبصرنا بما حولنا.. فاطمئن.
قلت وقد سعدت بما سمعت ورغبت في مزيد من تذوق الثمرات التي غرس حزب السلامة بذورها في النفس التركية المسلمة الطيبة: وماذا قدمتم لمستقبل الإسلام في تركيا كذلك؟
قال الرجل وهو يعرض في هدوء وتواضع نماذج من تلك الثمرات:
*لقد أنشأنا ٣٥٠ مدرسة لتحفيظ القرآن وتعليم العربية، فيها ٢٠٠,٠٠٠ طالب.
*ولنا أربعمائة وخمسون مركزًا من مراكز المجاهدين- أکنجلر- وهو الاسم الذي يرمز إلى التسمية التاريخية لجيوش الفتح الإسلامي العثماني، الذي حمل الإسلام ورفع رايته في قلب أكثر من عاصمة أوربية.. ومثل هذه المراكز تعد الشباب الإعداد اللازم بأسلوب الفتوة وروح الجهاد.
*أعددنا مائة ألف شاب منظم ورجل واعٍ للإشراف على كوادر الحزب، الذي أصبح له في كل محافظة ومتصرفية وقضاء فرع ومركز.
*شباب ورجال حزب السلامة ملتزمون بالإسلام إن شاء الله في حياتهم العامة والخاصة، في بيوتهم وأسرهم، في مؤسساتهم ومراكز عملهم.
*أصبح لنا وجود ملموس في معظم الاتحادات النشطة العاملة في تركيا، كاتحاد المزارعين واتحاد العمال واتحاد المعلمين واتحاد الموظفين، أما اتحاد الطلاب الأتراك فمعظم المسيطرين عليه والقيادات العاملة فيه من الشباب الإسلامي، سواء أكانوا من حزب السلامة أو من الأحباب المؤيدين.
*لقد أنشأنا ونحن في الحكم عددًا من المصانع للصناعات الثقيلة وغيرها في طول البلاد وعرضها، شملت ۲۲ موقعًا على الأرض التركية التي هي جزء من ديار الإسلام الكبيرة.
وأحب أن أطمئن الأخ أننا نحس من أعماقنا أن ميلادًا جديدًا أو بعثًا جديدًا وفجرًا جديدًا للإسلام في تركيا قد انبثق، وما نريده منكم أن تفهمونا جيدًا وأن تتبعوا نشاطنا وأن تؤيدونا لنصرة الإسلام ورفع رايته.. فنحن إخوانكم ونحن الذين نمد أيدينا لكم ليعود العرب والأتراك أشقاء صادقين لا أصدقاء مزيفين.
وشعرت بحرارة الدعوة. وتذكرت كيف أن بعض الأنظمة في الوطن العربي على اختلاف ألوانها تدعم الصليبية العمياء والماسونية المتآمرة وتنصرها على مثل هذه الحركة الواعية المباركة في تركيا المستقبل العائدة إلى الله.
وعاد نجم الدين أربكان يقدم لنا في العالم العربي كله نصحًا خالصًا وحكمة بالغة وهو يقول: لقد وعدنا شعبنا في تركيا بإنشاء مصانع كثيرة، تخرج تركيا من ذل الحاجة إلى عزة الإيمان والاكتفاء الذاتي، وقمنا بتنفيذ مشاريع في عدد من تلك المصانع، ولكن المؤامرات السياسية عاجلتنا بإجراء الانتخابات قبل أن يتم إنشاء المصانع الثقيلة كلها، لأنها ستكون إذ ذاك أكبر من أي دليل وأعظم من أي برهان على أن الإسلام لتركيا يعني وجودها وعظمتها وقوتها.. ولكننا ماضون على الطريق بإذن الله.
وأنا أنصحكم في البلاد العربية أن تتجهوا مع الإيمان إلى المصنع والآلة الثقيلة، تنتجونها لأن نهوضنا لا يمكن أن يقوم على سلاح في يد الأجنبي أو قوة يمتلكها الأعداء المقنعون.
وخرجت من مكتب الرجل مودعًا وفي أعماقي انطباع أن مستقبل الإسلام في تركيا إلى خير بإذن الله.
وفي غرفتي بالفندق في أنقرة.. تصفحت الكتاب الذي أهداه لي الدكتور البروفيسور نجم الدين أربكان.. المهندس الميكانيكي ذو العقل العلمي المنظم والإيمان العميق، ويحمل الكتاب اسم: الصناعة الثقيلة، فوجدته قد قسم إلى أبواب وفصول مدعومة بالصور والخرائط والأرقام.
*قسم فيه صور ملونة تاريخية تؤكد أن المسلمين لم يكونوا على جانب عظيم من العلوم الكونية كالرياضيات والفيزياء والكيمياء والأحياء وغيرها فحسب، بل كانوا أول من اخترع الآلات.. وعلى رأس هؤلاء العلماء العالم المارديني، الذي اخترع أكثر من آلة تدار تلقائيًّا- أوتوماتيكيًّا- بضغط الماء.
*وقسم فيه مسح شامل للثروات المعدنية والمالية والبترولية في ديار الإسلام.. الوطن الأكبر.
*وقسم فيه قوائم بأسماء المشاريع والمصانع التي أعلن حزب السلامة الوطني عن نيته لإنشائها لبناء تركيا المؤمنة الحديثة.
*وقسم رابع يشمل بالوثائق والصور والخرائط أسماء المصانع التي تم وضع حجر الأساس لها، أو تم إنشاؤها في عهد حكم حزب السلامة قبل التآمر عليه.
وفي صباح اليوم التالي حملتني الطائرة إلى إستانبول مرة أخرى.. وفي خاطري آمال كبيرة.. وتساؤلات حزينة يختلط بعضها ببعض.
*حقًّا إن حزب السلامة أمل الأمة الإسلامية الجديد في آسيا الصغرى.. وفي ديار الإسلام.
*ترى لو مُكّن هذا الحزب من الحكم واستطاع أن يقود تركيا إلى مركز حضاري قيادي جديد بالإسلام، أي وجود يبقى للدويلات الفسيفسائية الممزقة التي تعيش في المنطقة وهي تتلقى الصفعات المتوالية المذلة من حكام "إسرائيل"؟
وفي إستانبول كان علي أن ألقى الرجل الذي بدأت به تحقيقي هذا عن تركيا العائدة إلى الله.. وبدأ به حزب السلامة ممثلًا في تتلمذ نجم الدين أربكان على يديه. وتوجهت إلى جامع إسكندر باشا بحي الفاتح ليلقاني الرجل في ترحاب بعد ست سنوات من الفراق، وحوله عدد من أبنائه ومريديه يعدهم لغد مرتقب وأيام عصيبة ولكنها عائدة بإذن الله، ولقيت في الرجل نفس الصورة الأولى القديمة: البسمة الرضية والنفس الزكية والوعي العميق، والخشوع الذي تلمسته في حديثه ودعائه وضراعته إلى الله أن ينصر الإسلام وأن يعيد الشعب التركي إلى سالف عهده وسابق إيمانه، ليكون من جديد مع الله رايات جهاد وكتائب استشهاد.
بقي أن يعلم القارئ أن جمهور المسجد قد تغير في تركيا أو تبدلت نوعيته.. لقد مرت أيام سوداء على تركيا لا ترى في المسجد خلالها إلا جيل العجائز المُودّع.. واليوم في معظم مساجد المدن التركية وقراها نسبة الشباب من جماهير المسجد الغفيرة تتعدى الثمانين بالمئة.. وملابس الاحتشام وثياب الحياء والوقار عادت إلى الطالبات في المدارس، ومعاهد تحفيظ القرآن والفتاة التركية بصورة عامة.. تلك التي أعلن عنها يومًا أتاتورك الخائن أنها باتت تباري الأوروبية في شرب الخمر وارتداء المايوه واتخاذ القبعة شعارًا لها وعنوان حضارة.
ويسألون متى هو؟
قل عسى أن يكون قريبًا.