الأحد 22-مارس-1992
الصدام بين إدارة بوش وإسرائيل
● اللوبي الإسرائيلي الذي طال
الخوف منه سيتحول إلى نَمِر من ورق
يُقال: بأن الرئيس جورج بوش أقدر السياسيين تكيفًا لأي ظرف طارئ، ولكن
من باب المجازفة أن يتجرأ هذه المرة على تأجيج نيران الخصومة التي احتدمت بينه
وبين اليهود الأمريكيين في أوج المعركة الانتخابية، فقد اتخذ موقفًا ميدانيًا ضد
المستوطنات الجديدة في الأراضي المحتلة؛ مما أدى إلى خوض الدولتين حربًا كلامية حامية.
وعلى الرغم من الضغط الهائل الذي مارسه اليهود، فلم يرضخ الرئيس بوش، بل صمد في
موقفه لدرجة أن بعض مستشاريه أخذوا يراهنون على خسارة اللوبي الإسرائيلي الذي طال
الخوف منه، وتحوله إلى نمر من ورق. ومهما يحدث، فإنه بات مؤكدًا أن طبيعة العلاقات
الوطيدة التي كانت تربط إسرائيل بالولايات المتحدة قد تغيرت من الآن، وأن حبل
الوريد الذي كان يربطهما في طريقه إلى الانفصام.
ولقد صرح وزير الخارجية الأمريكية جيمس بيكر للكونغرس بما كان يُهمس
في الآذان داخل أروقة الحكومة، وهو أنه إذا ما أصرت إسرائيل على بناء مستوطنات
جديدة في الأراضي المحتلة؛ فإنها لن تحصل على ضمانات قروض كانت تطلبها من واشنطن،
وتبلغ قيمتها 10 بلايين دولار أمريكي. ومن جانب آخر، فإن على حزب الليكود المتطرف
الحاكم أن يختار بين أمرين؛ ألا وهما: استيعاب يهود السوفيت أو التهام الأراضي
المحتلة، والخيار متروك لإسرائيل، غير أن رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق شامير
الذي يخوض هو الآخر معركة انتخابية، قد أعلن بأن إسرائيل لن توقف أبدًا بناء
المستوطنات.
وعبر السنين، فقد عرفت العلاقات الأمريكية الإسرائيلية لحظات عصيبة
بين فترة وأخرى، فقد كان الرئيس رونالد ريغان يمارس ضغطًا كبيرًا على إسرائيل
لمنعها من هجوم بيروت عام 1982. كما أن كيسنجر كان يدعو في 1975 إلى «إعادة النظر»
في السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط؛ لكي تسحب إسرائيل قواتها من منطقة سيناء.
وإذا ما استمرت اللعبة الحالية التي تتسم بالجبن؛ فإن العلاقات
الأمريكية-الإسرائيلية سوف تتدهور إلى أدنى مستوى لها منذ 1956 عندما قام الرئيس
إيزنهاور بإخراج القوات الإسرائيلية من قناة السويس عن طريق التهديد بقطع
المساعدات الأمريكية لإسرائيل. ومع أن كلًا من الرئيس بوش ووزير خارجيته بيكر
يلعبان بورقة المساعدات بشكل أكثر صراحة منذ 35 سنة؛ فإنهما لا ينويان قطع
المعونات الأمريكية السنوية لإسرائيل، والتي تبلغ 3 بلايين دولار أمريكي.
إن موقف الرئيس بوش ضد بناء المستوطنات الإسرائيلية لم يَعُد سرًا
لأحد، ولذلك فعندما قام بيكر في العام الماضي بزيارة إسرائيل 6 مرات لحشد الدعم
لمؤتمر السلام في الشرق الأوسط، فقد أحرجه الإسرائيليون في كل زيارة عن طريق شن
حملة جديدة لبناء المستوطنات؛ وذلك نكاية في الإدارة الأمريكية.
والآن وقد بدأت محادثات السلام، فإن الفلسطينيين يقولون لبيكر: بأنهم
لا يستطيعون الاستمرار في المحادثات طالما تتغاضى واشنطن عن بناء المستوطنات، غير
أنهم يرون أن المهلة التي أعطاها بيكر للإسرائيليين عبارة عن مكافأة لصبرهم.
ويرى بعض المسؤولين الأمريكيين أن شامير ليس في موقف الفوز في
الانتخابات، وإن عليه أن يختار بين تغيير موقفه المتعنت تجاه الأراضي المحتلة
وتعزيز فرص إيجاد السلام عن طريق المفاوضات، أو تعريض المهاجرين السوفيت للخطر،
وتفويت فرص إعادة انتخابه. بيد أنه في الوقت الراهن فإنه يبدو أن معظم الإسرائيليين
يؤيدون تعنت شامير إزاء مسألة المستوطنات، كما جاء في استفتاء بين نتائجه أن 56%
من الإسرائيليين يعارضون تجميد المستوطنات. ويأمل شامير في أن ينثني الرئيس بوش أو
يحل محله مرشح ديمقراطي أكثر مرونة، ذلك أن حزب الليكود الذي يتزعمه إسحاق شامير
يرى نفسه بأنه الحزب الوحيد القادر على منع بوش من السيطرة على إسرائيل. في وقت
يبدو حزب العمال الذي يتزعمه إسحاق رابين أكثر مرونة حول مسألة المستوطنات؛ لأنه
يعارض بناء «المستوطنات السياسية» في المناطق العربية.
ويبدو أن موقف الرئيس بوش المعارض لبناء المستوطنات لم يكلفه شيئًا في
الانتخابات الأولية؛ نظرًا لأن عددًا قليلًا من اليهود المنتمين للحزب الجمهوري قد
أيدوا منافسه بات باشانان الذي يعارض المساعدات الأجنبية، ويتهمه اليهود باللاسامية.
بالإضافة إلى أن كثيرًا من اليهود الأمريكيين غير راضين بسياسة شامير الاستيطانية
وأن جماعات الضغط قد تخلوا عن العمل من أجل ضمان القروض، علمًا بأن هذه المعركة
خاسرة.
إن العالم قد تغير بطريقة أو بأخرى لدرجة أن التأثير الإسرائيلي على
السياسات الأمريكية قد أصبح ضعيفًا. ومع نهاية الحرب الباردة، فلم تعد إسرائيل تلك
القلعة الحيوية لمواجهة التدخل السوفيتي في الشرق الأوسط. وبما أن الاقتصاد
الأمريكي يواجه مشاكل جمة؛ فإن كلًا من اليمين واليسار على حد سواء يعارض
المساعدات الأجنبية. وإن إسرائيل قد فقدت بريقها، ولم تعد تُذكِّر أحدًا بأرض
الهجرة أو الميعاد.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل