; رئيس دولة البوسنة والهرسك الأسبق « د . حارس سلاديتش»: العدالة المطلقة صعبة المنال | مجلة المجتمع

العنوان رئيس دولة البوسنة والهرسك الأسبق « د . حارس سلاديتش»: العدالة المطلقة صعبة المنال

الكاتب محسن عبد الفتاح

تاريخ النشر الجمعة 13-أبريل-2012

مشاهدات 62

نشر في العدد 1997

نشر في الصفحة 32

الجمعة 13-أبريل-2012

شهدت أوروبا نهاية القرن الماضي أكبر جريمة إبادة ارتكبت في حق شعب من شعوبها؛ ألا وهو شعب البوسنة والهرسك، ذات الديانة الإسلامية، الذي طالب بحقه في الحياة كغيره من شعوب الأرض، فما كان من قوى الشر ممثلة في جحافل قوات الصرب المدججة بالسلاح، والمدعومة من اليمين المسيحي المتطرف إلا شن عدوان همجي ضد شعب أعزل؛ فأنزل به كل صنوف الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والقتل العرقي، ومع ذلك، ضحى أبناء هذا البلد الإسلامي بالثمن الباهظ من أجل نيل استقلالهم. 

عن هذه الفترة الأليمة، والتي لن تُمحى من ذاكرة الإنسانية تحدث إلينا رئيس دولة البوسنة والهرسك «د. حارس سلاديتش»، مذكرًا بالبطولات التي أبلاها أبناء هذه الدولة الوليدة إبان تلك الفترة معرجا على أوضاعها اليوم، مستشرفا مستقبلها الواعد بين الدول الأوروبية.

شكل المجتمع الدولي بقرار من الأمم المتحدة «محكمة مجرمي الحرب» التي مقرها لاهاي بهولندا؛ من أجل محاكمة قادة الصرب الذين اقترفوا جرائم إبادة جماعية وتطهير عرقي ضد أبناء المسلمين من البوسنة والهرسك إبان عدوانهم العسكري مطلع التسعينيات من القرن الماضي, كيف تذكرون هذه الفترة السوداء من تاريخ الشعب البوسني المسلم؟

لقد طالب المجتمع الدولي بتشكيل هذه المحكمة لمحاسبة مجرمي الصرب على ما اقترفوه، ونتمنى من محكمة مجرمي الحرب بلاهاى أن ترى الجرائم التي اقترفت في حق أبناء البوسنة والهرسك، وتستشعر فداحة ما تم ارتكابه من مجازر وتطهير عرقي وتدمير وقتل واغتصاب, وبشكل عام، هذه الجرائم التي اعتبرت في نظر العالم أنها من أبشع الجرائم التي وقعت ضد شعب أعزل خلال القرن الماضي بأوروبا, فعلى القائمين بهذه المحكمة المكلفة من قبل المجتمع الدولي محاسبة هؤلاء القتلة وأن ترسي قواعد الحق، وتقيم العدالة، وتقتص من هؤلاء المجرمين القصاص العادل.

أنا أدرك تمامًا أن العدالة المطلقة صعبة المنال بها وغير موجودة، فالنفس البشرية مهما تحلت بالحيادية دائمًا تستميلها الأهواء, من هذا، فنحن نتمنى محكمة نزيهة بقدر المستطاع؛ ليصدر عنها حكم عادل ونزيه لا تشوبه الأهواء، ولا تعكر نقاءه الشوائب لقد عان شعبنا من أهوال حرب غير مسبوقة دمرت المجتمع، وحطمت نفس الإنسان البوسني ومازال حتى اليوم وبعد انقضاء خمسة عشر عامًا على توقف نيران هذا العدوان الوحشي لم تلتئم الجراح بعد ونعاني تبعاتها حتى الآن.

الجرائم التي ارتكبت في حق أبناء البوسنة اعتبرت في نظر العالم الأبشع خلال القرن الماضي 

العدالة المطلقة صعبة المنال, فالنفس البشرية تستميلها الأهواء 

العالم الإسلامي بشكل عام والأقطار العربية بشكل خاص تعاطفوا مع قضية البوسنة والهرسك في حينها، وقدم البعض الدعم المادي من سلاح ومال، بل وتطوع العديد من العرب المسلمين وقاتلوا إلى جانب إخوانهم في معركة كان ميزان القوى يميل وبشدة إلى جانب المعتدي, هل لكم أن تذكرنا بصورة من صور الفداء والتضحية ثمنًا لحريتكم اليوم؟

لقد تكالبت علينا قوى الشر من كل حدب وصوب، ولم يكن يملك شعبنا الأعزل - يومها - غير إيمانه بعقيدته الإسلامية، وتطلع أبنائه نحو مستقبل ينعمون فيه بالحرية والطمأنينة والسلامة، فكانوا على قدر المسؤولية، ولم يتوان أحدٌ - صغيرًا كان أم كبيرًا رجلًا كان أم امرأة - في تقديم أغلى ما يملك من مال ومتاع وأرواح؛ من أجل تحقيق هذا الحلم,

حلم الآباء والأجداد.

نحن عندما نتذكر تضحيات أبناء شعبنا نقف إجلالًا وتقديرًا أمام أرواح هؤلاء الشهداء الذين قضوا نحبهم أفرادًا وجماعات بالآلاف مثلما حدث في مدينة الشهداء «سربرينيتسا»، ولم يبال القتلة من قادة الصرب وجنودهم بأي اعتبارات إنسانية كونهم مدنيين، أو أى حماية دولية، فكانت جرائم الإبادة الجماعية الفريدة في بشاعتها وحجمها حيث استشهد الآلاف من أبناء هذه البلدة المسلمة, وها نحن اليوم وبعد خمسة عشر عامًا من انتهاء هذه الحرب الظالمة مازال المجتمع الدولي - ممثلًا في قضاة محكمة جرائم الحرب - يتتبع أثر  هؤلاء المجرمين وإلقاء القبض عليهم؛ تمهيدا لمحاكمتهم على ما اقترفت أيديهم من جرائم يندى لها جبين البشرية إلى أبد الآبدين. 

الشعب البوسني منذ اعتنق أبناؤه الإسلام وهو مقبل على حفظ القرآن الكريم وتعلم اللغة العربية, ما حجم اهتمام الدولة الوليدة بشأن لغة القرآن الكريم بين أبنائها ؟

- اللغة العربية تدرس للنشء بالتعليم الأولي لأبناء البوسنة كذلك تدرس اللغة العربية بكلية الفلسفة بالقسم العربي بجامعة البوسنة، وهناك حركة ترجمة من وإلى العربية, فنحن لسنا بعيدين عن لغة القرآن الكريم كمسلمين، ولقد أثمر الاهتمام باللغة العربية منذ الاستقلال وحتى اليوم إلى إتقان أبناء البوسنة للغة العربية تحدثا وكتابة خاصة من صغار السن وهو ما فاق الكبار ومما لا شك فيه أن تبادل الثقافات بين أبناء البوسنة وبين أبناء العالم الإسلامي عامة، وأبناء الدول العربية خاصة؛ سوف يساعد ذلك على انتشار اللغة العربية في ربوع البوسنة وبين أبنائها الذين سوف يقبلون على تعلمها، كما أقبل أجدادهم وآباؤهم على اعتناق الدين الإسلامي منذ أن تم فتح البلاد وتم إعلاء كلمة الإسلام بها.

لم نكن نملك غير عقيدتنا الإسلامية وتطلع أبنائنا المستقبل ينعمون فيه بالحرية والسلام 

لسنا بعيدين عن لغة القرآن الكريم وأبناء البوسنة يقبلون على تعلمها كما أقبل من قبل أجدادهم وآباؤهم على اعتناق الإسلام 

ننتظر من إخواننا العرب والمسلمين دعمنا اقتصاديًا كما وقفوا جانبنا إبان العدوان علينا 

القضية الفلسطينية قضية العرب الأولى منذ أكثر من نصف قرن، كيف ترون الوضع الداخلي لأبنائها خاصة، وقوى الشر تحاصرها من كل مكان؟

القضية الفلسطينية هي قضية كل المسلمين، هناك شعب سلبت أرضه، وشُرِّد أبناؤه وظلم ومازالوا يظلمون، من هنا فكفاح الشعب الفلسطيني المستمر منذ احتلال أرضه وإلى اليوم هو كفاح مشروع من أجل إقامة دولته المستقلة ذات السيادة، نحن نؤيد جميع حقوق الشعب الفلسطيني ونقف إلى جانبه في المحافل الدولية واللقاءات الحوارية التي تتم تحت الإشراف الدولي، والتي ترعاها الأمم المتحدة.

على الفلسطينيين لم الشمل، وجمع الكلمة، وتوحيد الصف؛ من أجل الوقوف في وجه قوى الشر التي تزداد قوة وجبروتًا وتعنتا أمام هذه الفرقة وذلك الانقسام، فالتاريخ يؤكد لنا أن الاتحاد قوة، والتوحد منعة، ولن يضيع حق وراءه مطالب.

تعمل دولة البوسنة كغيرها من الدول الوليدة على إيجاد مكان لها بين الكبار في عالم الاقتصاد.. ما الخطوات التي سوف تتخذونها من أجل ذلك خاصة مع الدول العربية والإسلامية الغنية؟ 

نحن نسعى الآن من أجل جذب استثمارات من أجل تقوية اقتصادنا ليقف على أرضية صلبة تضاهي الاقتصاديات الكبرى بدول الغرب.

وعندما نقول: جذب استثمارات، فنحن نعني بالخصوص استثمارات رجال الأعمال العرب والمسلمين فكما وقفوا إلى جانبنا وقت المعارك، وأمدونا بالعتاد والمال والسلاح والرجال حتى تحقق لنا النصر وأقمنا دولتنا الفتية، أيضًا ننتظر من إخواننا في دول الخليج الإقبال على استثمار رؤوس الأموال وإقامة المشاريع التنموية ببلادنا؛ حتى يقوى اقتصادنا ونتخلص من آثار حقبة الاقتصاد الاشتراكي أن كنا تحت سطوة الحكم الشيوعي الموجه يومًا لمدة تزيد على ثلاثة عقود, لقد هيأنا أنفسنا منذ إقامة دولتنا منتصف التسعينيات من القرن العشرين إلى مجتمع الاقتصاد الحر الرأسمالي؛ حتى لا يكون هناك عائق أمام رجال الأعمال الراغبين في الاستثمار ببلادنا، وفي مقدمتهم أبناء الكويت الشقيقة الذين مدوا يد العون لنا في الضراء، ولن يبخلوا علينا بالمساعدة في السراء، فهم أول من استثمروا بالبوسنة، ونأمل في المزيد من الاستثمارات العربية والإسلامية أيضًا.

الرابط المختصر :