; ربيع مقدسي | مجلة المجتمع

العنوان ربيع مقدسي

الكاتب سلمان بن فهد العودة

تاريخ النشر السبت 01-يونيو-2013

مشاهدات 90

نشر في العدد 2055

نشر في الصفحة 55

السبت 01-يونيو-2013

هل تعرف قبائل «اليبوسيين»؟ إنها قبائل كنعانية عربية، هاجرت من رحم الجزيرة إلى فلسطين منذ الألف الثالث قبل ميلاد المسيح، وبنوا مدينة القدس، وبقوا فيها أكثر من ألفي سنة وكونوا حضارة شاملة، وبنوا حول القدس سورًا منيعًا ما تزال آثاره باقية إلى اليوم.

وقد أكد هذه المعلومة مؤرخون منصفون من أمثال الأمريكي أولبرايت»، فالقدس إذا مدينة عربية النشأة والتكوين.

والقدس اسم ديني يقرر حقيقة ربانية نطق بها القرآن ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾(سورة المائدة: أيه رقم21).وفيها المسجد المقدس الذي باركه الله وبارك ما حوله: ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾(سورة الاسراء: أيه رقم1)، فهو مسجد بلغة القرآن لا يتحول عن هذه الحقيقة، ومبارك ومتصل بصنوه وتوأمه المسجد الحرام كاتصال دعوة الأنبياء موسى وعيسى ومحمد ﷺ، ووصفه بالأقصى هو نسبة له إلى المسجد الحرام فهو بعيد قصي عنه، وهو أبعد من مسجد المدينة، ولذا سمي أقصى». إنها أعرق مدينة في التاريخ، وتمتد لأكثر من خمسة آلاف سنة، ولذا حظيت بأكبر اهتمام بشري بما لا تحظى به المدن المعولمة وناطحة السحاب وعاصمة الضباب، ولقد كتب عنها ما يزيد على سبعة آلاف بحث ودراسة، واحتشد لها من الصور والمعلومات ما لم يتح لغيرها، وفيها ألف وتسعمائة وتسعة وتسعون أثرا عربيا وإسلاميا.

كان العرب يُشكلون فيها أكثر من ٦٤% من السكان، والبقية من أجناس شتى، ومنهم اليهود الذين كانت نسبتهم لا تتجاوز 1.5-4% قبل أن تطرأ التحولات الديموجرافية المقصودة والملعوبة بخبث لتصبح نسبة اليهود فيها تتجاوز الثمانين بالمائة، ويتغرب أبناء البلد الأصليون تحت خرافة الحق التاريخي!

 دعوى «يهودية» المدينة جعلت الصهاينة لا يمنحون سكان القدس الجنسية «الإسرائيلية» وظلت جنسيتهم أردنية، ثم سحبوها منهم فأصبحوا بلا هوية، ثم اضطروهم إلى الرحيل، وكأن القدس هي التي دخلت على الصهاينة، وليسوا هم من دخلها واحتلها!

«أنتم أحق بموسى منهم» «رواه البخاري». خبر نبوي أكيد، ورسالة التوحيد هي رباط الأنبياء ونسبهم ودينهم، وعلى هذا فمرور بني إسرائيل على المدينة كان عابرا، وقد دخلوها وفيها أهلها وبناتها الجبارون، وأقاموا فيها مملكة بني إسرائيل التي لم تتجاوز سبعين سنة، ولذا لا يبدو غريبا أن يعمل الصهاينة الحفريات بحثا عن الهيكل والتراث اليهودي فلا يحصلون إلا على المزيد من الآثار الإسلامية.

تناوبتها شعوب وحكومات ودول، وشرفت باستقبال أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه: لاستلام مفاتيحها، وإعلان عودتها إلى أهلها الأصليين «العرب-المسلمين»، وأمن عمر أهلها، وحقن دماءهم، وقام شخصيا بكنس القمامة تواضعا لله تعالى، ورسالة لمن وراءه ومن بعده بحفظ المقدسات وصيانة الحقوق، ولتأكيد أن الصراع ليس عنصريًا بين الساميين وغيرهم-كما يقال-ولا نزاعًا جغرافيًا على قطعة أرض، وإنما هو الصراع الأزلي بين الحق والباطل، والإيمان والجحود.

منذ ذاك صار كل خليفة يضع بصمة في هذه الأرض الكريمة الأمويون بنوا المسجد المرواني وقبة الصخرة، وفكروا أن يجعلوا المدينة عاصمة لملكهم لتعظيمها من جهة واستجابة لمتطلبات الفوز في معركة بينية إسلامية-إسلامية.

العباسيون ضربوا سكة نقدية باسم بيت المقدس، ولا يوجد تاريخيا سكة أخرى «عملة» غير التي ضربها المأمون.

المظفر قطز، والسلطان قلاوون، وأمراء المماليك. كانوا يضخون الكثير من ميزانية الدولة لإنشاءات وتوسعة وتشييد المباني. العثمانيون أحكموا أسوارها، وخدموها وحافظوا عليها، ودفع السلطان عبد الحميد حياته وسلطته حماية لها، ورفضا لخطط صهيونية سعت لشرائها.

 لما دخل الصليبيون القدس قتلوا أكثر من سبعين ألفا، ودفن هؤلاء الشهداء في مقبرة أمان الله، وحاربوا المعرفة الإسلامية حيث كانت القدس منصة انطلاق لجهود علمية وفيها بدأ الإمام الغزالي تأليف كتابه «إحياء علوم الدين»، وقصدها أئمة كالطرطوشي وابن العربي، وسواهما، وعرف التاريخ الإسلامي المقادسة من الحنابلة وغيرهم، وجهودهم مشهورة مذكورة.

وحين عادت إلى المسلمين لم ينتقم صلاح الدين من أحد، وقام بعلاج المصابين من غير المسلمين تكريسا لنبل الأخلاق وإنسانية الإسلام حتى حين يظفر بخصومه. وإنما تعرف الأخلاق عند القوة:

حكمنا فكان العدل منا سجية

فلما ملكتم سال بالدم أبطح

ولا عجب هذا التفاوت بيننا

فكل إناء بالذي فيه ينضح

الرابط المختصر :