العنوان رجال الصدق .. ورجال الكذب والتاريخ
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 01-يوليو-2006
مشاهدات 67
نشر في العدد 1708
نشر في الصفحة 41
السبت 01-يوليو-2006
أفكر كثيرًا فيما وصل إليه شرقنا العربي الحبيب، وأقول أين رجاله العزاز، وأبطاله الكرام فأقول كما قال القائل:
قلت لدار قوم تفـانوا *** أين أحبابك العـزاز علينا؟
قالت تفانوا جــميعًا *** ثم ساروا ولست أعلم أين
كانوا رجالًا ذوي أحلام كبار وغايات عظام وقلوب لا تعرف الوهن وعزائم لا تقبل الكلل، كانوا فقراء مالًا، مغمورون جاها، ولكنهم خزائن عطاء، ومنائح مجد وسؤدد، إذا رأيت أو قرأت عن أحدهم، أخذتك هزة الرهبة واعترتك رعدة الدهشة من هول عزمهم الشديد الذي يريد أن يصارع الاستعمار في جميع الأوطان والديار العربية والإسلامية، رغم جبروت هذا الاستعمار بجيوشه وعملائه، وافتقار هؤلاء الشجعان إلى المال والعتاد والأعوان ونحن نريد أن نعيش، ولو للحظات في جوانب هذه البطولات العملاقة التي ضربت الأمثال للأجيال من بعدهم وقادتهم للسير على خطاهم ورفعت لهم رايات الجهاد والتضحية رغم مواراتهم الثرى، وتركهم ساحة المعركة بعد ثبات زلزل الجبال، وشجاعة أيقظت النوام، وصمود وتضحية أخافا العدا وصعقا الطغيان فكانوا بحق منارات في وسط الظلام وشموسًا هدت الحيارى إلى طريق الكفاح والجلاد والإقدام.
من هؤلاء الذين وقعوا ببصماتهم، وسطروا بمائهم على ثرى فلسطين البطل المجاهد الفذ عز الدين القسام الذي درس في الأزهر الشريف حيث الأزهر موطن الرجولة والعرفان، ومنبع الثورة على المحتلين.. ثم عاد إلى موطنه يحمل رسالة التعليم والثورة إلى الصغار والكبار، الشباب والشيبة على حد سواء.. معلمًا حاذقًا وخطيبًا مفوهًا.
قام بحشد الشباب للتطوع للجهاد في ليبيا عندما وطئتها أقدام الغزاة الإيطاليين، وحالت القوات الرسمية العثمانية دون سفرهم إلى هناك، وشارك في القوات المحتشدة ضد المحتل الفرنسي في سورية، وخصوصًا ثورة الشيخ صالح العلي.
انتقل إلى حيفا على الساحل الفلسطيني حيث عاش بين الفقراء والفلاحين الذين اضطروا للنزوح من قراهم والعيش في ذلك المستوى البسيط من الحياة بسبب الهجرة اليهودية ومارس التدريس والخطابة في مسجد الاستقلال، الذي كان بؤرة الالتقاء للثوار فيما بعد ، ثم انتسب لجمعية الشبان المسلمين التي تولى رئاستها عام «1926م»، وعمل مأذونًا شرعيًا يجوب المدن والقرى وقد مكنته هذه الوظائف من الاتصال بقواعد المجتمع وبث أفكاره الثورية وانتقاء المجاهدين لتنظيم مسلح شديد السرية.
بعد ثورة البراق عام «1929م» زادت قناعة القسام بحتمية المواجهة المسلحة وتابع اتصالاته وعمله الجماهيري، وبعد حوادث عام «1932م» بدأ يجمع التبرعات لابتياع كميات صغيرة من السلاح استعدادًا للثورة محافظًا خلال اتصالاته وإعداداته على السرية التامة.
وما إن حل عام «1935م» حتى كان قد نظم خمس لجان للدعاية والتدريب العسكري والتمرين والاستخبارات والعلاقات الخارجية وكان على رأس كل فرقة واحد من رجالاته الأوفياء.
أعلن الثورة المسلحة ضد الإنجليز والصهاينة في آن واحد من منبر الاستقلال بحيفاء باسم الله نعلن الثورة، واستشهد في أولى عمليات الثورة، حيث أثر الاستشهاد على الاستسلام للقوات المعادية وقال كلمته التاريخية. إنه جهاد نصر أو استشهاد ، ليحيي في النفوس الروح إحياء عمليًا لا نظريًا منبريًا. كان استشهاد القسام صعقة عنيفة لكل السياسات العربية ألقت بظلالها على المسرح الفلسطيني لترسم ملامح العلاقة بين المحتل والشعب وصورة المواجهة.
وإن كان لنا بعد القسام من شخصية أخرى ينبغي إلقاء الضوء عليها في فلسطين، فليكن الشيخ أمين الحسيني الذي كان سليل أعرق بيوت القدس وعائلاتها، ثم التحق بالأزهر، وبعده التحق بالكلية العسكرية التركية، وانضم للجيش العثماني، ثم اشتغل بعد ذلك بمقاومة المحتل البريطاني والصهيوني في فلسطين.
اعتقله الإنجليز بعد مظاهرة كبرى يوم وصول لجنة الاستفتاء الأمريكية تعبيرًا عن رفض وعد بلفور، ثم أعيد اعتقاله أثناء الاحتفالات في موسم النبي موسى عام «1920م». واستطاع الهرب عبر البحر الميت إلى الكرك ثم دمشق وحكم عليه غيابيًا بالسجن لمدة «15» عامًا، ثم عفي عنه من قبل المندوب السامي عندما حلت الإدارة المدنية محل العسكرية صيف عام «1920م» إثر ضغط شعبي كبير.
فكانت العودة الأولى للقدس، ثم قام بعد الشيخ القسام بمعاودة الجهاد في فلسطين وجمع الأسلحة المقاومة الإنجليز، فاعتبروه المسؤول عن الإرهاب في فلسطين، وأرادوا القبض عليه فغادر إلى بيروت، وظل فيها يتابع شؤون فلسطين لإمداد المجاهدين، ثم هرب إلى العراق بعد التقارب الفرنسي البريطاني، ولحق به عدد من المجاهدين والقادة حتى أصبحت بغداد مركز ثقل القيادة.. ثم اضطر لمغادرة العراق إلى طهران فتركيا فبلغاريا، ثم ألمانيا بعد أن أصبح مطلوبًا حيًا أو ميتًا ومكث في أوروبا حوالي أربعة أعوام. وطالبت بعض الدول الغربية بمحاكمته كمجرم حرب إلى أن استطاع الهرب والعودة لمصر ليقود الهيئة العربية العليا مرة أخرى، ويعيد تنظيم جيش الجهاد المقدس، بعد أن قررت الهيئة العربية وجوب العمل على إعداد الشعب لخوض غمار الكفاح المسلح، وتولى قيادة التجهيز والتنسيق والإمداد بين المجاهدين، وأنشأ منظمة الشباب الفلسطيني التي انصهرت فيها منظمات الفتوة والكشافة والنجادة والجوالة ليتم تدريبهم على السلاح.
بعد وقوع كارثة «1948م» ظل يعمل للدفاع عن القضية الفلسطينية، وزادت ضغوط الخيانات العربية عليه حتى اعتقل في منزله في القاهرة وشددت عليه المراقبة، ولما خفت عنه القيود قليلًا أخذ يقاوم إسكان اللاجئين وأصر على عدم اعتراف العرب بالدولة الصهيونية، ثم تعاون مع قادة الثورة المصرية عام «1952م» لنقل الأسلحة سرًا إلى سيناء لإمداد العمل الفدائي داخل فلسطين، وفي مطلع «1959م» انتقل إلى سورية ثم إلى لبنان، واستأنف فيها جهوده في سبيل هذه القضية، وظل بها حتى وافته المنية عام «1974م»، فدفن في مقبرة الشهداء.
هؤلاء الرجال وأمثالهم هم الذين يرى العالم اليوم أفعال أحفادهم في فلسطين لأنهم صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فجعلهم بعثًا لأمتهم، وجهادًا مستمرًا حتى تتحقق الغايات الكبار، أما الكذابون فصاروا كعصف مأكول، رغم سلطانهم ومناصبهم وأموالهم، وذهبوا كما ذهب الضائعون من قبلهم، لم يرحمهم دهر ولا ذكر ولا تاريخ، وصاروا ذكرى ولكنها بئيسة وحقيرة
رب قـوم قـد أنـاخـــوا حولنا *** يشربون الخمر بالماء الزلال
عصف الدهر بهم *** وكذاك الدهر حال بعد حال
والأمة اليوم فيها، والحمد لله، رجال كالجبال رغم العواصف والقوارع ولكنهم رجال.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل