; رجال المبادئ هم حصون الأمم | مجلة المجتمع

العنوان رجال المبادئ هم حصون الأمم

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 23-أبريل-2011

مشاهدات 62

نشر في العدد 1949

نشر في الصفحة 39

السبت 23-أبريل-2011

يقولون: تعرف الرجال بآثارهم وعزائمهم, والأبطال بأعمالهم وشمائلهم، والدعوات والمبادئ يؤسس لها العباقرة والملهمون، ويحملها الصالحون والمجاهدون، وينتصر بها الصابرون والمرابطون.

 في سبيل الله نمضي نبتغي رفع اللواء فليعد للشرق مجده أو ترق منا الدماء، نكره الظلم ونأبى أن نكون جبناء، نحن للإسلام حصن نحن جند أوفياء، في طريق النور نمشي نقتدي بالأنبياء، سوف نمضي في دروب الأتقياء، دربهم درب المعالي أوفياء أنقياء.

هذا، وكان من رحمة الله بالأمة أن بعث لها على رأس كل مائة عام من يرودها إلى النور والهداية، بعد أن أظلم بها الطريق وتشتت بها الدروب، وكان الشيخ «البنا» هو رأس هذه المائة بلا منازع، وكل من قرأ عنه أو التقى به يقر بذلك ويؤكده، وهذا نذر يسير مما قيل في الرجل نذكر به حتى لا ننسى يقول الحاج «أمين الحسيني» مفتي فلسطين كان الشيخ حسن البنا يرحمه الله يتوقد غيرة، وحمية، وحماسة ضد الاستعمار المعتدي على مصر، وسواها من أقطار المسلمين والعرب، وكان يعمل ما بوسعه لتحرير وادي النيل، والبلاد العربية، والوطن الإسلامي بكل أجزائه، من كل استعمار أجنبي.

 ويقول «محمد محمود باشا» رئيس وزراء مصر آنذاك والله لولا العرف والتقاليد لعينت هذا الرجل وزيرًا للخارجية، وأنا مؤمن أنه سيجعل لمصر في ظرف أشهر مكانة مرموقة بين دول العالم.

ويقول «علي ماهر» رئيس مجلس الوزراء في مصر: «عادت بي الذاكرة إلى عام ١٩٣٥م، حين زارني الفقيد الكريم مع بعض أصدقائه بمناسبة انتقاله بجماعته من الإسماعيلية إلى القاهرة، متحدثًا في بعض الشؤون العامة وكان حديثه يشرح صدري، وأسلوبه يشهد بموفور الثقافة الإسلامية، والبصر بشؤون الأمم العربية، وبراعة المنطق وقوة الحجة وكان إلى ذلك شديد الإيمان بأنه يؤدي رسالة إنسانية سامية، دعائمها الإخاء والمحبة والسلام وبين سكان البلاد جميعا.

ومن أمريكا وأوروبا يقول «جون كوني » استطاع البنا أن يقيم جماعة بداخلها من العوامل ما يضمن بقاءها واستمرارها، وهو ما يؤكده المستشرق الأمريكي «جون كوني» بقوله: «إن جماعة الإخوان المسلمين محصنة ضد الفناء».

أما المستشرق الأمريكي «روبير جاكسون»، فقد وضع كتابًا عن حسن البنا تحت عنوان: «حسن البنا الرجل القرآني» قال فيه: «كنت أتوقع أن يجيء اليوم الذي يسيطر فيه هذا الرجل على الزعامة الشعبية لا في مصر وحدها بل في الشرق كله، إن معركة فلسطين ومعركة التحرير الأخيرة في القناة قد أثبتتا بوضوح أن الرجل صنع بطولات خارقة قل أن نجد لها مثيلاً إلا في تاريخ العهد الأول للدعوة الإسلامية، لقد كان فيه من الساسة دهاؤهم، ومن القادة قوتهم، ومن العلماء حججهم، ومن الصوفية إيمانهم، ومن الرياضيين حماسهم، ومن الفلاسفة مقاييسهم».

ويستطرد «جاكسون» قائلا: «لقد أخذ من عمر (رضي الله عنه) خصلة من أبرز خصاله، تلك هي إبعاد أهله عن مغانم الدعوة، ولطالما كان يحاسب أهله كما كان عمر يحاسب أهله ويضاعف لهم العقوبة إذا قصروا، وأفاد الرجل من تجارب من سبقوه ومن تاريخ القادة والمفكرين والزعماء الذين حملوا لواء الدعوة ولم يقنع بأن يكون مثلهم، ولكنه ذهب إلى آخر الشوط، فأراد أن يستمد من عمر وخالد وأبي بكر (رضي الله عنهم أجمعين)، فأخذ من أبي بكر السماحة، ومن عمر التقشف، ومن خالد عبقرية التنظيم. وفي موضع آخر يقول: «ولم يكن الغرب ليقف مكتوف اليدين أمام مثل هذا الرجل الذي أعلى كلمة الإسلام على نحو جديد وكشف لرجل الشارع حقيقة وجوده ومصيره وجمع الناس على كلمة الله، وخفت بدعوته ريح التغريب والجنس ونزعات القومية الضيقة». ثم يختم «جاكسون» كلامه بالقول: لما سألته عن الإسلام والسياسة، وأنا أرى أنهما لا يتصلان بحال؛ قال لي: أترى أن الإسلام بغير السياسة لا يكون إلا هذه الركعات وتلك الألفاظ ؟ وأن الإسلام في الحق عقيدة ووطن وجنس وسياسة، وثقافة وقانون، ولو انفصل عن السياسة لحصر نفسه في دائرة ضيقة، ولما ترك للمسلمين إلا القشور والمظهريات والأشكال فحدثوني بربكم؛ إذا كان الإسلام شيئا غير السياسة وغير الاجتماع وغير الاقتصاد وغير الثقافة.. فما هو إذاً؟ ويكمل «جاكسون» حديثه بالقول: «إنني على ثقة من أن البنا رجل لا نظير له في هذا العصر، وأنه قد مر في تاريخ مصر مرور الطيف العابر الذي لا يتكرر». ثم يقول: «هكذا الشرق لا يستطيع أن يحتفظ طويلا بالكنز الذي يقع في يده.. إنه رجل لا ضريب له في هذا العصر». 

لقد مر في تاريخ مصر مرور الطيف العابر الذي لا يتكرر.. كان لابد أن يموت هذا الرجل – الذي صنع التاريخ وحوّل مجرى الطريق شهيدًا كما مات عمر وعلي والحسين.. كان لابد أن يموت باكرًا، فقد كان غريبًا عن طبيعة المجتمع.. يبدو كأنه الكلمة التي سبقت وقتها، أو لم يأت وقتها بعد. 

وبعد .. فهذه صفحات تحنان وذكريات وعرفان لا يسع الإنسان إلا أن يعيش معها بحب وشوق وتقدير وإجلال:

 قد يهون العمر إلا ساعة                          وتهون الأرض إلا موضعا 

هذا، ورغم ما كان فيها من ألم الكفاح ووقع الظلم وسيادة البهتان، ولكنها كانت مليئة برضا الرحمن وعفو المنان.. ولهذا، فكل ذلك هان ويهون رغم ما يقولون ويفعلون:

 إن القيود التي كانت على قدمي            صارت سهامًا من السجان تنتقم

 إن الأنين الذي كنا نردده                         سرًا غدا صيحة تصغي لها الأمم 

والحق يبدأ في آهات مكتئب                    وينتهي بزئير ملؤه نقم

 جودوا بأنفسكم للحق واتحدوا                 في حزبه وثقوا بالله واعتصموا

 وأخيرًا، فلقد رجع الهوى ثانية، وأطلقت سهام الإخوة الأعداء من جديد، رغم أنها لم تنقطع أكثر من نصف القرن، هذا ويحاول بعضهم أن يحرموا مصر بل والعالم الإسلامي من الخير العميم، ورغم ذلك فنحن وقافون دائمًا عند قول ربنا ورضاه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تفلحون﴾ (آل عمران: 200). 

فليقولوا ما يقولوا                      أنت من أرجوا رضاه

أنت من يعلم أني                       لك أرخصت الحياه 

الرابط المختصر :