العنوان رجال تتحرك بـ «الريموت كنترول»
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 28-يونيو-1994
مشاهدات 55
نشر في العدد 1105
نشر في الصفحة 37
الثلاثاء 28-يونيو-1994
يتقدم العلم كل يوم وتتطور الاختراعات حتى بلغت منزلة فائقة في الجودة عالية في الأداء، رفيعة في الكفاءة، باهرة في الحُسن والرفاهية، فأصبحت الأجهزة الإلكترونية تستجيب لنداءات الإنسان عن بُعْد، وتأتمر بأمره وتنفذ رغبته وهو عنها ناءٍ، وذلك بواسطة ما يعّرف اليوم «بالريموت كنترول» والحقيقة لقد نبغت البلاد المتقدمة في ذلك حتى أصبحت الأجهزة التلفزيونية والإذاعية بل حتى السيارات وأبواب البيوت وغيرها تُدار «بالريموت كنترول» فزادت الراحة وقل العسر وكثرت رفاهية تلك الشعوب وسعادتها، ولكن عالمنا الثالث جزاه الله خيرًا وأطال في عمره وأكثر من أمثاله وأزاد في مواهبه وأفضاله، قد أخترع لنا أشياء هي في ميزان العلم أعظم وفي لغة العصر أجل وأقدر وفي الحياة الاجتماعية أفضل وأنفع، أخترع لنا رجالًا «بالريموت كنترول» وقد كان هذا الاختراع العظيم مدعاة للفخر عند كثير من الأمم الشرقية!!
والرجال المسيرون «بالريموت» يصبحون في منتهى الطاعة، والأبهة والفهلوة، فحيثما يضغط على الزر، يهتف، وتضغط على الزر الآخر يصفق، وعلى آخر يزغرد، وعلى آخر «يعمل عجين الفلاحة» وإذا أدرت «الريموت» وأردته هائجًا مائجًا، كان في منتهى الطاعة تضغط على الزر الأول، يشتم ويلعن، وعلى الثاني يتهم ويتوعد، وعلى الثالث يخترع ويفبرك، وعلى الرابع: يضرب ويقتل، هذا وقد أنتشر هذا الاختراع العجيب ودربت عليه الشعوب والأمم حتى أصبحت تضغط على الريموت فتعزف لك الشعوب عزفًا جماعيًا أو فرديًا، أو تقدم لك موسيقى شجية أو جنائزية أو عسكرية، أو أغاني سحرية أو أناشيد وطنية، أو تضغط على زر آخر فتخرج الأمة في زفة سلطاني على نغم نهواني يتقدم ركبها الميمون وعلمها المصون أراجوزات من كل حدب وصوب، وتتفرج يا سلام على أعاجيب العصر والأوان، والحقيقة أن ظاهرة العبيد هذه والاستسلام المُطلق لهؤلاء المروضين أو المدربين قد شغلت المصلحين ولفتت أنظار المراقبين وشدت انتباه الباحثين، خاصة وأنها قد غزت الأوساط الثقافية والفكرية وهذا شيء مفجع، لأنه يدل على عدم تماسك خلقي أو قيمي أو إنساني، وعلى ضياع نفسي وفكري واجتماعي كبير، يحاول أعداء الأمة أن يجعلوه طبيعة لنا وأساسًا في بنيتناوهم الذين زرعوه ودربوا عليه وما زالوا يحمونه بأساليب كثيرة ومتنوعة.
فالمؤامرة إذن على إذلالنا قديمة حديثة، لأن أمتنا في القديم وفي الحديث كانت تنافس على المجد العالمي والتقدم الحضاري والرقي الإنساني، وهم يعلمون ذلك ويعونه ولكنها الحرب الثقافية والنفسية التي تُصَبُّ علينا صبًا وربما نشارك نحن فيها يجهل أو بخبث طوية نجد هذا من قديم عند اليونان، لأن الحضارة المصرية كانت منافسة وغازية، فلابد أن يقابلها «أرسطو» اليوناني بالتوهين فيقول: إن شعوب العالم ليست على صنف واحد بل منها سادة وعبيد، ويتربع على عرش السادة الشعب اليوناني، وهناك صنف آخر هم عبيد خلقوا لخدمة غيرهم لأن بعض الناس بطبيعتهم «سادة» وبعض الناس بطبيعتهم عبيد فالرِق بالنسبة لهؤلاء نافع بقدر ما هو عادل، ثم يوجه رسالة إلى تلميذه الإسكندر الأكبر ينصحه فيها بمعاملة اليونان معاملة القائد في حين عليه أن يعامل الشرقيين معاملة السيد لعبيده.
هذا في القديم، أما في الحديث فإننا نرى ما تفعله الأمم بنا من نهب لثرواتنا، ونسيان لحقوقنا، وإذلال لنفوسنا، وضياع لشخصيتنا ونحن الأعلون بنَص القرآن الكريم وتعاليم الأديان الصحيحة وغير المحرفة، قال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: 139) ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (سورة آل عمران: 110) ولكن هل نحن اليوم على مستوى هذه التعاليم؟ هل نحن بحق نريد أن نرفع أنفسنا ونصل إلى مكانتنا؟ أم أننا نحب أن نظل أضحوكة الأمم نعيش دُمی ونموت دُمی، نفتت طاقاتنا ونهلك حيويتنا، ونسير وراء أهواء وأغلاط وافتراءات، تمقت الأطهار ونُدنَي الأشرار، ونضرب كل شريف، ونفني كل مؤمن، ونقتل كل مبدع، ونحارب كل إصلاح.
طعنوا جبابرة الكفاح وألصقوا *** عار الخؤون بجبهة الأبطال
ورموا بخنجر كيدهم من قدموا *** زهر الشباب لمذبح الآمال
بثوا عيون البغي فينا، واشتروا *** بعض النفوس حقيرة بالمال
قد حورب الأحرار في أرزاقهم *** من ظالم في الظلم ليس يبالي
ما عاد قول الحق غير جريمة *** تأتي لكل مواطن بو بال
وبعد، أأظل أمضي في الحياة بلا لسان أو فم، أبكي على حريتي بالدمع يقطر بالدم، وأعيش عيش الذل عيش العبد عيش الأبكم، ألقى الهوان وأنحني للمستبد المجرم، وأرى البلاد ذليلة وأقول «يا بلدي أسلمي» وهل تظل أنت وأنا وهم وهن إلى آخر الضمائر والأسماء والأفعال تُدار «بالريموت كنترول»؟!!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل