العنوان رجال حماس وعظم المسؤولية
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 18-فبراير-2006
مشاهدات 70
نشر في العدد 1689
نشر في الصفحة 45
السبت 18-فبراير-2006
هناك الكثير من الرجال الذين يستطيعون تحمل المسؤوليات وتكون لهم عزائم لا تمل ولا تكل في وطننا الإسلامي، ولكنهم مبعدون عن القرار، ومنحون عن السلطة، الناس تعرفهم، والشعوب تتطلع إليهم وتؤمل فيهم، وتحبهم وتريدهم وتثق بهم، وإذا شاء الله أن يسمح للشعوب بالاختيار الحر فإنها تسارع إلى انتخابهم وتقديمهم لتحمل المسؤوليات الجسام، ورفع الظلم البين من الاستعمار أولًا، ومن بني جلدتهم ثانيًا: وقد شاء الله سبحانه أن توجد فرصة قليلة في مصر للاختيار فسارع الناس إلى انتخاب الإخوان المسلمين وتقديمهم على غيرهم؛ رغم زخم الإعلام وردح المنافقين والمفسدين والمنتفعين في الهجوم على الجماعة ورجالها. ويقوم الإخوان - رغم الظروف السيئة اليوم - بحمل الأمانة وبذل أقصى جهد في إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الظلم والفساد والضياع.
وجاءت فرصة أخرى لحماس في الانتخابات الفلسطينية في البلديات أولًا ففازت حماس في البلديات المهمة، ورأى الناس همة الرجال في خدمة الشعب والمحافظة على مقدراته وتقديم المثل الصالح الذي ينبغي أن يحتذى في الأمة، وجاء هذا بعد معرفتهم في ساحة الوغى وغمرات النزال لليهود والصمود البطولي الذي جعل مجرم الحرب شارون ينسحب من قطاع غزة صاغرًا مندحرًا، فرأى الناس صنفًا عجيبًا وجيلًا جديدًا يأبى الهزيمة ويتطلع إلى النصر المبين، ويتحمل الأمانة بنوعيها الجهادية والاجتماعية، فراهن الناس عليهم في الانتخابات التشريعية رغم اعتراض اليهود وتخويف الناس من أثر صعودهم، على مستقبل ما يسمى بالسلام وما يستجدى من معونة الاستعمار الغربي التي ألهى بها طلاب المال والسلطة ليفعلوا ما يراد لليهود وأتباعهم، وكأنهم يعطون الناس ثمن الذلة والمسكنة والخنوع فضلًا عن مواصلة القتل والتدمير والاستعباد.
هذا كله والشعب الأبي يتململ غضبًا وحنقًا، ولكنه محكوم - كغيره من الشعوب العربية - بشلة من المهزومين نفسيًا وحربيًا واجتماعيًا. ولما جاءت فرصة الانتخابات التشريعية وتقدمت حماس احتضنها الشعب المشتاق لرؤية الرجولة وكبر العزائم التي صارعت الأهوال سنين عددا، وفازت حماس فوزًا كاسحًا فاجأ الجميع. الصديق قبل العدو، حتى سماه البعض زلزالًا حقيقيًا تجاوزت أصداؤه المنطقة العربية والكيان الصهيوني إلى المحيط العالمي، وكشر الكل عن أنيابه وتخوف المصلحون إشفاقًا على حماس، ولسان حالهم يقول عند رؤيتهم للعقبات الكثيرة:
ولو كان همًا واحدًا لاحتملته *** ولكنه هم وثان وثالث
ولكن أبناء حماس - أحفاد الأبطال العظام - سيجتازون، إن شاء الله الهموم جميعًا ويضعون - بعون الله - الحق في نصابه لأن همتهم أكبر من كل هذه التوقعات، نصرة لدين الله ورفعًا لراية الجهاد الحق، وكأنهم يقولون ما قال عقبة الذي خاض بفرسه غمار البحر عند انتهاء الغزو الإسلامي إليه، وهو يقول: «لو أعرف أن وراءك أرضًا لخضت بفرسي هذا غازيًا في سبيل الله.
والحقيقة أنه إذا كان الإسلاميون في الدول الأخرى يواجهون تحديات متنوعة سواء كانوا في المعارضة أو في سدة الحكم، فإن الأمر بالنسبة لحماس سيكون مضاعفًا وذا تعقيدات كثيرة منها:
1- التعامل مع الاحتلال البغيض واستمرار المقاومة رغم أنها في الحكم، مع أنه سيفرض عليها التعامل المباشر مع الاحتلال بشكل يومي، فماذا ستفعل؟
٢- التعامل مع النظام الإقليمي والدولي المناصر للكيان الصهيوني والذي يطلب من حماس ما لا يمكن تحقيقه، خاصة وهو يهدد بقطع المعونات عن السلطة.
٣- التعامل مع الوضع السياسي الداخلي والفلتان الأمني، ومع العملاء وأباطرة السياسة الفاسدين، والفصائل المختلفة التي ربما تفضل إحراج حماس على نصرة القضية والتعاطي مع الإصلاح.
٤- بناء نظام سياسي ديموقراطي حديث وتحديد المسؤوليات الغائبة والمتنازع عليها بين رئاسة في يد فتح وحكومة في يد حماس.
5- مشكلة الدعم التي قرر الكيان الصهيوني بدوره قطع ما تجبيه من ضرائب وقررت أمريكا قطع المعونة، وتبعها الغرب في ذلك، وهو عصب الحياة للسلطة الفلسطينية في دفع رواتب ١٤٠ ألف موظف وفي تطوير المرافق والخدمات.
٦- بناء نظام اقتصادي مستقل عن الكيان الصهيوني، وفك الارتباط الفلسطيني اليهودي، رغم أن الكيان يوظف العمالة الفلسطينية التي تشكو من البطالة ويعيش الكثيرون من الناس تحت خط الفقر.
7- النظام الأخلاقي الذي يتطلب تربية من نوع خاص، منعًا للانحدار الذي يؤدي مستقبلًا إلى تحلل الأمة المجاهدة.
8- وحدة الحركة والفصائل والشعب الفلسطيني الذي تعصف به الفتن والمؤامرات خاصة مع كثرة العملاء، والأمر في حاجة إلى تقديم اجتهادات وتجاوزات معينة حتى تتقدم المسيرة.
وعلى كل فإن الشعب الفلسطيني قد نادي حماس إلى حمل التبعة وقد لبت الحركة النداء متمثلة قول طرفة بن العبد:
إذا القوم قالوا من فتى خلت أنني *** عنيت فلم أكسل ولم أتبلد
تقدمت حماس لحمل التبعة فهل تنهض معها أجيال الأمة وأحرارها الذين يريدون العزة والكرامة والدفاع عن فلسطين؟