العنوان رجل لكل العصور.. محمد بن عبد الوهاب
الكاتب راشد السالم
تاريخ النشر الثلاثاء 04-مارس-1980
مشاهدات 81
نشر في العدد 472
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 04-مارس-1980
• الشيخ محمد بن عبد الوهاب كان هو أول من أزال الغبش حول علاقة السياسة بالعقيدة
* منذ العهد الأول للإسلام... منذ هبوط الوحي وانبثاق النور من تلك الأرض... أرض الجزيرة... وبعد تحول الخلافة والملك عنها... انزوت الجزيرة فترة طويلة عن صنع أحداث التاريخ الإسلامي... تاركة لعواصم العالم الإسلامي صياغة التاريخ... فقد ظلت بغداد ودمشق والقاهرة وإستانبول تتبادل الأدوار في صناعة أبطال الإسلام... وكاد التاريخ يقول إن الجزيرة عجزت عن أن تلد مثل صلاح الدين الأيوبي والظاهر بيبرس ويوسف بن تاشفين ومحمد الفاتح... عجزت أن تلد مثل أبطالها الأوائل من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم...
ولكن الله جل وعلا شاء أن يبدأ التاريخ الإسلامي المعاصر بصحوة إسلامية تنطلق من نفس الأرض... من الجزيرة... انطلقت من ذلك الشاب السائح في الأرض... بين البراري والصحاري... وتحت لظى الشمس المحرقة... انتقل من قبيلة إلى قبيلة... من أرض إلى أرض... لا يطلب مالًا ولا جاهًا... ويطل من ينصر دعوته... مع رجل غير وجه الجزيرة وأعاد صياغة تاريخها... مع رجل معلم ما زال الجميع يتعلم منه... مع رجل كل العصور... مع محمد بن عبد الوهاب.
نقل فؤادك حيث شئت من الهوى *** ما الحب إلا للحبيب الأول
وهكذا تنقلت أمجاد الإسلام في كل بقاع المسلمين وتناءت بعيدًا عن مهدها الأول... ولكن ما إن خبا نورها وكاد ينطفأ حتى مدت الجزيرة ذراعيها تحتضن هذا الدين لتعيد مجده من جديد... لقد عادت الأمجاد إلى مهدها الأول ليصنعه أبناؤها... ولينطلق ذلك الشاب الأسمر العربي المنحدر من بطون تميم العربية... نصار الحق في آخر الزمان وأشد الناس على الدجال أبناء إسماعيل عليه السلام... انطلق ذلك الشاب يرفع الراية الأولى ناصعة نقية كما رفعها النبي صلى الله عليه وسلم.
وأبناء هذه الجزيرة هم صنو الإسلام وحماته، لقد امتزجت فطرهم السليمة -بادئ الأمر- مع هذا الدين لكي تصنع منه منهجًا واقعيًا فهم يحنون ويشتقون لبطولاته كلما تجولوا وطافوا بتلك البقاع التي طافها الأبطال الأوائل... هذا الدين يشتاق إليهم فهم أول منزل وأول حب.
* وكم هي مفخرة أن يخرج رجلًا من بطون تلك الصحراء والأودية والجبال... يخرج من جديد ليعيد للإسلام رونقه وإنني أقف مليًا أمام الفكر الذي دعا إليه هذا الرجل الأسمر ابن الجزيرة وشيخ الإسلام ومجدد العصر... أقف أمام فكره السلفي النقي الذي تميز بالوضوح والنقاء والإيجابية.
محمد بن عبد الوهاب سبق حسن البنا في كثير كما سبق المودودي في أكثر... وسبق سيد قطب... وربما البعض تفوق عليه إلا أنهم جميعًا في النهاية استفادوا منه حركيًا وجهادًا.
وفكر هذا الرجل سلفي صرف... ولكنه ليس سلبيًا من الأحداث كما هو حاصل اليوم وفكر لا يجبن من القوى الشريرة... كما أنه فكر جهادي إيجابي فعال وليس مجادلات ونقاشات في قضايا لا تعني الواقع ولا ينبني عليها عمل إلا بطرق ملتوية.
لقد استفاد من ابن تيمية كل الاستفادة ولكنه لم يقف عند الحدود التي وقف عندها ابن تيمية بل تخطاها وإن كان ابن تيمية قد ارتضى لنفسه مواجهة العلماء من أهل الكلام والمنطق ودافع عن العقيدة من هذا المنحى فإن ابن عبد الوهاب تجاوز هذا المنحى إلى الدخول إلى واقع الناس الاجتماعي المنحرف... وإن كان ابن تيمية قد ارتضى الجهاد بالكلمة لتغيير الواقع السياسي فإن ابن عبد الوهاب لم يرتض غير السيف بديلًا بعد أن قام معه المجاهد الورع محمد بن سعود... وإن كان ابن تيمية أقام مدرسة في الفقه والمنطق تستمد أصولها من الكتاب والسنة فإن ابن عبد الوهاب أقام دولة تستمد أصولها من الكتاب والسنة استمرت حتى حملة علي باشا والي مصر ثم لم تعد كما كانت.
ونحن هنا لا نعني التفضيل بين التلميذ والأستاذ بقدر ما نعنى بإبراز الجانب الإيجابي والعملي من حركة محمد بن عبد الوهاب.
* وإن القارئ لظلال القرآن ومؤلفات المودودي لا يعجب عندما يرى معظم ما كتبوه ما هو إلا نتاج قد سطرت في مؤلفات ابن عبد الوهاب الصغيرة... وليس سيد هو أول من تعامل مع المجتمعات على معايير الإسلام والجاهلية... بل سبقه المودودي... كما أن المودودي لم يكن هو الأول بل الأسبق في هذا المضمار هو محمد بن عبد الوهاب... فقد ألف «مسائل جاهلية» لكي يتتبع المظاهر العامة في المجتمع الجاهلي الأول ويناظرها بمظاهر مجتمعه المعاصر لذا تجده يستخدم في رسائله مصطلح الجاهلية الأخرى معبرًا عن واقعه المعاصر ومميزًا عن الجاهلية الأولى التي حاربها الرسول صلى الله عليه وسلم وهذا واضح في «الدرر السنية».
* وليس سيد هو أول من نبه عن الغفلة حول علاقة السياسة -من حيث كونها تشريعا وتنفيذا- بالعقيدة وليس أول من اعتبر الحاكمية أخص خصائص الألوهية من جانب تنفيذ العبادة والربوبية من جانب أمر الرب تعالت قدرته... لا شك أن سيد أكثر من سلط عليها الأضواء وأبرز من مات من أجل هذه الحقيقة... بل أبرز من عاش من أجلها في عصره... ولكن محمد بن عبد الوهاب هو أول من أزال الغبش حول علاقة السياسة بالعقيدة... فالكفر بالطاغوت عند ابن عبد الوهاب يعني بغض ومحاربة الحاكم الجائر المغير لأحكام الله تعالى من جانب ومن جانب مختلف الحاكم الذي لا يحكم بالإسلام ابتداءً وهذا واضح في رسالته السابعة الموجودة في «تسع رسائل».
إن قضية الحاكمية أخذت موقعًا بارزًا في الفكر السلفي الإيجابي النائي عن الجدل الكلامي والمنطق الفلسفي لذلك كان أثر ابن عبد الوهاب الاجتماعي والسياسي بالغًا في التاريخ.
ولأن سيد اعتبر العمل شرطًا أساسيًا في ادعاء الإسلام... كما اعتبر سلامة الولاء من الشرك ركن لا يستغنى عنه في ادعاء الإيمان... لأن سيد فعل ذلك اتهم بالتكفير عند البعض والغريب بأن هذه التهمة قد بثها أعداء ابن عبد الوهاب لأنه اشترط هذا الشرط ورفض أي ادعاء بالإسلام ما دام المرء يزاول الاعتداء على حق من حقوق الله ويحترم بقية حقوق الله ويوزع ولاءاته لغير الله فقد اعتبر هذا عين الشرك... ولم يقبل مقولة «لا إله إلا الله» ما دام هناك ما يخالفها، ويسرد ابن عبد الوهاب في كتابه «مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم» سبعة أدلة من أفعال السلف تحقيقًا لاجتهاده وتبيينًا لرأيه... ثم يشن حملة شعواء على من خالفه في هذه القضية والحقيقة عن الاثنين أنهما لم يعنيا تكفير الأعيان من الناس بقدر ما كانا يريدان توضيح حقيقة الكفر من الإيمان والشرك من الإسلام... هذا مهم جدًا لمعرفة آراء الرجلين.
* وليس المودودي هو أول من وضح حقيقة الألوهية والربوبية والعبودية والدينونة بأسلوب عصري واقعي... بل إن هذه القضية أخذت مساحات شاسعة في رسائل ابن عبد الوهاب وكتبه... إن القارئ يشعر بنبض التوحيد متدفقًا في كل كلمة كان يكتبها هذا المجاهد...
لقد حارب كل طرق الشرك سواء في القبور التي كادت أن تقتل بنبض التوحيد في جزيرة العرب ومهد الإسلام... أو العلم بصفات الله التي أخذت طابعًا جدليًا فلسفيًا أو في التشريع والحكم الذي أوغل كثيرًا في الانحراف عن منهج الله... لقد أخذت الدولة العثمانية بتقليد الغرب في كثير من مناحي الحياة حتى كادت الحياة العامة تتشابه مع حياة الغرب.
* ومحمد بن عبد الوهاب أبرز رجال التاريخ المعاصر المعروفين بالخروج على السلطان المنحرف عن منهج الله... سواء كان انحرافه جزئيًا أو كليًا ففي كلتا الحالتين تظل «الطاغوتية» هي السمة البارزة في الحكم عند ابن عبد الوهاب الذي يرى أنه ما كانت سمة «الطاغوتية» تصم الحكم فلا بد من الخروج... ويرى أن هذا هو مذهب أفاضل السلف... فهو مذهب الحسين كما أنه مذهب ابن الزبير ومذهب ابن جبير وغيرهم من السلف الصالح.
فلذلك خرج محمد بن عبد الوهاب على السلطان العثماني «عبد الحميد خان الأول» وعلى السلطان «سليم خان الثالث»... كما استمر أتباعه في هذه السياسة حتى أسقطوا ولاة الدولة في الحجاز واستولوا على أطراف العراق والشام...
إن معارضة الأنظمة الجاهلية هي مبدأ السلفي كان بدايته الخروج عن السلطان المنحرف فلما أصبح ولاء السلطان لغير الله... بحكمه بغير ما أنزل الله أصبح الأمر أكثر صراحة ووضوحًا وضاق معه الخلاف حول هذه النقطة ولم يختلف حول هذه النقطة إلا من له غرض ما.
* كان محمد بن عبد الوهاب مجددًا بمعنى الكلمة... وتلك الصفحات القليلة المكتوبة بعجالة سريعة لا تفيه حقه... بل هو يستحق أكثر من ذلك... فهو بطل من أبطال الحركة الإسلامية بطل كما أن حسن البنا بطل... ومجاهدًا كما أن سيد مجاهد... مفكر كما أن المودودي مفكر... وهو في قلوبنا له المكان اللائق بين أولئك الأبطال والمجاهدين والمفكرين... وإنني لا أجد غرابة بأن الأرض التي احتضنته لم تؤسس جامعة باسم هذا الرجل... وهو يعتبر بحد ذاته مدرسة حركية للأجيال المقبلة.
إن مما يثلج الصدر أن تقوم الهيئات العلمية في السعودية بتكريم هذا البطل في أسبوع محمد بن عبد الوهاب التي تقيمه جامعة محمد بن سعود