العنوان رحلة مع كتاب (التطور والثبات في حياة البشر)
الكاتب الأستاذ محمد قطب
تاريخ النشر الثلاثاء 08-يوليو-1980
مشاهدات 68
نشر في العدد 488
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 08-يوليو-1980
الفطرة هي الأصل في تصرفات الإنسان
هذا العصر هو عصر التطور. إنهما النغمة الأكثر رواجًا في عالم كل شيء فيه يتغير!! وقضية التطور مرتبطة ولا شك. بقضية الدين، لأن الدين «في حس البشرية يمثل الثبات: ثبات الإله وثبات العقيدة وثبات العبادة وثبات القيم...»
وموقفنا -نحن المسلمين- من قضية التطور ينبغي أن ينطلق من وعينا للملابسات التاريخية والثقافية التي تبلور فيها مفهوم التطور في الواقع الغربي، إلى جانب الاستجلاء الكاشف لمعالم مفهوم التطور في ديننا الإسلامي وحضارتنا الإسلامية.
إن كتاب الأستاذ محمد قطب -الذي نقدمه اليوم- يتناول هذه القضية في أسلوب مقنع ومنطق رائع وتحليل دقيق.
والكتاب يعالج هذه القضية من أربعة جوانب: «1» المفهوم الغربي للتطور وأسبابه ونتائجه في الحياة الغربية، «2» وحقيقة الفطرة البشرية، وما تشتمل عليه من جوانب ثابتة وجوانب متغيرة، «3» والمفهوم الإسلامي للإنسان وطريقة الإسلام في معالجة الثابت، والمتغير في حياة البشرية، «4» والموقف الراهن للحضارة الغربية وللإسلام، وما يحمله الموقف من دلالة المستقبل البشرية.
والموضوع -كما يرى المؤلف- «واسع... والقضايا التي يتناولها شديدة الخطورة... وهو في حاجة إلى دراسة واسعة مستفيضة جادة في كل مناحي التفكير والحياة... وما يتسع بحث كهذا لكل جوانب الموضوع بطبيعة الحال، ولكن حسبه أن يتناول القضية في جوهرها بل حسبه أن يفتح الباب للتفكير».
* المفهوم الغربي للتطور:
في العصور الوسطى كان «الثبات» هو الطابع المسيطر على الحياة كلها في الغرب. وكان مفهوم الثبات في أوروبا مستمدًا من الدين، وكان من ضمن نتائج الحروب الصليبية أن التقت أوروبا ببقايا الحركة الإسلامية مما كان له أثر في إيقاظ الحياة في أوروبا فكانت حركة البعث العلمي وكان تحطيم النظام الإقطاعي، وحين بدأت أوروبا تتحرك أخذت الحركة تصطدم بمفهوم «الثبات»! وكان أمرًا طبيعيًا أن تقوم الحركة في أوروبا على غير أساس الدين، لأن الدين -كما صورته الكنيسة - يمثل الثبات المطلق في جميع الأمور، ولأن الكنيسة كانت غولا بشعًا يطارد الناس في يقظتهم ومنامهم.
ثم جاءت «النهضة» واستغرقت قرونًا، وهي تقاتل سلطان الكنيسة وتقيم الحياة بعيدًا عن سلطان الدين. وقام الصراع في نفوس الناس بين مفهوم النهضة ومفهوم الدين.
وقد أسهمت عوامل متعددة في تصعيد حدة ذلك الصراع العنيف.
فقد أصدر «داروين» كتابيه «أصل الأنواع» و«أصل الإنسان» الذي قال فيهما إن الإنسان أصله حيوان! وقد سنحت فرصة كبيرة من جراء ذلك للإجهاز على الغول الذي يضطهد الناس بسلطان الدين واندفع الجميع -الجماهير والعلماء! - وراء «هيجة» التطور وأن كل شيء يتطور، حتى الدين فإنه ينبغي أن يتطور!!
ثم جاء الانقلاب الصناعي وأحدث تغييرات عميقة لم تقف عند حدود العلاقات الاقتصادية والاجتماعية وإنما تعداها إلى نواحي الحياة، ونشأ مع الرأسمالية الصاعدة جيل يمارس لونًا من الحرية السياسية لم يكن موجودًا من قبل!
وتفككت روابط الأسرة فأحدث ذلك تغيرًا ملحوظًا في صورة المجتمع!
ثم تدخل «العلم» ليكمل صورة التغير، حيث قفز التقدم العلمي قفزًا هائلًا وغير شكل الحياة البشرية!
لقد تجمعت حصيلة كل هذا في «اتجاهين متصاحبين: التطور من ناحية، ومن ناحية أخرى الابتعاد التدريجي عن الدين» «وقد استغلت اليهودية العالمية نظرية «داروين» أبشع استغلال: استغلته على يد ثلاثة من أكبر علمائها، قاموا بصياغة الفكر الأوروبي كله في ميدان الاقتصاد وعلم النفس والاجتماع، أخطر ثلاثة ميادين في عالم الفكر على أساس معاد للدين، بل محطم لكل مفاهيمه. أولئك هم: ماركس وفرويد ودور كايم».
ومن حصيلة أفكار هؤلاء حدثت حركات ضخمة في المجتمع الغربي في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين التقت توجيهاتها على الحملة على الدين والأخلاق وتحطيمهما باسم العلم والبحث العلمي والربط بين هذا التحلل الديني والانحلال الخلقي وبين «التطور»!
إذن: ففكرة التطور في أوروبا كانت تهدف إلى تحطيم الدين وتخليص الناس من سلطان التقاليد والأخلاق التي كانت مرتبطة بسلطان الكنيسة اللامعقول، وهي فكرة تأثرت بظروف وملابسات الواقع الأوروبي قبل عصر النهضة وبعده!
*الفطرة البشرية بين الثبات والتغير:
الفطرة هي الأصل في تصرفات الإنسان، والأدوات والآلات في ذاتها تعبير عن الفطرة ولذلك فهي تسير على هدى الفطرة في تطبيقاتها العملية.
إن تطور الأدوات وأساليب الإنتاج لا ينشئ جديدًا في كيان الإنسان، وإنما يحقق ما كان كامنًا من قبل في ذلك الكيان، فهو تحقيق للفطرة وليس تغييرًا لها.
ولكن قد ينشأ سؤال: أليس التغير في صورة الحياة -في ميادينها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية - يقوم على تطور أساليب الإنتاج؟
الجواب -في رأي المؤلف- هو: لا... وأوضح مثال على ذلك هو الإسلام. فـ«أية قوة مادية، أية تغييرات في أساليب الإنتاج في الجزيرة العربية، أو في العالم أجمع هي التي أدت -بصورة حتمية- إلى ظهور محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وسلم- يدعو إلى هذا الإسلام ويبشر بالدين الجديد؟!».
إننا -كما يقول المؤلف- «لا نلغي على الإطلاق قيمة التطور العلمي أو التطور الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، ولا نقول إنه لا يغير شيئًا في واقع الحياة. ذلك كلام لا يقوله العقلاء، كمن يقول: إن الطفل الرضيع كالرجل البالغ في جميع الأوضاع، وما قصدنا إلى شيء من ذلك، بل نحن نميل إلى إبراز هذا التطور إبرازًا واضحًا ملموسًا... ولكننا نرده إلى الفطرة ونرد الفطرة إلى مشيئة الله وقدره».
إن الدوافع الفطرية ثابتة في الإنسان، فحب الحياة دافع فطري، فهل يجيء على البشرية طور لا تحب فيه الحياة؟ وحفظ الذات والنوع دوافع فطرية يتفرع عنها دوافع الطعام واللبس والسكن والملك والقتال والجنس ونحوها... أليست هذه دوافع ثابتة؟
فنأخذ مثلا نزعة الطعام.
إنها نزعة فطرية ثابتة ولكن صورة الطعام قد تتغير وتتطور فالإنسان في عصر الصيد يأكل فريسة نيئة، ثم يتاح له اكتشاف النار فيطهو اللحم قبل أن يأكله، ثم يرتقي ويستحدث مختلف الأدوات لطهو الطعام وتناوله... ثم يرتقي أكثر فيتأنق في الطعام ويتفنن، ما الذي تغير؟ نزعة الطعام ذاتها أم صورة الطعام؟
وكذلك جميع الدوافع الفطرية ثابتة في جوهرها، لكن صورها تتغير وفقًا لجهود الإنسان نفسه في الاكتشاف والعلم والاختراع.
*المفهوم الإسلامي للتطور:
إن الإسلام لا يعوق التطور بل يدفع إليه، ولكنه يضع المبادئ التي توجه إلى الخير وتمنع الانحراف. فيتمثل فيه الثبات والتطور في وقت واحد.
ثبات القواعد وتطور الأشكال، ويتميز الإسلام بــ «المرونة الكاملة التي تسمح بالنمو والصلابة الكاملة التي تمنع الانحراف، وهو يستمد مزيته الكبرى في هذا الشأن من مطابقته التامة للفطرة الثابتة الجوهر، المتغيرة الأشكال».
إن الإسلام باعتباره كلمة الله إلى البشر-«يشمل جميع جوانب الفطرة، فلا يركز على جانب ويهمل بقية الجوانب، ويساير الفطرة من جميع جوانبها ويعطيها غذاءها الحق، فما كان منها ثابتًا أعطاه التشريع الثابت وما كان منها متغيرًا سمح له بالتغير المطلوب، وبذلك فهو دين الفطرة وهو كذلك دين البشرية كلها في جميع عصورها وجميع تطوراتها».
إن كل انحرافات البشرية التي تلبس ثوب التطور هي رجعيات جاء الإسلام ليقومها ويصححها، لأن مقياس التطور في الإسلام ليس عامل الزمن، فما كان قديمًا فهو رجعي وما كان حديثًا فهو متطور... لا... وليس الأدوات التكنولوجية التي يسرت سبل العيش هي مقياس التطور... بل الإنسان هو المقياس... وكيفية استخدام الإنسان لتلك الأدوات هي المقياس.
إن الإسلام يرى بأن انحرافات البشرية اليوم تكمن في القضايا الثابتة التي اختلت وانهارت في حضارة القرن العشرين: قضية العقيدة والنفس الواحدة وقضية الجنسين وقضية الإنسانية الواحدة.
إن اختلال هذه القضايا نتج عنه هذا التمزق النفسي والروحي الذي يعيشه الإنسان المعاصر، وهذا الهبوط المربع إلى دركات الانحلال الخلقي والفكري.
*مستقبل البشرية بين الغرب والإسلام: -
لقد انحرف الغرب وانحرف المسلمون، هذه حقيقة مؤلمة... ولكن هناك فرق رئيسي بين انحراف المسلمين وانحرافات الغرب وهو أن الغرب لا يملك أساسًا للتقويم، أما نحن المسلمين فنملك هذا الأساس.
«نحن نملك الأساس السليم للقوة والتقدم والحضارة الإنسانية... وعيبنا أننا لا ننشئ حياتنا وحضارتنا على ذلك الأساس السليم، وذلك سر تخلفنا وسر ما فينا من ضعف وانحراف».
ومع ذلك فالمؤلف ليس متشائمًا من مستقبل البشرية، فهذا الواقع السيئ هو الذي سيهدي البشرية إلى الصواب. إنه يقول:
«لم يعد لدى حضارة الغرب رصيد طيب تعطيه.
إن التقدم العلمي هو الرصيد الوحيد الذي سيسلمه الغرب للبشرية، وهو من الأصل رصيد البشرية كلها على مدار الأجيال... ولكن الغرب -فيما عدا هذا- لا يملك الكثير».
البشر في حاجة إلى تحول جذري... وأساس انحرافها يكمن في البعد عن الله تعالى وفي تشويه التصور الإنساني للإنسان.
إذن... ما هو العلاج؟
العلاج -باختصار- هو العودة إلى الله، ثم تصحيح تصور الإنسان لنفسه.
إن دور المسلمين هو أن يكونوا دائمًا في الطليعة ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (البقرة: 143) والمسلمون في حاجة إلى أن يعرفوا الإسلام معرفة حقيقية ثم يعيشون في واقع الحياة، وهذا هو الطريق السليم لعودة المسلمين إلى قيادة البشرية ولعودة الإسلام لحفظ التوازن الدقيق بين الثابت والمتغير في حياة البشر.
نورمان - أوكلاهوما
8/6/1980م
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل