; ردود الأفعال المسيحية على قرار «ترمب» بخصوص القدس في الميزان | مجلة المجتمع

العنوان ردود الأفعال المسيحية على قرار «ترمب» بخصوص القدس في الميزان

الكاتب السنوسي محمد السنوسي

تاريخ النشر الخميس 01-فبراير-2018

مشاهدات 78

نشر في العدد 2116

نشر في الصفحة 46

الخميس 01-فبراير-2018

 «فرانسيس» اكتفى بالشعور بالقلق العميق ومناشدة جميع الأطراف ضرورة احترام الأوضاع حسب قرارات الأمم المتحدة

الكنيسة المصرية دعت إلى ضرورة الحفاظ على الوضع القانوني للقدس في إطار المرجعيات الدولية والقرارات الأممية

مسيحيو القدس: أسوأ القرارات وأخطرها لأنه يستهدف العاصمة الروحية والوطنية لشعبنا

رد الفعل المسيحي باستثناء المطران حنا لم يكن على المستوى المأمول حيث اكتفى بالتعبير عن القلق

«الإندبندنت»: قرار «ترمب» جاء لإرضاء ناخبيه من المتطرفين المسيحيين الذين جاؤوا به إلى السلطة

على إثر قرار الرئيس الأمريكي «دونالد ترمب» نقل السفارة الأمريكية من «تل أبيب» إلى القدس، والاعتراف بالقدس عاصمةً لـ»إسرائيل»، توالت الإدانات والاحتجاجات الرافضة للقرار؛ على المستويات الرسمية والشعبية، العربية والدولية، الإسلامية والمسيحية، وهي إدانات واحتجاجات وإن جاءت، خاصة على المستوى الرسمي، غير متناسبة مع قضية بحجم القدس، فإنها دلت على ما للمدينة المقدسة من مكانة، بما لا يمكن تجاوزها والعبث بها.

السؤال المطروح: إلى أي مدى جاء رد الفعل المسيحي المندد بالقرار؟ هل كان وفق المأمول والمطلوب، أم دون المستوى؟

فيما يلي سنورد عدداً من ردود الأفعال المسيحية تجاه قرار «ترمب»، ثم نرى مدى مناسبتها لقضية القدس؛ تلك المدينة التي لها مكانة عظيمة عند المسيحيين، كما عند المسلمين.

قلق عميق

في رد فعل سريع، عقب القرار الأمريكي، طالب البابا «فرانسيس»، بابا الفاتيكان، بضرورة احترام الأوضاع القائمة في القدس، طبقاً للقرارات الصادرة عن الأمم المتحدة.

ونقلت “هيئة الإذاعة البريطانية” (بي بي سي) عن بابا الفاتيكان قوله: “لا أستطيع كتمان الشعور بالقلق العميق إزاء التطورات التي ظهرت على السطح خلال الأيام الماضية، وأناشد بكل قوة جميع الأطراف ضرورة احترام الأوضاع الراهنة في القدس بما يتفق مع قرارات الأمم المتحدة”.

من جانبها، أعربت الكنيسة القبطية المصرية عن قلقها البالغ من القرار الأمريكي بالاعتراف بالقدس عاصمة لـ”إسرائيل”، مؤكدة أنه “يتعارض مع كافة المواثيق الدولية بشأن القدس”.

واعتبرت الكنيسة، في بيان رسمي، أن نقل السفارة سيؤدي إلى مخاطر كبيرة تؤثر سلباً على استقرار منطقة الشرق الأوسط بل والعالم ككل، داعيةً إلى ضرورة الحفاظ على الوضع القانوني للقدس في إطار المرجعيات الدولية والقرارات الأممية في هذا الشأن.

وفي سياق آخر، وبعد أن أعلن شيخ الأزهر د. أحمد الطيب رفضه استقبال نائب الرئيس الأمريكي، قال القمص بولس حليم، المتحدث الإعلامي للكنيسة القبطية الأرثوذكسية: إن الكنيسة القبطية تعتذر عن عدم استقبال “مايك بنس”، نائب الرئيس الأمريكي؛ وذلك نظراً للقرار الذي اتخذته الإدارة الأمريكية بخصوص القدس عاصمة لـ”إسرائيل”، في توقيت غير مناسب ودون اعتبار لمشاعر الملايين من الشعوب العربية.

أما الأمين العام لمجلس الكنائس العالمي القس “د. أولف فيسك تفييت”، فقد أعرب عن قلق المجلس من قرار الإدارة الأمريكية، وقال: على الولايات المتحدة أن تمارس دوراً محورياً في تشجيع ودعم المفاوضات البناءة بين السلطة الفلسطينية وحكومة “إسرائيل” لإحياء عملية السلام.

وشدد على أن فرض هذا القرار على وضع القدس لن يؤدي إلا إلى مزيد من خيبة الأمل وزيادة التوتر.

رد فعل قوي

وفي أقوى رد فعل مسيحي، أعلن المطران عطا الله حنا، رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس بالقدس، رفضه قرار «دونالد ترمب» الاعتراف بالقدس عاصمة لـ»إسرائيل».

وقال المطران حنا، لدى لقائه مع عدد من الإعلاميين العرب والأجانب: «لم نتفاجأ من هذا الموقف الأمريكي المعادي لشعبنا ولقضيته العادلة، فهناك قرارات ومواقف أمريكية كثيرة معادية للشعب الفلسطيني وللأمة العربية، ولكننا نعتقد بأن هذا الإجراء الرئاسي الأمريكي الأخير إنما هو أسوأ القرارات وأخطرها؛ لأنه قرار يستهدف العاصمة الروحية والوطنية لشعبنا، إنه قرار يستهدف المسيحيين والمسلمين؛ وهم أبناء الشعب الفلسطيني الواحد المناضل من أجل الحرية».

وأكد المطران حنا عدم الاستسلام لقرار «ترمب»، قائلاً: «سنتصدى كفلسطينيين لهذا القرار الأمريكي الجائر، الذي نعتبره إساءة لنا جميعاً وتطاولاً غير مسبوق على مدينتنا، التي ستبقى عاصمة روحية ووطنية لشعبنا وحاضنة لأهم مقدساتنا المسيحية والإسلامية».

وتابع: «نتساءل: من الذي أعطى الصلاحية للرئيس الأمريكي؟ ومن الذي خوَّل له لكي يقوم بهذا الإعلان؟ هل يظن أن تاريخ مدينة القدس المجيدة يمكن أن يُلغى وأن يُشطب بتوقيع منه على ورقة وفي مسرحية كوميدية شاهدها العالم كله؟ كما أن توقيع الرئيس الأمريكي وقراره لا قيمة له بالنسبة إلينا؛ لأن تاريخ مدينة القدس وهويتها وتاريخها وتراثها هي أقوى بكثير من كل قرارته وإجراءاته التعسفية بحق شعبنا وبحق مدينتنا المقدسة».

وناشد المطران حنا المرجعيات الروحية المسيحية في العالم بنصرة القدس والشعب الفلسطيني، وبرفض القرار الأمريكي الظالم الذي يستهدفنا جميعاً.

مواقف خجولة

وهكذا نرى أن هذه التصريحات والمواقف المسيحية رداً على قرار «ترمب» -باستثناء ما صدر عن المطران عطا الله حنا- تصريحات ومواقف خجولة جداً؛ إذ اكتفت بالتعبير عن القلق من القرار، الذي رأت أنه سيؤدي إلى مخاطر كبيرة تؤثر سلباً على استقرار المنطقة والعالم، وإلى المزيد من التوتر، بدلاً من أن تدين القرار في ذاته، وترفض التدخل الأمريكي الذي ينم عن غطرسة واستعلاء بالقوة، ويحاول فرض رؤاه بسياسة الأمر الواقع، وليس بطرح حلول، أو حتى وساطة، من خلال الحقوق والاتفاقيات والأعراف الدولية!

وإذا كانت القدس لها تلك المكانة المتميزة عند المسيحيين، لما تضمه من كنائس وأديرة ومقابر ومعالم مهمة، وأشهرها كنيسة القيامة، فإن رد الفعل لم يكن على هذا المستوى، لا سيما إذا علمنا أن الوجود اليهودي في فلسطين والقدس كان وجوداً عابراً في التاريخ، وأن الرومان -قبل الإسلام- أخلوا فلسطين من اليهود، ومنعوهم من دخول القدس، وأن البطريرك “صفرونيوس” هو من طلب من فاتح القدس عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، أن ينص في “العهدة العمرية” على ألا يقيم في القدس يهود: “وألا يسكن بإيليا أحد من اليهود”(1)!

نعم، لقد جرت في نهر العلاقات المسيحية اليهودية مياه كثيرة، ونشأ تيار “المسيحية الصهيونية” الذي يرى عودة اليهود لفلسطين شرطاً ضرورياً لنزول المسيح عليه السلام، وحتى من لم يَنضوِ من المسيحيين تحت عباءة هذا التيار، فإنه بات أكثر تسامحاً مع اليهود، بعدما تمت تبرئتهم من دم المسيح، من خلال قرارات من أعلى المجامع الكنسية(2).

ولعل هذا ما جعل صحيفة “الإندبندنت” البريطانية ترجح أن قرار “ترمب” جاء لإرضاء قاعدته الانتخابية من المتطرفين المسيحيين الذين جاؤوا به إلى السلطة.

فقد ذكر الكاتب “كيم سينجوبتا”، في مقال له، أن هناك الكثير من المسيحيين الإنجيليين الذين يؤمنون بنبوءة “نهاية الزمن”؛ التي تشير إلى سيطرة اليهود على القدس بالكامل، وصدام الحضارات، وظهور المسيح، فلا يبقى أمام اليهود إلا دخول الدين المسيحي، أو الموت من غضب الله، وفقاً للنبوءة المزعومة.

ولذا أقول: المسيحيون، وخاصة مسيحيي الشرق، عليهم دور كبير في تأكيد عروبة القدس، وألا يتركوها فريسة للأطماع الصهيونية، وما يواليها من تيارات مسيحية متصهينة، وقد جاء وقت إدلاء المسيحيين بالشهادة المطلوبة منهم؛ وهي أن القدس، وفلسطين عامة، لم تعرف التعايش بين أصحاب الشرائع المتعددة إلا في ظل الإسلام، ويكفي دلالةً على ذلك أن مفاتيح كنيسة القيامة ما زالت حتى الآن بيد عائلة مسلمة، يتوارثها أفرادُها جيلاً بعد جيل، منذ أن حرر القدسَ صلاحُ الدين الأيوبي عام 1187م!

هذا هو درس التعايش المؤكَّد من التاريخ، وذلك هو الدور الواجب على المسيحيين الآن.

الهامشان

(1) انظر: «القدس الخالدة»، د. عبدالحميد زايد، ص: 178 وما بعدها، طبعة الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2000م.

(2) انظر مقالي: “مئوية “بلفور”.. بريطانيا لا تؤمن بثقافة الاعتذار”، موقع “إسلام أون لاين”، بتاريخ 6 نوفمبر 2017م.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

2057

الثلاثاء 17-مارس-1970

الافتتاحية

نشر في العدد 1

1113

الثلاثاء 17-مارس-1970

مع الصحافة في كل مكان