العنوان ردود عَلى أَباطيل.. حسَن صعب في محاضرته الإسلَام يَتوَافق مَعَ عَلَمنة الدَولَة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 16-نوفمبر-1976
مشاهدات 66
نشر في العدد 325
نشر في الصفحة 16
الثلاثاء 16-نوفمبر-1976
المعركة بين الإسلام وأعدائه قدر من قدر الله الذي لا يرد، فلقد خلق سبحانه وتعالى آدم ليحمل راية الحق وإبليس ليفسد في الأرض.
وأعداء الله لا يرقبون في المؤمنين إلا ولا ذمة، ولو استطاعوا لما تركوا على ظهر الأرض من يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فهم يستخدمون جميع وسائل العنف والقتل والإبادة ما كان بوسعهم ذلك، فإذا شعروا بضعف ودارت الدائرة عليهم تظاهروا بالجنوح إلى السلم.. وخلال هذا الذي يسمونه سلمًا يشنون حربًا فكرية وحملات تشكيك من أجل أن يعود الناس إلى جاهلية جهلاء بعد أن من عليهم بنعمة الإسلام.
وما يجري على الأرض اللبنانية يؤكد لنا حقيقة ما يخطط له أعداء الإسلام على مختلف نحلهم وتباين أفكارهم، يستوي في ذلك الصليبيون والباطنيون والاشتراكيون عملوا طويلًا حتى يبعدوا المسلمين عن عقيدتهم، ويغرسون بذور الشك في نفوسهم، ثم يتركونهم حيارى فلا هم مسلمون ولا نصارى، وبعد حملات التشكيك جاءت الحرب اللبنانية، فكانت خسارة المسلمين فيها فادحة، وها قد عادت الدعوة إلى العلمانية - بعد اعلانهم عن إنهاء الحرب وتوقفها.
والدعوة إلى العلمانية ينادي بها اليساريون والرأسماليون الصليبيون والباطنيون، وغير مستغرب ذلك فما عندهم عقائد ثابتة يحرصون عليها، وأهم شيئًا عندهم أبعاد المسلمين عن دينهم وتصوراتهم.
ومن بين الدعوات إلى العلمانية محاضرة للدكتور حسن صعب تحت عنوان: الإسلام يتوافق مع علمنة الدولة- سبق أن ألقاها في دار الإفتاء في لبنان، وسوف نتعرض للشبهات التي أثارها الدكتور في محاضرته.
فالعلمانية اصطلاح أوروبي يعتمد على مصدر واحد للمعرفة هو العقل ويرفض المصادر الأخرى كالوحي والإيمان بالغيب، فالعلمانية تقف في الطرف المعاكس لكل دين من الأديان، والعلم بريء من هذا الاصطلاح الذي نسبوه إليه.
يحاول الدكتور صعب أن يفرق ما بين - العلمنة- والعلمانية- فيرى أن العلمنة لا صلة لها بالإلحاد، بل هي حرية الاعتقاد وعقلنة الحكم... ومن غير شك يظهر لنا من المحاضرة عمق ثقافة المحاضر الغربية وجهله أو تجاهله للعلوم الإسلامية.
فهو إذن يفسر العلمنة بأنها عقلنة الحكم، ويفسر عقلنة الحكم فيقول:
- نعني بعقلنة الحكم وتأنيسه أن تكون السيادة فيه للإنسان أي للجماعة أو للأمة أو للشعب من حيث إنه هو مصدر جميع السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية.
وينقل أقوالًا تؤيد رأيه في العقلنة لكن أصحاب هذه الأقوال، أما من السابقين الذين تأثروا بغلاة المعتزلة أو من المتأخرين أصحاب الشكوك والشبهات وتلامذة المستشرقين الغربيين، لكنه ما استطاع أن يأتينا بدليل من كتاب الله وسنه رسوله ﷺ ، أو من أقوال الصحابة أو التابعين.
ولما كان أكثر كلامه مبنيًا على - العقلنة- التي هي تفسير لمعنى -العلمة، لهذا نتوقف قليلًا في مناقشته:
غريب أن يقول الدكتور بأن الجماعة أو الأمة أو الشعب هو مصدر التشريع..، فالتشريع عند المسلمين أنزله الله على نبيه ﷺ ، والرسول ﷺ فصل هذه الأحكام بحيث كان تفصيله بأمر الله.
-وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي وإجماع علماء المسلمين أو اجتهادهم يكون فيما لا نص فيه، ولا يجوز أن يعارض هذا الإجماع آية من كتاب الله أو حديثًا لرسول الله ﷺ .
ثم يخلط المحاضر ما بين السلطتين التشريعية والتنفيذية ويجعلها حقًا من حقوق الشعب وسيادته، أما التشريع فهو كما أسلفنا لله سبحانه وتعالى، وليس للأمة كلها أن تغير مادة واحدة من الدستور أو القوانين الإسلامية التي ورد فيها دليل واضح، أما السلطة التنفيذية فهي التي يجوز الاجتهاد في اختيارها فأبو بكر رضي الله عنه اختار عمر بن الخطاب، ووافق أهل الحل والعقد على هذا الاختيار، وعمر بن الخطاب ترك الأمر لمجموعة من أهل الحل والعقد.. وسواء جرى اختيار الخليفة حسب الاجتهاد الأول أو الثاني لا بد من موافقة أهل الحل والعقد وليس للخليفة أو لأهل الحل والعقد أن يشرعوا أو يغيروا نصوصًا شرعية أو ينسخونها..
وإنه لتلاعب واضح من المحاضر أن يخلط ما بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، ويوهم الناس بأن الذين لهم الحق في اختيار الخليفة هم الذين يشرعون.
المرجع في كل أمر من الأمور، وينادي باستقلال العقل وقدرته وأنه مصدر التشريع وسن الأنظمة وما يراه هذا العقل هو الإسلام انظر إليه يقول:
- أي طريق استخرج بها العدل والقسط فهي من الدين وليست مخالفة له-.
- فإذا ظهرت أمارات العدل، وأسفر وجهه بأي طريق كان فثم شرع الله ودينه-
نقل المحاضر هذا الكلام عن كتاب لمصطفى زيد ونجم الدين الطوفي عنوانه - المصلحة في التشريع الإسلامي- وكان عليه أن ينظر في دليل هذا القول ويستحيل أن يكون له دليل.
فالعقل الإنساني قاصر وضيق ومحدود، وقد يقرر العقل بأن الأمر الفلاني عدل ثم يراه - بعد عام- باطلًا، والعقل إذن ليس أصلا لثبوت الشرع في نفسه لأن المعلوم مستغنيًا عن العلم. فوحدانية الله، وأسمائه وصفاته، وكتبه ورسله، وملائكته ثابتة سواء علمنا بها أو لم نعلم، بل هي مستغنية عن علمنا بها؛ لأن عدم علمنا بالحقائق لا ينفي ثبوتها في أنفسها.
والأصل عند المسلمين الكتاب مع قناعتنا والسنة، وليس العقل باستحالة تعارض العقل مع النقل، ولنفرض جدلًا بوقوع التعارض فنحن نقدم النقل للسبب التالي:
دل العقل أصلًا على صحة النقل ووجوب قبول ما أخبر به الرسول ﷺ ، ثم عاد ينقض هذه الدلالة وذلك يوجب فسادها، وإذا تعارض دليلان أحدهما علمنا فساده، والآخر لم نعلم فساده كان تقديم ما لم يعلم فساده أقرب إلى الصواب من تقديم ما يعلم فساده.
والعقل ينفي اليوم ما سبق وأثبته، وأهل الفترات وضعوا أحكامًا على العباد، وجدت العقول التي تنورت بالشرع بهتانها وضلالها وجهلها مع أنهم أدركوا بعقولهم أشياء وافقت الشرع، لكن بقيت عقولهم قاصرة عن إدراك أكثر ما جاء به الشرع، رغم أنها كانت عقولًا باهرة.
فالعقل إذن قاصر الإدراك في علمه ومفتقر إلى التنبيه، والإنسان كلما يأته زمن يعقل ما لم يكن يعقله ولا يختص ذلك عنده بمعلوم دون معلوم ولا بذات دون صفة ولا فعل دون حكم.
-والعقلنة- أهم ما في محاضرة حسن صعب، ومن العقلنة انتهى إلى القول بأن الإسلام ديمقراطية اجتهادية مطلقة.
غير أنه راح يلمز بالصحابة رضوان الله عليهم كقوله: إن عليًا رضي الله عنه أحرق ناسًا من الزنادقة. وهذه الواقعة غير ثابتة ومضى ينتقد عهد الصحابي الجليل معاوية بن أبي سفيان ويصف عهده بالاستبداد والعصبية.. وهو يتجاهل حقائق التاريخ أو هكذا قرأ في مؤلفات المستشرقين.
وأخيرا: فالإسلام ما زال قويًّا والحمد لله، وخصومه يسلكون مسالك المنافقين في حربه، فهم يتظاهرون بتأييده والدفاع عنه في حين يعملون ما يوسعهم على هدمه والقضاء عليه:
﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهۖ وَالله خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (الأنفال:30)-.
لم يستطع حسن صعب أن يهاجم الإسلام كلية فراح يتحايل بما أسماه -الإسلام يتوافق مع علمنة الدولة وهي خطة خبيثة سبقه بها المستشرقون والمستغربون.
ولحسن صعب أن يكتب حسب أهوائه وميوله لكن قرونه ستتحطم على صخرة الإسلام التي لا تقهر.
وعلى المسلمين في لبنان أن يحذروا كل الحذر من هذه الأراجيف التي يشيعها أعداء الإسلام، ونحن المسلمين لا نرضى غير الإسلام نظامًا ومنهاجًا وشريعة، نحن المسلمين لا نرضى العلمنة ولا العلمانية، ونرفض الديمقراطية والعقلنة.
نرفض كل هذا، لأن الله أعزنا بالإسلام ومهما ابتغينا العزة بغير الإسلام أذلنا الله.