العنوان ردًا على أبي موسي الحريري(٣): تناقضات حول شخصية ورقة بن نوفل
الكاتب د. سليمان البدر
تاريخ النشر الثلاثاء 13-يونيو-1989
مشاهدات 75
نشر في العدد 920
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 13-يونيو-1989
أشرنا في نهاية الحلقة الثانية إلى
استشهاد المؤلف بآيات من القرآن الكريم ليدلل على رأيه الفاسد بشأن علماء النصارى
في مكة، ونستكمل عرضنا لهذه المقاصد لكشف زيف ادعاء المؤلف في كتابه «قس.. ونبي»..
يقول المؤلف في صفحة ٢٥ إن قوله تعالى:
﴿يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ
دَرَجَاتٍ﴾ (المجادلة:11) أن الله يرفع علماء النصارى إليه كما يرفع المؤمنين به،
بينما نص الآية هو ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ
تَفَسَّحُوا فِي المَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ
انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ
أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (المجادلة:11).
ويقول فيها المفسرون قولاً غير الذي
أراده أبو موسى الحريري وذهب إليه فالمراد من هذه الآية توجيه النداء إلى المؤمنين
المصدقين بالله وبرسوله أن يتحلوا بالخلق الرفيع فيتوسعوا في المجالس احتراما
لبعضهم البعض وخضوعا وطاعة لأمر الله وطمعا في رحمته وجنته، وليعلموا أن الرفعة
عند الله بالعلم والإيمان لا بالسبق إلى صدور المجالس، فالله يرفع المؤمنين
الممتثلين لأوامره وأوامر رسوله وبخاصة العاملين منهم (انظر: صفوة التفاسير
للصابوني، بیروت ۱۹۸۱ حتى ٣٤١).
وفي نفس الصفحة يستشهد بقوله تعالى:
﴿وَأُوتِينَا ٱلْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾ (النمل:٤٢) ليقول إن
أهل العلم هم في القرآن النصارى المسلمون قبل المسلمين، وهم الذين آمنوا بالقرآن
قبل سواهم، ويتناسى هذا المؤلف أن هذه الآية كما تشير التفاسير جاءت على لسان نبي
الله سليمان -عليه السلام- ذاكرا نعمة
الله وفضله عليه، فقد آتاه الله العلم بالله، وكان مسلما لله تعالى قبل بلقيس ملكة
سبأ في اليمن، ونص الآية: ﴿فَلَمَّا جَآءَتْ قِيلَ أَهَٰكَذَا عَرْشُكِ ۖ قَالَتْ
كَأَنَّهُۥ هُوَ ۚ وَأُوتِينَا ٱلْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾.
• مقصد الحريري:
إن خلاصة ما يريد أبو موسى الحريري أن
يفرضه على القارئ القبول بصفة العلم الخاصة
بالقسيسين والرهبان أن هذه الصفة لا
تقتصر على ملة دون أخرى وهو يشير بأن القس ورقة كان من هؤلاء الرهبان المتبحرين في
الكتب حتى غدا عالما بها عارفا في تفاصيلها مفسرا لها، شارحا بیاناتها، فبشر
بتعاليمها ممارسًا لفرائضها، قائما على عبادتها مفصلا أسرارها، لكأنه الخبير
الحكيم الذي قصده القرآن العربي في قوله: ﴿الٓر ۚ كِتَٰبٌ أُحْكِمَتْ ءَايَٰتُهُۥ
ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ صفحة (٢٦)، وهل يحق له أن ينزع من
صفحات
الرحمن ما يشاء ليسبغها على راهب عرف
الكتب المقدسة السابقة على القرآن الكريم؟ وهل نظر في صفحات العلي القدير، وقرأ
آياته وتفسيرها وأسباب نزولها؟ ولا شك أن ورقة بن نوفل، كما أوردت كتب السيرة على
علم بالتوراة والإنجيل، وقد ذكرت أحاديث الوحي ذهاب خديجة بنت خويلد بزوجها رسول r إلى ابن عمها ورقة بن نوفل ليطمئن منه
على ما يعترضه من عوارض مع بداية نزول الوحي، ولكن لا يمكن أن يتفق مسلم في إخفاء
صفات خارقة على ورقة بن نوفل، أو ان يقبل منه قوله بأنه كان معلمًا لرسول
الله ويهمس في أذنه ما يشاء من الوحي.
إن أبا موسى الحريري يحاول أن يجعل من
القس ورقة نبيا يوحى إليه، ويشير إلى أنه كان من أتباع الأبيونية، (وهي فئة من
اليهود المتنصرين، وقد سبق أن عرضنا بالتفصيل لها وتريد هنا إلى أن الاسم مشتق من
الكلمة بمعنى الفقراء) وكانت تطلق على جماعة مسيحية مبكرة ركزت على الظواهر
اليهودية في المسيحية، وفي وقت لاحق غادر أفرادها فلسطين وانتشروا لبعض الوقت في
الأردن وسوريا وأسيا الصغرى ومصر، وعبدوا إلها واحدا، وعيسى عندهم هو المسيح وابن
الإنسان. والنبي الحق، وتداولوا إنجيل متى – انظر الموسوعة البريطانية.
• تناقض:
ويناقض المؤلف نفسه مرة أخرى حين يزعم
بأن القس ورقة بن نوفل من الغنوصيين الكسائيين المتبحرين في الكتب ويورد المؤلف
تعريفا للكسائيين في ص ٢٢ بقوله: «الكسائية نسبة إلى الكسائي، تذهب في الغنوص إلى
أبعد حد، وتسمى أنصارها « أهل العلم» وتعتقد في المسيح أنه بشر كسائر البشر، وأن
المسيح فارق يسوع قبل استشهاده، وان الروح القدس تارة هو (أم) المسيح فهو بالتالي
مؤنث وطورًا هو الملاك جبرائيل فهو
مذكر، وتذكر القواميس أن الغنوصية هي
نزعة فكرية ترمي إلى مزج الفلسفة بالدين.
وفي صفحة ٢٨ يذكر المؤلف أن القس كان
يعكف على نقل الكتاب وتقريبه، وهذا الكتاب
هو «الإنجيل العبراني» المعروف لدى
آباء الكنيسة والواسع الانتشار في الأوساط النصرانية.
ويقول إن الإنجيل العبراني هذا كان
وحده دون سواه من الأناجيل بين يدي القس ورقة، ويستدل على ذلك وذكره دون غيره في
كتب السيرة والحديث، وبدليل ذكر القرآن لإنجيل واحد معرفًا بالألف واللام، ولا ترد
فيه صيغة الجمع حين أنه كانت هناك «أناجيل» متعددة معروفة منذ العصر الأول
للمسيحية... ثم لا يلبث المؤلف أن يناقض نفسه في صفحة 9 عندما يقول: وإن القرآن
العربي عرف عن كتاب الإنجيل الذي كان القس ورقة بن نوفل ينقله إلى العربية، وهو
الإنجيل العبراني الذي يأخذ الأبيونيون بتعاليمه وفرائضه، في حين أننا لا ننكر
وجود تعاليم نصرانية أخرى كانت تطوف في أجواء القس والنبي ومردها إلى أناجيل أخرى
وكتب نصرانية أخرى وجدت بين شيع نصرانية عرفنا وجودها في مكة.
• التوراة والإنجيل مزوران:
غير أننا لا نريد مناقشة المؤلف في هذا
التناقض، فليس هذا قصدنا إن من يعرف قواعد اللغة العربية يعلم علم اليقين أن
القرآن والتوراة أيضًا لا يردان في صيغة الجمع إطلاقا وليس الإنجيل فقط، كما أن ما
قصده رب العالمين هو التوراة والإنجيل اللذان أنزلهما الله على موسى وعيسى عليهما
السلام، وليس ما ظهر من كتب مقدمة حرفها المحرفون وعرضوها في مجامع لهم، إنها تريد
إبراز هذه الافتراءات على القرآن وعلى نبي المسلمين، وتقرر حقيقة يعلمها ويؤمن بها
كل مسلم وهي أن الرسول محمد
r كان
يتلقى الوحي مباشرة من ربه وأن إيمان المسلمين بالرسل كافة وبكل ما أنزله الله لا
يتطرق الشك فيه إلى عقولهم، كما أن ما جاءت به الكتب المقدسة من تعاليم أو شرائع
إنما هي من عند الله، ولكن لا يقبل مسلم يعرف أبسط قواعد دينه أن يفرض عليه بأن
قرآنه هو من تعاليم القس وتعاليم علماء النصارى واليهود، والسبب في ذلك أن القرآن
الكريم قد بت في الأمر قبل أن يظهر علينا المغرضون والمشككون الذين ساروا على منهج
كفار قريش وأهل الكتاب.. ونود أن نعرض بعضًا من آيات الذكر الحكيم للتذكير والذكرى.
القرآن من عند الله:
يقول الله تعالى في سورة يوسف، الآيات
1-٣:﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا
عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ
هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾.
ويقول جل وعلا في سورة الإنسان الآية:۲۳ : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْءَانَ
تَنزِيلًا﴾
وفي سورة النمل الآية السادسة يقول رب
العزة: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾
وفي سورة الأنعام الآية 19 قوله تعالى:
﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً ۖ قُلِ اللَّهُ ۖ شَهِيدٌ بَيْنِي
وَبَيْنَكُمْ ۚ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَٰذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن
بَلَغَ ۚ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَىٰ ۚ قُل
لَّا أَشْهَدُ ۚ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا
تُشْرِكُونَ﴾.
ويتحدى جل جلاله في سورة الإسراء الآية
۸۸ بقوله: ﴿ قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ
يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ
بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾.
وفي سورة يونس الآيتان ٣٧ – ٣٨ :
﴿وَمَا كَانَ هَٰذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ اللَّهِ وَلَٰكِن
تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن
رَّبِّ الْعَالَمِينَ أَمْ يَقُولُونَ
افْتَرَاهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن
دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾.
ثم يوصي الله رسوله بالثبات والحذر من
المشككين، والغامزين فيقول جل وعلا في سورة هود الآية ١٢: ۱۳: ﴿فلَعَلَّك تَارِك بَعْض مَا يُوحَى
إِلَيْك وضائقُ بِهِ صدْرُك أَن يَقُولُوا لَولا أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَو جَاءَ
مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنت نَذِيرٌ واللَّهُ عَلى كلِّ شىْء وَكيلٌ أَمْ
يَقُولُونَ افْترَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشرِ سوَر مِّثْلِهِ مُفْترَيَات وادْعُوا
مَنِ استَطعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صدِقِينَ﴾.
وفي سورة المائدة الآية (1) يقول رب
العزة: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ
أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ
إِلَيْكَ ۖ فإن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ
ذُنُوبِهِمْ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾
وإن ما أشرنا إليه من آيات القرآن
الكريم لهو جزء من آي الذكر الحكيم التي تشير إلى
أن القرآن منزل من رب العالمين على
خاتم المرسلين محمد بن عبد الله
،
غير أن أبا موسى الحريري وأمثاله يريدون أن يجعلوا من محمد تلميذا نجيبا تفوق على
أستاذه القس الذي أراد اختيار محمد ليكون قسًا وراعيا للكنيسة في الجزيرة العربية
وليس رسولا إلى الناس كافة، وكأنهم لم يقرأوا قوله تعالى: ﴿وما أَرْسَلْنَاكَ
إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَٰكِنَّ أكثر النَّاسِ لَا
يَعْلَمُونَ ﴾. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ قُلْ
إِنَّمَا يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ فَهَلْ أَنتُم
مُّسْلِمُونَ﴾ (الأنبياء ۱۰۷ – ۱۰۸).
﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ
عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ (الفرقان: ١).
• ورقة في زمن عبد المطلب:
ونعود مرة أخرى إلى نصوص مؤلف موسى
الحريري ونتابع افتراءاته وادعاءاته الباطلة، يقول في صفحة ۳٠: «إن ورقة كان رئيسا على كنيسة مكة
النصرانية في زمن عبد المطلب وفي فترة حياة محمد، وكان له فيها دور روحي وزمني،
فعليه تقوم مهمة قيادة الكنيسة، وتعليم الناس وإرشادهم وتفسير الكتاب وتأويله، وبه
تناط خدمة الهيكل... عليه تقوم مهمة تفقيه رعيته الوحي ومعاني التنزيل، يفصل لهم
آيات الكتاب وينقل إليهم ما عجم منه، وييسره لهم بلسان عربي مبين ويثبتهم في
آياتهم، ويزكيهم من خطاياهم، ويهديهم إلى الصراط المستقيم » ويتبع هذا قوله في صفحة
٣١: وكما كان القس ورقة (رئيس النصارى) هكذا سيكون محمد أول المسلمين وليس أدل على
ذلك من كثرة اهتمام القس بالنبي نفسه، فهو الذي زوجه من خديجة وهو الذي دربه على
التأمل والصلاة في غار حراء، وهو الذي أعلن نبوته على العرب كما سترى .
من منطوق هذا النص فإن أهل مكة
النصرانية لم يكونوا في حاجة إلى رسول بل إلى راع للكنيسة، وكما سبق أن ذكرنا في
الحلقة الأولى وسقط في بعض الكلمات فإن الرسول المصطفى في نظر الكاتب قد اختير
فقط، ومن قبل القس ليكون قسا وراعيا للكنيسة في الجزيرة العربية.
هذا إلى جانب أن الناس لم تكن لهم حاجة
إلى نبي ورسول طالما كان ورقة يعلمهم ويرشدهم وييسر لهم ما عجم من آيات الكتاب
بلسان عربي مبين، إلى جانب تزكيتهم وهدايتهم إلى الصراط المستقيم، ولكن نظرا لأن
ورقة بن نوفل قد طعن في السن فإنه درب وعلم محمد ليتولى هذه المسؤولية ويعلن نبوته
على العرب ولذلك يكون محمد «أول المسلمين» بتعاليم القس.
• استشهاد مزور:
ويستشهد المؤلف بالقرآن زورا وبهتانا
فيورد «أول المسلمين» هذه ليدلل على رأيه ويتناسى النصوص الكاملة في القرآن
والمتعلقة بأول المسلمين فلو رجعنا إلى الآيات التي استشهد بها الكاتب لقرأنا قوله
تعالى في سورة الأنعام الآية ١٤:﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا
فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ ۗ قُلْ إِنِّي
أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ ۖ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ
الْمُشْرِكِينَ ﴾ أما في الآية ١٦٣ من نفس السورة وما قبلها فتنص على ما يلي:
﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ العَالَمِينَ
لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ أما الآية
١٣ من سورة الزمر التي استشهد بها المؤلف فهي مرتبطة بالآية التي قبلها والآيات
التالية لها، وتنص على قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ
مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ وَأُمِرْتُ
لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ
قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ قُلِ
اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُم مِّن دُونِهِ ۗ
قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ ۗ أَلَا ذلك هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾.
• تساؤل:
ونتساءل: هل في الآيات السابقة ما يفهم
منه أن الرسول آمن بدعوة ورقة بن نوفل وأصبح مسلما له داعيا لدعوته، مقيما تعاليمه
وراعيا لكنيسته؟
ألا يمكن اعتبار هذا الاستشهاد جرأة
على كتاب الله وعلى نصوص قرآنه لأهداف لم تعد خافية على المسلمين؟ وأخيرا ألا
يعتبر ما أورده من معلومات تزويرا لتاريخ أمة ولويًا لحقائق تاريخية؟
عندما
ويقول المؤلف في صفحة ٣١ – ٣٣ : وربما
شعر بعض كتبة الأحاديث والسيرة النبوية بهذا الدور الخطير وأعلنوا عن أهمية القس
في الوحي قال: (ولم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي) أو عندما امتدحه النبي بعد موته
في قوله: (أبصرته في بطنان الجنة وعليه سندس) أو (إني رأيت له جنة أو جنتين) ويوعز
مصدره في النص الأول صحيح البخاري بشرح الكرماني، ويوعز مصدره في النصين الأخيرين
إلى السيرة الحلبية يذكرها في المرجع باسم إنسان العيون في سيرة الأمين المعروفة
بالسيرة الحلبية، تأليف ابن برهان الدين الحلبي وبهامشها السيرة النبوية والآثار المحمدية
المعروفة بالسيرة المكية تأليف السيد أحمد زيني المشهور بدحلان، مطبعة الاستقامة
بالقاهرة ١٩٦٢.
• قضية إسلام القس:
ويستخدم المؤلف المصدر الأخير هذا
كثيرًا يستقي أحاديث رسول الله فيما يتعلق بالقس وإسلامه ويقول: «إلى حين يختلف
أهل السيرة والأخبار في موت القس إن كان على الإسلام أو على النصرانية إلا أن
مفهوم أهل السيرة والأخبار النصرانية، كدين يختلف عن الإسلام فيه نظر، ومفهومهم
لرسالة القس كونها تختلف عن رسالة النبي فيه أيضًا نظر ثم يورد هذه الأحاديث
النبوية: «لقد رأيت القس يعني ورقة في الجنة، وعليه وثياب الحرير».
«أبصرته في بطنان الجنة، وعليه السندس».
«وقد رأيته، فرأيت عليه ثيابا بيضاء وأحسبه أو
كان من أهل النار، لم تكن عليه ثياب بيض».
«ولا تسبوا ورقة، فإني رأيت له جنة أو جنتين
لأنه آمن بي وصدقني».
ولذلك يستشهد بهذه ليقول عن مصير ورقة
وإن لم تؤيد إسلامه فإنها تؤيد إيمانه وهدايته وبالتالي نجاته بل نجاته في أعلى
درجات الجنة، اما استشهاده بحديث البخاري «ولم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي»
فيقصد به الدلالة على ما كان علمه القس بالنسبة للنبي «لقد كان له المعضد الأمين
والمرشد الحكيم والوسيط الطاهر بينه وبين الله.
ويعود في صفحة ٣٤ ليكرر هذا القصد
بقوله:
إننا لا نفهم من تعاليم القرآن شيئا إن
غابت عنا تعاليم الإنجيل العبراني الذي كان القس يعمل على نقله من لغته العبرانية
إلى اللغة العربية، كما أننا نعجز عن فهم الكثير من قصص الأنبياء إلا الأقدمين،
ومن تعاليم التوراة والإنجيل الواردة في القرآن، أن تردها إلى أصلها والمصدر الذي
عنه أخذت.
ثم يقول يصعب علينا في كل حال أن نفهم
استمرارية الوحي على الأنبياء وأخذ بعضهم عن بعض تعاليمهم وقصصهم وشرائعهم، إن لم یكن
هناك من يضمن هذه الاستمرارية وهذه التعاليم، ويكون بالتالي الواسطة بين الوحي
السابق والوحي اللاحق أي بين التوراة والإنجيل من جهة، والقرآن العربي من جهة
ثانية.
•الوحي والقس والرسول:
وهنا يلقى أبو موسى الحريري دور الوحي
نزل على محمد
والذي
يؤكد لقارئه أن القرآن ما هو إلا وحي استقاه القس من التوراة والإنجيل الفرقة
أفرغه في أذن محمد ليخرج لجزيرة العرب كتابا مقدسا يقرأونه بلغتهم وليس باللغة
العبرانية.
أما بالنسبة لتوقف الوحي بعد وفاة محمد r فإن استشهاد المؤلف به مرة في صفحة 31
وأخرى في صفحة۳۲، يعتبر استشهادا ناقصا ومبتورًا، ففي اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق
عليه الشيخان فؤاد عبد الباقي – طبعة الكويت ١٨٧٧، ص ٢٢ – ٣٤، نقرأ أحاديث بدء
الوحي إلى رسول الله
ولا
نجد ذكرا لأي ارتباط بين احتباس الوحي عن النزول وموت
ورقة بن نوفل، أما في كتاب محمد رسول
الله -صلى الله عليه وسلم- لمؤلفه محمد رضا – طبعة الحلبي القاهرة ١٩٦٦، فإننا
نقرأ في ص ٥٩ – ٦١ ما أورده البخاري في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها بدء الوحي
وفيه الحوار الذي دار بين رسول الله
rوبين
ورقة بن نوفل حين ذهبت به خديجة رضي الله عنها وفيه نص يقول: «لم يأت رجل قط بمثل
ما جئت به إلا عودي وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا، ثم لم ينشب ورقة أن توفى
وفتر الوحي » والمعنى الذي يفهم من النص أن الوفاة أدركت ورقة بن نوفل الذي كان
يؤمل أن ينصر محمد ويؤازره، قبل مدة النبوة وأن الراهب قد علم بنبوة محمد قبل
الدعوة إلى الإسلام حيث لم تكن هناك دعوة، أما فتور الوحي أي احتباسه، فقد استمر
ثلاث سنوات، وقد سبق الوحي ما كان يراه الرسول من رؤية صادقة هي تمهيد لهذا الوحي، ثم نزل قوله تعالى:﴿وَٱلضُّحَىٰ
وَٱلَّيۡلِ إِذَا سَجَىٰ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ
وَمَا قَلَىٰ﴾.
وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على سرد
تاريخي لحياة ورقة بن نوفل الذي استقبل محمدا في بیته وطمأنه لما يراه أو يسمعه من
الناموس أي الوحي وتمنى أن يعيش خلال فترة النبوة الموعود بها الرسول عليه الصلاة
والسلام، ولكنه توفي وزامنت هذه الفترة فترة انقطاع الوحي، وليس كما يريد منا أبو
موسى أن نفهمه من أن الوحي كان ينزل على القس ولذا احتبس بعد وفاته، ولو سلمنا
جدلا مع هذا الرأي فكيف توفق بعد ذلك بين رأيه وعودة الوحي من السماء إلى محمد وما
تلا ذلك من أمره
بدعوة
عشيرته ثم إعلان الدعوة، وأخيرا ما نزل إليه من تشريع قرآني؟ هل في ذهن موسى
الحريري قس آخر أو قساوسة كانوا يهمسون الوحي في أذن محمد r؟
ونأمل بإذن الله أن نتابع ما سرده أبو
موسى من افتراء وبهتان عن دور القس ابتداء من تزويجه خديجة بنت خويلد وتدريبه
للنبي وتعليمه ثم إعلانه خليفة على نصارى مكة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل