; رد على رد.. حول موضوع القصاص | مجلة المجتمع

العنوان رد على رد.. حول موضوع القصاص

الكاتب عبدالحليم خفاجي

تاريخ النشر الثلاثاء 10-أكتوبر-1972

مشاهدات 83

نشر في العدد 121

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 10-أكتوبر-1972

ما شعرت بالقلم ثقيلًا في يدي ثقله هذه المرة، ولا بالأفكار عصية على بياني عصيانها ذلك اليوم الذي شرعت فيه معقبا على ما كتبه أخي عبد الرحيم حول بحث عقوبة الإعدام المنشور بالعدد ۱۱٥ من مجلة المجتمع، لا لأنني أضيق بالنقد أو أخشاه.. فالحقيقة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها.. ولكن لأنني لأسباب كثيرة تكونت عندي حساسية خاصة تجاه ظاهرة النقد بين الإخوة الذين يعملون في ميدان واحد لهدف واحد، لما قد تحدثه من أثر عكسي في نفوس الآخرين إذ يرونها تنازعا فتهتز الثقة ويشيع اليأس من وجود الالتقاء على الفهم بله العمل فيزول الاقتداء وتسقط الشجيرات الخضراء في زوابع الريح؛ لكل ذلك أجدني مشوقا إلى رؤية التكاتف والتعاون محل النقد والمآخذ انبعاثا من الهدى الرحيم "انصر أخاك..." ولیس تسارعًا إلى الغيرة التي قد تنأى بهذا المعنى الجميل إلى نقیض مقصودة فيصير: "اقتل أخاك".

• تلك هي الروح التي أظل أبحث عنها بين المتناظرين في أي موضوع أول ما أبحث فإذا ما افتقدتها فإني أفتقد معها الرغبة في البحث أو الحديث ليقيني أن هداية الله تتخلى في هذه اللحظة عن الجميع..

وأبادر بتسجيل عدة تحفظات قبل الدخول إلى الموضوع:

١ - إنني لن أجد أعظم من لقب «الإخوة» تكريماً وتعبيرًا عن الثقة ولن أعدل به لقبا آخر كالأستاذ أو غيره على مدار تعقيبي على ما كتبه أخي عبد الرحيم..

٢ - إنني أعتبر هذه الردود المتبادلة ندوة غير مقصود فجاءت في حينها لتكشف عن حاجتنا إلى كثير من الندوات لإنضاج قضايانا الفكرية والحركية، مثلما تكشف من حاجة صحافتنا إلى هذا اللون من الحياة لتجديد شبابها ولجعلها على مستوى المسؤولية.

٣ - إنني لن أتزيد بتعقيب آخر، حتى لو بقي في نفسي ما أقوله..

 

الملاحظات الموضوعية

 والآن يأتي دور الملاحظات الموضوعية فأقول:

أولاً: لقد جعلت مقالتك كلها تدور حول عبارة واحدة التقطتها بمهارة من البحث كله وجعلتها في صدر مقالتك ثم صوبت إليها كل سهامك وهذه العبارة هي قولي: الإعدام شأن بقية العقوبات الإسلامية مجرد حراسة غير منظورة حول المجتمع المسلم ولا محل لوجودها إلا بعد أن يقوم المجتمع أولاً على أصليْه:

ا - العقيدة اليقينية التي تعطي التفسيرات الحقة للوجود والحياة والإنسان.

ب - التشريعات التي تفتح آفاقا جديدة في العلاقات والقيم ولا تخلف وراءها محتاجًا أو مهضومًا وتحقق تقدم الجماعة من خلال نشاط الفرد... ومن ثم فلا محل في مثل هذه البيئات «أي التي تفتقد الأصلين السابقين» للكلام عن الحدود أو العقوبات الإسلامية ولا عن الإعدام بصفة خاصة.. ولا تقوم هذه العقوبات عمومًا والإعدام «القصاص» بصفة خاصة إلا بعد أن يرتفع عن الناس عذر الجهل والفقر والشرور الخارجية التي تبدد الطاقات البشرية في منازلات متعددة»

هذه هي العبارات اليتيمة التي خرجت منها بقولك ما يأتي:

«نوعًا من الخطورة إذا ما جانبت الصواب وخاصة إذا ما أخذت طريقها إلى الناس أيضا من طريق الكتابة في الصحف الدورية، ورأيت لزامًا عليك أن تسلط الضوء الكاشف من مصادر الشريعة الغراء على هذه الآراء إحقاقا للحق وأداء لأمانة الرسالة.. آملا أن ينصح الأمر له ولمن اقتنع بفكره أو إصابته إثارة..

وخرجت منها بأني «يدعم فكرة تعطيل الحدود الإسلامية بصفة عامة والقصاص بصفة خاصة ويعطى أصحاب هذه الفكرة سندًا ومبررًا.. وتقول: "كم كان بودي أن يرجع الأستاذ عبد الحليم قبل أن يبدي هذه الآراء إلى كتاب الله ليعلم أن إقامة الحدود فريضة من فرائضه"..

وتقول لي "ماذا أبقيت للذين يدعون أن الصلاة والزكاة ليستا مفروضة عليهم الآن لعدم وجود إمام للمسلمين ينفذ الشريعة.. وبمفهوم المخالفة أيضا لا يتم الزواج والطلاق حسب الشريعة لأنها ليست مطبقة في جميع جوانب الحياة"..

وتقول: "وبهذا المنطق أيضا لا إثم على الزناة والسكيرين لأن الحماية الإسلامية غير قائمة"، ثم تختم كلامك بقولك "لا أظن أن منطق الحماسة لإقامة المجتمع المسلم ينتهي بك إلى هذا القول من مخالفة صريحة لأمر الله في كتابه وما أورده مسلم في صحيحه"...إلخ

• وإني لأعجب كيف طابت نفسك بإصدار كل هذه التهم وكيف بت بعدها قرير العين راضيا.. ولقد ذكرتني بعبارة تجرى مجرى المثل في بعض البلاد وهي «من أراد عيبا وجدة..» وقد أمنت اليوم أن ذلك حق وبرغم أن العبارة لا تؤدى إلى كل هذه الاستنتاجات إلا أن زيادة فهمها كان يقتضي منك يا أخي الكريم أن تربطها بالحلقة الأولى من البحث بالعدد ١١٤ لأنها امتداد لما قبلها..

وإذا ما انتقلت مع أخي عبد الرحيم إلى الحلقة الأولى بالعدد ١١٤ وهو السابق على العدد ١١٥ مباشرة سيجدني قد أجريت حصرا لعدد الأفعال المعاقب عليها بالإعدام في مختلف المجتمعات المعاصرة: الرأسمالية والاشتراكية والشيوعية ثم قمت بعد هذا الحصر بتفسير لظاهرة التفاوت الشديد بين هذه المجتمعات حيث وصل عدد الأفعال المعاقب عليها في بعضها إلى ٤٧ حالة وبعضها إلى ۲۰۰ وبعضها ترك حرية التقدير للقاضي على كل ما فيه خطره على المجتمع وبعضها ليس مسوح الإنسانية فحدد الأفعال بأقل من ذلك نظريا وترك الواقع العملي يقذف إلى مساحة القضاء كل يوم بمئات الضحايا وبعضها يعاقب بالخيانة على فعل يعتبره الآخر عملًا دستوريا الخ. ووقفنا على حافة هذه الغابة البشرية وعقبت بقولي: "من هذه الصور الواقعية يتبين لنا أن الموضوع أكبر من مجرد سوق حجج تقليدية في صالح بقاء عقوبة الإعدام أو إلغائها". هذه الظواهر الواقعية تفتح أعيننا على مزيد من الدراسة والتنقيب عن العلل الكامنة في أصول كل بناء اجتماعي ومفاهيمه وفي ميزان الربح والخسارة في عالم المادة والقيم على السواء..

وبعدها سنجد أن تفاوت النظر إلى عقوبة الإعدام مرده إلى تضارب الأصول التي تنبني عليها المجتمعات وعدم التقائها مرده إلى أن كل نظام اجتماعي له عقيدته الخاصة في الوجود والإنسان والحياة وله على ضوء عقائده وقيمه تخطيطاته الاقتصادية والاجتماعية... وإذا كان الاختلاف بين الأصول له دلالة أساسية فهي أن هذه الأصول باستثناء أصول الإسلام لا زالت في دائرة الظن والاحتمال ولم تصل بعد إلى مستوى الحقائق العلمية المسلم بها...

• وبعد هذا الاستعراض ومن موقف إنساني محض وجهت كلمتي إلى كل الأنظمة الاجتماعية الأرضية باسم الإسلام باعتبارنا شهداء على الناس يا أخ عبد الرحيم ولا يمكن أن أتجاهل ما يجري على سطح الأرض وأعيش سعيدًا بعالمي الخاص.. ومن ثم فقد ختمت هذا الاستعراض الكبير الذي استغرق مني قراءة عدة كتب -وأولها القرآن الكريم طبعًا- بنداء لهذه الأنظمة ولكل الأنظمة التي تلوثت بالاستعمار عقائديا وتشريعيا على قدر نصيبها من التلوث ومن الاستعمار الفكري وتحت عنوان «فترة انتقال لازمة» قائلًا في ختام الحلقة الأولى بالعدد ١١٤:

«فهل أراني على حق أن طالبت النظم الاجتماعية المعاصرة بعدما رأينا من تفاوتها الشديد، بأن تعتبر نفسها في فترة انتقال خليق بها أن تتريث في وصفها للأفعال الإنسانية لأنها لا تملك للان إمكانيات الوصف الصحيح فما زال الإنسان هو ذلك المجهول كما قال كارليل.

وهل أعدو الصواب أن طالبت رجال التشريع والقضاء أن يتحرجوا في تقدير عقوبة الإعدام أو الحكم بها قبل أن يسألوا أنفسهم عشرات الأسئلة كلها ليست حول الواقعة وإثباتها لان ذلك فعل المشرع أو القاضي المحترف وإنما قبل ذلك حول أصول النظم التي يمكنون لها ونصيبها من الحق وذلك فعل الباحث الأمين.

أدعوهم إلى التوقف وأن يظلوا في تحرجهم إلى أن يتحقق النظام الكفء الذي يملك وحده أهلية التقدير والحكم وهو ذلك النظام الذي تقوم أصوله على:

١ - عقيدة يقينية تحل محل الفلسفات العرجاء التي ثبت قصورها عقيدة تعطينا التفسيرات الحقة للوجود والحياة والإنسان.

۲ - تشريعات اقتصادية واجتماعية وسياسية على ضوء هذا الأساس العقيدي تفتح آفاقا جديدة في العلاقات والقيم، وبالتالي الأفعال المجرمة بصفة عامة وتلك التي يعاقب عليها بالإعدام بصفة خاصة.

في ظل هذا المجتمع الجديد سنضطر إلى مراجعة كل ما تحت أيدينا اليوم من تشريعات عقابية، وسيقدر الإعدام تقديرا صحيحا وستدعونا إليه حاجات ومبررات جديدة لا تصطدم بالنواميس ولا تعنت الفطرة البشرية. وعندئذ سنجد أنفسنا وجهاً لوجه أمام الإسلام العظيم الذي صرفنا الاستعمار والتقليد عنه زمنا طويلاً».

والآن ألست ترى أن هذه العبارات التي ختمت بها الحلقة الأولي هي نفسها العبارات التي صدرت بها الحلقة الثانية من قبيل ربط القارئ بما قبله؟ 

ثم ألست ترى أن هذا التحرج الذي أطالب به القضاة المحترفين هو ما فعله بالفعل أحد القضاة المصريين ويسمى أحمد كامل الذي جاء به القصر والأحزاب ليحاكم مجموعة من الشباب المسلم ولما تبين له وجه الحق وأدرك أن القانون المراد تطبيقه لإعدام هؤلاء أو سجنهم يتصادم مع مطالب دينه فأصدر حكمًا تاريخياً لمصلحة هؤلاء الأخوة، واستقال بعد ذلك وكتب مقالة في الصحف تحت عنوان: «كنت أحاكمهم فأصبحت منهم».

إن تاريخ الحركات الإسلامية القريب فيه استجابات عظيمة لكننا ننسى تاريخنا.. ومعنى استجابتهم أن ما تحت أيديهم اليوم من قوانين ليست هي الصواب، وهل في ذلك قسم لذي حجر؟

ثانيا: وزيادة في التوضيح واستجابة لرغبة أخ فاضل صدرت قصة جابر بالعدد ١١٦ بكلمة وضعتها في مربع جاء فيها بالحرف الواحد «إن طعننا في المقالين السابقين بعدم أهلية المشروع المحترف في تجريم الأفعال وعلى رأسها ما يحكم فيها بالإعدام، وبعدم أهلية القاضي المحترف للحكم به لأنهما يقومان بدور كبير بوعي أو بغير وعي في تدعيم أنظمة اجتماعية غريبة على إسلامنا ادخلها علينا الاستعمار القديم والجديد.

طعننا على هؤلاء مبعثه الغيرة على التشريعات الإسلامية من أن تشوه على أيديهم لبعدهم عن جوهرها وطبيعة بيئتها مما قد يولد في النفوس يأسا من صلاحية الإسلام أن نجحوا في إسباغ صفة الإسلام على تصرفاتهم..

هذه الغيرة على التشريعات من عجز هؤلاء العلماء ومن انهزاميهم لا تدعونا إلى التوقف عن الدعوة إلى تطبيق الإسلام على المستوى الفردي والجماعي، ومن عجيب أمر هذه التشريعات الربانية أنها تؤتي ثمارها بين الأفراد برغم انصراف السلطة عنها أو حتى محاربتها لها.

وفي هذه القصة الواقعية أكبر دليل على عظمة هذا الدين الذي لن ينهزم أبدا وأنه حتما سينتصر لأنه دين الفطرة»..

هل تجد يا أخي الكريم كلاما أصرح من هذا؟ وهل ينسجم معه كل ما جاء بمقالك؟

ثالثًا: وهل ترى بعد هذا أنني أدعو بالفعل إلى «تأجيل تنفيذ حدود الله» على حد تعبيرك؟ وهل هي منفذة فعلا حتى أدعو إلى تأجيلها، أم أنه خانتك العبارة؟

رابعاً: ثم هل تختلف معي أن الاستعمار قد عطل الشريعة الإسلامية في كثير من الميادين، وأنه لم يبق لنا إلا موضوع الأحوال الشخصية كفرع مقطوع عن شجرته...

ثم تفنن الاستعمار بعد ذلك في إعطائنا كل تشريعاته الغربية في قارورات إسلامية، وأنه أراد أن يوهمنا أن نظام الأحزاب هو نظام إسلامي وأن الإقطاع هو نظام إسلامي وأن أغلب تشريعاتنا مستمدة من الإسلام.

وأخيرا خرج علينا الاستعمار الجديد بأحدث صيحاته عن الاشتراكية في بلاد الإسلام وغير ذلك من أساليب التلبيس والسرقة الفكرية ومن أجل هذا ظهرت الحركات الإسلامية الأصيلة التي لم تنخدع بالمسميات وبحثت عن الجوهر.

وفهمت أن الإسلام قد نقضت عراه عروة في الحكم وفي الاقتصاد وفي الاجتماع وفي كثير من شئون الحياة حتى صبغوا حياتنا بأسلوبهم في الحياة وقطعوا أشواطًا كبيرة في تنفيذ مخططهم في القضاء على الشريعة كما جاء في كتاب «الشرق الأدنى مجتمعه وثقافته» من سلسلة الألف كتاب وفي كتاب «العالم العربي اليوم» وفي كتاب «الاتجاهات الوطنية»، وكل محاولاتهم الاستعمارية كانت ترمي إلى حصر الإسلام في المسجد وعزله عن الحياة. ولم يجاهر بعدائهم الصريح للشريعة الإسلامية على طول الخط، بل جاءوا بمن يفعل كل شيء ضد الإسلام باسم الإسلام. ولم تنخدع الحركات الإسلامية ووقفت في وجه هذا الزيف فإذا ما بقي من خداعهم ما يقدمونه في ساحة القضاء وما ينفذونه في حق الضحايا من الناس باسم الإسلام قلنا لهم ببساطة: لا تشوهوا الإسلام لأنكم عطلتموه في كل الميادين ثم تدعون تنفيذه في مجال القتل فقط.. كيف يقوم هذا المنطق. هل نكون بذلك مخطئين؟

• وأذكرك يا أخي بما كنت ترد به على المتخوفين من قطع يد السارق. فكنت تقول إن للقطع شروطا وهو أن يؤمن للإنسان حياته أولا وتسترسل في بيان هذا الأمان من مأكل ومشرب وعمل ولباس للصيف والشتاء ومسكن ودابة...  إلخ»

وهذا بالفعل هو ما أنادي به على مستوى القصاص فهل في ذلك غرابة أم أن لحد السرقة شروطا ليست لغيرها من الحدود.

خامسا: وأختم بهذه القصة التي حدثت لسيدنا عمر رضي الله عنه بكل ما تحمله من ردود وقف أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه يودع أحد ولاته قبل سفره إلى إقليمه وسأله هذا السؤال العظيم:

- ماذا تفعل إذا جاءك الناس بسارق أو ناهب؟

أجاب الوالي: أقطع يده.

قال عمر: وإذن فإن جاءني منهم جائع أو عاطل فسوف يقطع عمر يدك، إن الله سبحانه وتعالى استخلفنا على عباده لنسد جوعتهم ونستر عورتهم ونوفر لهم حريتهم فإذا أعطيناهم هذه النعمة من الله أقمنا عليهم حدود الله كفاء شكرها..

الرابط المختصر :