; ردٌ على اتهامات حسن البنا وعقيدة السلف | مجلة المجتمع

العنوان ردٌ على اتهامات حسن البنا وعقيدة السلف

الكاتب المستشار سالم البهنساوي

تاريخ النشر الثلاثاء 05-أبريل-1983

مشاهدات 77

نشر في العدد 615

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 05-أبريل-1983

لقد ظهر كتاب «الجماعات الإسلامية» وانتسب إلى الفكر السلفي، ولكنه أساء إلى فكر السلف الصالح بتجريحه جميع مخالفيه، فنسب إلى حسن البنا ضعف العقيدة وأنه مذهبي السلوك، فكتبت مقالًا بعنوان: «سلفية حسن البنا المعتدى عليها»، تناول هذه الأخطاء، ولكن مقالًا حمل اسم الأستاذ عبدالعزيز أبي طالب قد نسب إليَّ ما لم يجل بخاطري.

التفويض وآيات الصفات:

لقد نسب الكاتب إلينا القول: إن السلف يقرون بالتفويض في الأسماء والصفات، ونقل جانبًا من كلام الإمام حسن البنا الذي نشرته لينتهي بعبارة: «وأن البحث في هذا الشأن مهما طال القول لا يؤدي في النهاية إلا إلى نتيجة واحدة هي التفويض لله تبارك وتعالى». كما نقل ما نشرته عن البنا في قوله: «ونحن نعتقد أن رأي السلف من السكوت وتفويض علم هذه المعاني إلى الله تبارك وتعالى أسلم وأولى بالاتباع، حسمًا لمادة التأويل والتعطيل».

ثم رتب الأخ الفاضل على هذه المقتطفات التي اختارها دون غيرها مما نشرناه أن ظاهر هذا يوهم أن عقيدة السلف هي التفويض في معاني الصفات.. أكانوا يقرأون (الرحمن على العرش استوى) ولا يعرفون معانيها ويقولون هي من المتشابه الذي لا يعرف له معنى محدد!

وفي رده نقل قول الإمام مالك عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾ (طه، 5): الاستواء معلوم والكيف مجهول.

ثم قال الكاتب: وهذا الكلام هو مجمل اعتقاد السلف في صفات الله تعالى، فهم يؤمنون بمعاني الصفات، والمقصود منها ولكن يدعون علم الكيف لله تعالى.

ونقل عن الدكتور محمد خليل الهراس فيمن نفى الصفات الواردة بالكتاب والسنة وزعم أن ظاهرها غير مراد، ولكنه لم يعين لها معنى آخر، وهو ما يسمى بالتفويض، ومن الخطأ القول بأن هذا هو مذهب الخلف.

وختم الكاتب الفاضل نقده لما نشرته عن الإمام البنا بقوله: «مما سبق يتبين لنا أن عقيدة السلف في فهم الصفات ليس التفويض كما توهم الكلمات التي نقلها الكاتب، بل هم يثبتون صفات الرب كما تليق بذاته سبحانه بلا تحريف أو تعطيل».

بين التفويض والسلفية الحائرة:

إنه لمن دواعي الأسى والأسف أن يضع الأخ الفاضل هذه المقدمات ثم يرتب عليها نتائج لا صلة لها البتَّة بأقوال الإمام حسن البنا وعقيدته، ولم ترد ضمن ما نقلناه عنه.

فقد فات على الأخ الناقد الأمور التالية:

أولًا: إن ما نشرته عن الإمام حسن البنا في (العدد: ٦٠٩) فيه تحديد للمقصود بالتفويض مما ينفي الشبهات التي نسبها الأخ الناقد ففيما نشر ما يأتي:

أ- إن الإمام البنا أراد حسم الخلاف في هذه المسالة بتفويض الأمر إلى الله تعالى أي عدم التأويل والتعطيل، ومع هذا أسيء إليه فقيل إنه مزعزع العقيدة.

ب- أنه يوجد فرق شاسع جِدًّا بين قول حسن البنا: نعتقد رأي السلف من السكوت وتفويض علم هذه المعاني إلى الله، وبين ما ذهب إليه من يسمون في التاريخ الإسلامي باسم أهل التفويض الذين رد عليهم الشيخ ابن تيمية، فهذا اصطلاح واسم لمذهب معين، وهؤلاء يدخل فيهم المعتزلة والجهمية.

ج- أما عبارة أن رأي السلف تفويض علم هذه المعاني إلى الله فلا يمكن بحال من الأحوال أن يفهمه أحد الفهم الذي تصيده الناقدون، فقد خلطوا عمدًا بين كلمة التفويض في اللغة العربية وتعني عدم التأويل والتعطيل وترك الأمر إلى الله لقوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾ (آل عمران، 7).. خلطوا بين هذه الكلمة وبين عبارة أهل التفويض التي تشير إلى فئة معلومة تعارفوا على تأويل آيات الصفات وهؤلاء يخالفون السلف، والشيخ حسن البنا عندما أشار إلى التفويض قال: إنه عقيدة السلف فقطع الطريق أمام من يدعي أنه أراد الانتصار لرأي الخلف ومنهم أهل التفويض.

هذه هي أقوال حسن البنا التي نقلناها عنه في المقال الذي اقتطع منه الأخ الفاضل بعض الكلمات وبنى عليها نتيجة خاطئة، هي أن حسن البنا يقول بقول أهل التفويض الذين يزعمون أن ظاهر آيات الصفات ليس هو المراد، أي يؤولونها، وهو لم يقل ذلك بل نفاه تمامًا. ثانيًا: أن حسن البنا أفصح عن مدلول كلمة التفويض التي ذكرها عن السلف بقوله: «إن رأي السلف من السكوت وتفويض علم هذه المعاني إلى الله تبارك وتعالى أسلم وأولى بالاتباع، حسمًا لمادة التأويل والتعطيل».

 فكيف يقبل الأخ الناقد على نفسه أن يحذف هذه العبارات ويأخذ من أقوال البنا الكلمات التي يسيء بها إلى الإمام رحمه الله، ويدعي أن ما نشرناه عنه يوهم أن عقيدة السلف هي التفويض بمعنى التأويل على النحو الوارد في نقده.

ثالثًا: أن ما نقله الناقد عن الإمام مالك في قوله عن الاستواء «والكيف مجهول» يفيد عدم تحديد كيفية الاستواء، أي السكوت عن التحديد وتفويض ذلك إلى الله تعالى.

وهذا ما عناه الإمام البنا بكلمة التفويض في معاني الصفات ثم حسم البنا الشبهات بقوله: «حسمًا لمادة التأويل والتعطيل» فكيف يقبل الأخ الداعية أن يرجم الإمام في قبره بنسبة التأويل إليه؟

رابعًا: أن الأخ الناقد حذف ما تضمنه المقال محل النقد نقلًا عن حسن البنا في قوله رحمه الله عن آيات الصفات: نؤمن بها كما جاءت من غير تأويل ولا تعطيل ولا نتعرض لما جاء فيها من خلاف بين العلماء، ويسعنا ما وسع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾ (آل عمران-7).

فهذا هو التفويض الذي قال به حسن البنا، أن نؤمن بها كما جاءت من غير تأويل ولا تعطيل.

فما حكم من قال إنه أراد التفويض بمعنى التأويل، أي ادعاء أن الآيات ليس على ظاهرها، وأن معانيها هي كما قال المعتزلة وكما نقل الأخ الناقد من أن يد الله بمعنى قدرته، وعينه حفظه ورعايته واستواؤه على العرش بمعنى استيلاؤه عليه

إن البنا لم يقل ذلك، فهل يملك أحد أن ينسب ذلك إليه؟ وما السبب؟ 

خامسا: أن ما قاله الإمام البنا عن ترك الخوض في معاني الصفات بتفويض العلم بكيفيتها إلى الله، هو ما قاله الإمام ابن تيمية رحمه الله بقوله: «وجميع أئمة الدين كلامهم يدل على ما دل عليه كلام مالك من أن العلم بكيفية الصفات ليس بحاصل لنا، لأن العلم بكيفية الصفة فرع على العلم بكيفية الموصوف، فإذا كان الموصوف لا تعلم كيفيته امتنع أن تعلم كيفية الصفة» (مجموع الفتاوى، ج1، ص ۳۹۸).

وقال في موضع آخر: «من غير تحريف ولا تعطيل وغير تكييف ولا تمثيل» جـ5، ص ٢٥٧، لما كان ذلك.

فإن قول الإمام البنا هو نفسه قول السلف، فلماذا يختلق بعض الدعاة إلى الإسلام الخلاف مع البنا ومدرسته وإخوانه في هذه الأمور؟

إن الكلمة أمانة ومن الأمانة أن يكون النقل كاملًا حتى لا يسيء الناقد إلى غيره، فإن احتمل الكلام وجوها عدة، فالإسلام يوجب أن نختار الأحسن فالله تعالى يقول: ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ (الإسراء:53) فما بالنا والبنا لم يترك مجالًا للتأوي؟

الخلاف الرفيع وموطن الداء:

لقد كانت نهاية المقال محل النقل بكلمات في «أن موطن الداء السائد بين أشخاص ممن انتسبوا إلى العمل الإسلامي، أنهم يظنون أن غايتهم الشريفة في الانتصار لفكرهم وجماعتهم، تبيح لهم وسائل غير شريفة من الطعن في غيرهم والتقول عليهم، ونسبة السوء إليهم، حتى لو ارتكبوا جريمة الغيبة والنميمة، ولعل من أسباب تأخير نصر الله حيث يخاطب جميع المسلمين بقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (الأنفال:46).

ولقد كانت بداية كلام الأخ الناقد: وجدنا على امتداد العصور الإسلامية وقوف علماء السلف رضوان الله عليهم بشدة وحزم لا هوادة ولا لين فيها بوجه من أخل في هذا الأصل -وهو التوحيد.

 ثم قال: هذه مقدمة لأولئك الذين يقولون إن الدعوة إلى التوحيد تفريغ لطاقات الشباب في غير محلها، وأن هذه دعوة سلفية، لن نجني من ورائها سوى شق الصفوف.

ولعل من المفيد أن نضع الملاحظات التالية

1- لا يوجد أي ارتباط بين ما نشرته وبين هذه المقدمة.

2- لا يوجد بين المسلمين من يعتقد أن الدعوة إلى التوحيد بمفهومها عند السلف الصالح، تؤدي إلى شق الصفوف.

3- إن الدعوة السلفية ليست حزبًا ولا جماعة خاصة تحتكر هذا العمل وتحول بين المسلمين وبينه إلا من خلالها، بل هي اعتقاد يجب على كل مسلم أن يعمل به ولهذا قال الإمام حسن البنا «وتستطيع أن تقول ولا حرج عليك أن الإخوان المسلمين دعوة سلفية».

4- أنه قد ظهرت بوادر الخلافات الفرعية بين الحركات الإسلامية ووجد من بينهم من يغذي هذا الانشقاق ومن يتصيد الخطأ للآخرين، ومن يجعل الخلاف في الفرعيات خلافًا في الأصول، وكل ذلك ليس من الإسلام في شيء.

5- أن أصحاب الفكر الإسلامي منهم من أصابته أمراض المجتمعات العربية، وأظهرها الخلافات التي تؤدي إلى الفشل، وهذا هدف يسعى إليه أعداء الإسلام، وقد تخصص فيه مفكرون وهيئات ولكن بعض أصحاب الدعوات الإسلامية مشغولون بأنفسهم عن علاج هذه الظاهرة.

6- أن حسن البنا لم يصف أحدًا أو جماعة بشيء يسيء إليهم، ومنهجه أن تنصرف من الخلاف إلى العمل لا إلى الجدل، ولهذا لم ينقد حكمًا ما عن التوسل إلى الله بأحد من خلقه، بل قال: «الدعاء إذا قرن بالتوسل إلى الله بأحد من خلقه خلاف فرعي في كيفية الدعاء وليس من العقيدة»، وفي الوقت نفسه قال في ذات الصفحة من رسالة التعاليم: «الاستعانة بالمقبورين أيًا كانوا ونداؤهم لذلك وطلب الحاجات منهم ... وما يلحق بذلك من المبتدعات كبائر تجب محاربتها ولا نتناول لهذه الأعمال سدًا للذريعة».

7- إن ما نشرته عن سلفية حسن البنا اقترن بالهدف منه، وهو ألا يؤدي الخلاف في التهم إلى تكفير بعضنا بعضًا أو نسبة الابتداع إلى من تخالفه، وذلك إعمالًا لما نادى به حسن البناء أن نتعاون فيما اتفقنا عليه وأن يعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفوا فيه.

وهذا هو منهج السلف؛ حيث قال الإمام ابن تيمية في الرسالة التدمرية تعليقًا على الخلاف في تأويل الصفات: «وهذه خاصية أهل السنة المتبعين للرسول صلى الله عليه وسلم، فإنهم يتبعون الحق ويرحمون من خالفهم باجتهاده؛ حيث عذره الله ورسوله، وأما أهل البدع فيبتدعون بدعة باطلة، ويكفرون من خالفهم».

وبالله تعالى نعتصم ونتأيد.

الرابط المختصر :