العنوان رد على محاضرة الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق الحلقة الأولى غنيمة لنا فيها سهم!!
الكاتب محمد أحمد الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 16-أبريل-1974
مشاهدات 124
نشر في العدد 196
نشر في الصفحة 35
الثلاثاء 16-أبريل-1974
لعل من أصعب الأمور على قلبي أن أمسك القلم اليوم لأرد على فضيلة الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق -حفظه الله- فيما ذهب إليه من مذهب صلب في نقد بعض من نسب أو انتسب إلى التصوف من زهاد السلف.
فأما أولًا: فلأني اعتبر فضيلة الشيخ عبدالرحمن أخًا وحبيبًا وشيخًا معلمًا لي، لازلت أجد في نفسي حاجة مرة بعد مرة إلى أن أجلس قبالة منبره مجلس الحريص على استيعاب الفوائد من أستاذ كثير العطاء ليس عسرًا في الحديث، ذلك أني وإن كنت قد سوغت لنفسي الاستعجال في تبيين فقه الدعوة وأقحمت قلمي إقحامًا في مجالاته، سدًّا لذريعة حرمان الدعاة من معان ألمس لزوم الإسراع بإبلاغها إليهم، فإني من باب آخر محتاج إلى جزئيات كثيرة في العقيدة والأحكام وفق الله الشيخ للإحاطة بها ومنحه أسلوبًا في إبلاغها وتفهيمها يشدني إليه في محاولتي تكميل نقصي العلمي.
وأما ثانيًا: فلما في اثارة موضوع الخلاف حول التصوف والمتصوفة من سلبيات أرى واقع المسلمين في هذه الحقبة لا يحتملها، وتأباها ضرورات حشد طاقات المسلمين في عمل موحد يناسب المعركة الأخلاقية العقائدية السياسية المستعرة الأوار مع الكفر الذي غزانا في عقر دارنا، وكان يكفي ما أنا فيه ومن أعرف من الدعاة مما ورثناه عن الرعيل الأول من الدعاة من سلوك سبيل التربية الفردية ومجالس العلم للتحذير من البدع دون إظهار ذلك على صعيد إعلامي يستفز المقترب ويغضب الواهم.
ولكن تطور أمر المحاضرة إلى حد إذاعتها في مجلة المجتمع الغراء جعل ردي هذا واجبًا، وفاء لسلف من الزهاد أبرياء من العيب، قد أجرى الله على ألسنتهم حكمة شاركت في تربية أجيال المؤمنين، ودفاعًا عن مقالات إحياء فقه الدعوة بعد إذ أصبح البعض في حيرة من أمر فقرات فيها اعتمدت على كلمات قالها من تناوشهم أخي الشيخ في محاضرته بالتجريح والطعن.
والذي أعرفه من نفسي أني ربيب مجالس ثقات المحدثين مذ كنت غلامًا يافعًا، وقد وفقني ربي -عز وجل- لنشأة سلفية على أيديهم أبعدتني عن بدع الاعتقاد والعمل، وجعلت ديدني تحبيب كتب الحديث إلى الجيل الجديد من الدعاة.
ولذلك جاءت مذاهب فضيلة الشيخ في هؤلاء الزهاد الذين أستعين بأقوالهم مجيء الاتهام لي وإن لم يرد الشيخ ذلك، وظن البعض أني حاطب ليل ألتقط لهم التقاطًا جزافيًّا لا يستنير بقواعد الجرح والتعديل.
ولست كذلك بحمد الله، وإنما كنت على بينة من أمري منذ أول مقالة، وما وضعت أقدامي إلا على ضوء ما قرره أئمة نقد الرجال الأوائل، وفي إطار من الفرقان الذي وضعه شيخ الإسلام ابن تيمية للتمييز بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان.
- انتباه وتحذير
ومن يتابع مقالاتي يتضح له جليًّا أني ابتعدت عن الحديث الضعيف ولم ألج إلا صحيح البخاري وصحيح مسلم في الأغلب، وأني كنت أتحرى من كلام السلف أبلغ الأقوال معنى ومبنى، معرضًا عما صح معناه ورك لفظه، فضلًا عن الذي جزل مبناه واشتبه مقصده، مع حرص على ما ينسب إلى الصحابة والتابعين والأئمة القدماء، مقلًا عمن بعد القرن الثالث وإن كانوا أفاضل، إلا الدعاة منهم، كابن تيمية، وابن القيم، وابن الجوزي، والشيخ عبد القادر الكيلاني.
والذي كنت آراه ولا أزال أنه لا بد لنا أن لا نحرم المسلمين من كثير من جيد الكلام الذي حوته وصايا بعض السلف الذين جانبوا البدع الاعتقادية الغليظة، لكنهم ما استطاعوا تخليص أنفسهم من أسر بعض التأويلات المردودة، أو التكلفات الصوفية، أو الأحاديث الضعيفة، أو البقايا الفلسفية الطفيفة، أو التعصبات المذهبية، أو هفوات السلوك.
وإنما شجعني على الاستعانة بمثل هؤلاء ما رأيته من انعقاد إجماع الثقات من السلف على الإقرار بحسن نياتهم، ورجحان المقدار الذي أصابوا فيه على أخطائهم، وإن حسب القارئ من الدعاة يقظتي عند استفادتي مما ينسب لهؤلاء، وتركًا لأخطائهم، مقتفيًا في ذلك أثر ابن تيمية -رحمه الله، فإني رأيته في كتبه يستشهد بكلام من أبان تخليطهم في مواضع أخرى، والمكثر من مطالعة كتبه لا يخفى عليه هذا الأمر، ومن شاء الدليل أتيت له بإحصائية عن أرقام صفحات استشهاداته هذه.
ومع هذا فقد نبهت من قبل إلى ضرورة عدم اقتراب الداعية الناشئ من كتب التخليط التي حوت أقوال هؤلاء خوفًا عليه من عدم التمييز، فضلًا عن تحذيري من كتب من اعتقد وحدة الوجود، ولهج بها، وجعلها ديدنه، واقتفى أثر الحلاج والبسطامي وابن الفارض، وطلبت من الدعاة أن يكونوا في عافية مما فيها من الكفر والبدع الغليظة.
وكان من ذلك ما بينته في الحلقة السابعة والعشرين من مقالاتي، المنشورة في العدد 128 الصادر في 30 شوال 1392 الموافق 5-12-1972 أن:
«من الغايات الرئيسية التي وضعتها هذه البحوث نصب عينها: تزويد الداعية الناشئ بمعظم ما يمكن أن يوصف بأنه من فقه الدعوة من كلام القدماء والمحدثين، المبثوث في كتب التراث والمؤلفات الحديثة، بحيث لا نغادر صغيرة ولا كبيرة من نصوص وتعابير هذا الفقه، أو ما يرقق قلوب الدعاة، إلا أحصيناها وأثبتناها وشرحناها وعقبنا عليها وضممناها إلى مثيلاتها، بمقدار ما تسمح به الظروف، دونما تكرار يكون فيه الملل، ولا حذف يحصل به الخلل، في محاولة لوضع مجموع متكامل بيد كل داعية مسلم يغنيه في سنيه الأولى عن تعب استقراء هذه الفوائد في الكتب الكثيرة، ويمده بمادة جاهزة لتفقيه نفسه وتربية تلامذته من الناشئة الإسلامية، ويزوده بطاقة من الحماس والروحانية تثبته وأصحابه أمام المغريات والمرعبات.
وهذا الحرص على الجمع الشامل المستقصي اضطرنا إلى أن نقرب الكثير من كتب زهدية أو أدبية أو تاريخية خلطت واضطربت ودلست، طمعًا في نقول نافعة وإشارات رائعة لم نظفر بها إلا فيها، ومن قلة الأمانة أن نستمد منها دون الإشارة إليها من التزامنا الإشارة إلى غيرها.
لكن بعض إخوتنا الكرام ممن شغف هذه البحوث حبًّا وحرصًا على الاستزادة: ظن أن في ذكر هذه الكتب ورجوعنا إليها تزكية مطلقة لها، وربما حرص على اقتنائها طلبًا لمثل ما ننقل عنها، وليس الأمر كذلك، ولا قصدناه، ولا نوصي به، فغن في مثل «حلية الأولياء» و«علم القلوب» و «عوارف المعارف» و«اللمع»، وكتب الحارث المحاسبي والشعراني من التخليط والأقوال الضعيفة وتحبيذ ما لا يعرف عن السلف الأول شيئًا كثيرًا، وإنما هي فوائد مبثوثة في صفحاتها نلتقطها باعتناء وحذر. ومثل ذلك يصدق على «الأغاني» فإنه حوى شعر بعض الصحابة والصالحين، وأورد من الفوائد ما لا تجده في غيره، لكنه أكثر من إيراد شعر المجون، وشوه تاريخ أناس من النبلاء والأمراء والخلفاء.
فلا يكونن اعتمادنا على هذه الكتب مسوغًا لاعتقاد الداعية صلاحها المطلق والمسارعة إلى مطالعتها، بل يكفيه أن يتجول بحرية كاملة في الصحيحين ومؤلفات ابن تيمية وابن القيم وابن الجوزي، وفي رسائل الإمام البنا وبحوث المودودي وسيد وغيرهم من قادة الدعوة أصحاب النهج السليم، وله لفظ جميل في دواوين إقبال وعزام ووليد يغنيه عن غيرها -إن شاء الله تعالى.»
هذا ما قلته بالأمس وبادرت إليه مبادرة قبل أن يحتاج الأمر إلى تنبيه من فضيلة أخي الشيخ، وكنت قبل ذلك، خلال مقدمة المقالات المنشورة قبل الحلقة الأولى بعنوان «اجلس بنا نؤمن ساعة»، ثم من بعد خلال حلقات الجهاد، قد نبهت إلى خطر عقيدة وحدة الوجود. وكفرها.
- اقتفاء منهج ابن القيم خير
وما زلت أرى وجوب الانطلاق في استفادتنا من كتب التصوف من ذلك المنطلق الذي انطلق منه المحدث الحاكم النيسابوري في التفريق بين الصوفية، إذ تطرق في مستدركه على الصحيحين لتعريفهم فقال:
«الصوفية طائفة من طوائف المسلمين، فمنهم أخيار، ومنهم أشرار.» «1»
فالصواب -والله أعلم- هو هذا التمييز الذي يقول به الحاكم، فالتصوف منذ أول نشأته وحتى الآن كان منهجًا معيبًا لحقت به البدع الاعتقادية والعملية بكثرة حتى أخرجت بعض منتسبيه إلى القول بوحدة الوجود التي حكم علماء الإسلام بكفر معتنقها، ودفعوا الحلاج إلى سيف الشرع أول ما دفعوا بناء على ذلك.
ولكنا وجدنا رجالًا من الزهاد لم يعرفوا اسم التصوف فضلًا عن أن تلحق بهم البدعة، وإنما هم ثقات نسبهم بعض المتصوفة الذين ظهروا بعدهم إليهم، وتداولوا أقوالهم، وما هم منهم، ثم وضعوا عليهم أقوالًا نسبوها إليهم لم يقولوها تؤيد البدع التي أحدثها هؤلاء، وهم منها ومنهم براء، فتوهم الحريص على اتباع السنة أنهم منهم، وأن الأقوال لهم، وطفق يحذر منهم، ويهجر أقوالهم النافعة أيضًا.
فمن هذا الصنف: إبراهيم بن أدهم، والفضيل بن عياض، وبشر بن الحارث الحافي وأبو عثمان الحيري النيسابوري، إذ ذكرهم من ترجم لهم بذكر حسن، ووثقهم النقاد، فسوغنا لأنفسنا الاستعانة ببعض حكمتهم.
وهناك رجال آخرون نسبوا أنفسهم إلى طائفة المتصوفة فعلًا، ولكنهم لم يخرجوا عن الصراط المستقيم، ولم تلحق بهم بدعة، وإنما شوه ذكرهم بالوضع والكذب عليهم كأولئك، فكان الحريص على السنة أسرع إلى اتهامهم والأمر بهجر كل أقوالهم، مع أنهم نالوا توثيق ابن تيمية وابن القيم وأمثالهما.
ومن هذا الصنف الثاني: السري السقطي، والجنيد البغدادي، وسهل بن عبد الله التستري، وعبدالقادر الكيلاني.
ومنهم من نالته بدعة طفيفة ثم تاب، أو أخطأ في التركيز على التخويف دون فتح باب الرجاء، كالحارث المحاسبي.
وقد استطردنا فانتفعنا ببعض أقوال هؤلاء أيضًا.
والحقيقة أننا لا نبتدع منهجًا جديدًا إذ نفعل ذلك، وإنما نقتفي أثر المنهج الوسط القويم الذي سلكه الإمام ابن القيم من قبل ونصحنا بسلوكه، فإنه رأى أصحاب الحرص على الاتباع السني ونفورهم من هؤلاء بسبب ما ينسب لهم من الشطح أو ما وقعوا فيه فعلًا منه، فقرر أن:
«هذه الشطحات أوجبت فتنة على طائفتين من الناس:
إحداهما: حجبت بها عن محاسن هذه الطائفة، ولطف نفوسهم، وصدق معاملتهم، فأهدروها لأجل هذه الشطحات، وأنكروها غاية الإنكار، وأساءوا الظن بهم مطلقًا. وهذا عدوان وإسراف، فلو كان كل من أخطا أو غلط ترك جملة، وأهدرت محاسنه، لفسدت العلوم والصناعات، والحكم، وتعطلت معالمها.
والطائفة الثانية: حجبوا بما رأوه من محاسن القوم، وصفاء قلوبهم، وصحة عزائمهم، وحسن معاملاتهم، عن رؤية عيوب شطحاتهم، ونقصانها، فسحبوا عليها ذيل المحاسن، وأجروا عليها حكم القبول والانتصار لها، واستظهروا بها في سلوكهم.
وهؤلاء أيضًا معتدون مفرطون.
والطائفة الثالثة: - وهم أهل العدل والإنصاف - الذين أعطوا كل ذي حق حقه، وأنزلوا كل ذي منزلة منزلته، فلم يحكموا للصحيح بحكم السقيم المعلول، ولا للمعلول السقيم بحكم الصحيح، بل قبلوا ما يقبل وردوا ما يرد.» «2»
ولما عرج ابن القيم فيما بعد على ما ينسب إلى الجنيد أو الفضيل من أن أحدهما قال: «إذا أراد الله بالمريد خيرًا: أوقعه على الصوفية، ومنعه صحبة القراء.»: كشف وصف القراء الذين عناهم هذا القول، ومال إلى تفسير جميل لمراد الجنيد، ثم قال مؤكدًا منهجه الوسط أن:
«البصير الصادق: يضرب في كل غنيمة بسهم، ويعاشر كل طائفة على أحسن ما معها.» «3»
وما اعتمادنا هاهنا، في كلامنا عن بعض فقه الدعوة، إلا على الثقات فقط من المتصوفة أو الذين نسبوا إلى التصوف وما هم منه في شيء، وما زدنا على أن عاشرناهم على أحسن ما معهم من القول والحكمة، وقبلنا ما يقبل، متابعة لابن القيم: الذي كان كتابه الثمين «مدارج السالكين» ثمرة منهجه الوسط هذا.
- ابن أدهم ثقة مأمون
فأما إبراهيم بن أدهم: فهو ثقة بإطلاق، ولم نجد أحد يضعفه سوى فضيلة الشيخ عبد الرحمن، متابعًا في ذلك الشيخ محمد حامد الفقي -رحمه الله.
فقد ترجم كتاب «تهذيب التهذيب» لابن أدهم ترجمة جيدة كشفت إجماع النقاد من المحدثين على توثيقه.
ولعل من اللازم أن أذكر القارئ هنا بأن هذا الكتاب يعتبر المرجع الرئيسي الأول في علم الرجال، فقد ألف الحافظ المقدسي كتابه «الكمال في أسماء الرجال» وأودع فيه جميع أقوال الأئمة في رجال الصحيحين والسنن الأربعة، معتمدًا على تواريخ البخاري وكتاب ابن أبي حاتم وكتب ابن معين وأصحابه، وأمثال ذلك، ثم جاء الحافظ المزي فاختصره وسماه «تهذيب الكمال»، وجاء الحافظ ابن حجر العسقلاني من بعد فاختصره وزاد عليه أشياء فاتتهما، وهي كثيرة، وعقب عليهما، وسمى مختصره «تهذيب التهذيب»، ولا زالت المقارنة بين كتاب ابن حجر هذا وبين المصادر الأصيلة التي اعتمد عليها هؤلاء الحفاظ الثلاثة مما طبع ورأيناه تبدي دقة بالغة في نقلهم النصوص منها.
وأثمن توثيق تبديه ترجمة ابن أدهم في تهذيب التهذيب «4» يكمن في قول الإمام يحيى بن معين فيه، فقد قال عنه أنه:
«عابد ثقة»
واصطلاح ثقة عند ابن معين يدل على منزلة أعلى من مجرد الصدق، فالثقة عنده وعند معظم الأئمة هو من كان صدوقًا ورعًا بعيدًا عن البدعة الغليظة.
وناهيك بابن معين ناقدًا للرجال، فقد انعقد الإجماع على قبول قوله، لما له من تشدد بالغ في توثيقهم.
ونتقدم قليلًا لنجد محمد بن عبد الله بن نمير الكوفي يقول في ابن أدهم أيضًا أنه: «ثقة»
وما أدراك من ابن نمير هذا؟
هو «درة العراق» كما يقول الإمام أحمد، وتلمذ له البخاري وروى عنه في صحيحه، وسماه الإمام الحسن بن سفيان الفسوي «ريحانة العراق». وقال علي بن الجنيد: «كان أحمد وابن معين يقولان في شيوخ الكوفيين ما يقول ابن نمير فيهم.»، فهو العمدة في التعريف برجال الكوفة، وقد عاش ابن أدهم دهرًا طويلًا في الكوفة قبل أن ينزل الشام وبعد ذلك.
وكذلك الإمام النسائي صاحب السنن، فقد قال ابن أدهم: «ثقة مأمون أحد الزهاد» والنسائي ثبت حجة في الرجال، يميل مذهبه إلى التشدد في توثيقهم كما هو معلوم عند أهل علم الرجال.
وقال الإمام يعقوب بن سفيان:
إبراهيم بن أدهم من الخيار الأفاضل.
وهذا اللفظ يتجاوز مجرد الاعتراف له بأهلية رواية الحديث إلى الإقرار بالخيرية والفضل له.
وقال الإمام الدار قطني صاحب السنن:
إذا روى عنه ثقة فهو صحيح الحديث.
وقال العجلي: ابن أدهم ثقة. والعجلي ناقد بصير متخصص في النقد، ولكتابه في الثقات منزلة عند المحدثين.
وقال ابن حبان في كتاب «الثقات»: كان ابن أدهم صابرًا على الجهد والفقه والورع الدائم والسخاء الوافر إلى أن مات في بلاد الروم سنة 161هـ.
ولعل أحدًا يتململ هنا ويقول: ابن حبان متساهل في التوثيق، وينسى أن التساهل المنسوب إلى ابن حبان مخصوص في الذين لم يجد أحد يوثقهم أو يجرحهم، فيرجح جانب الستر فيهم ويصنفهم في الثقات من دون إطراء ولكنه هنا يطري على رجل معروف مشهور.
وقال أبو الأحوص: رأيت من بكر بن وائل خمسة ما رأيت مثلهم، فذكر ابن أدهم فيهم.
ومن لا خبرة له بعلم الرجال يمر على مثل هذه الأقوال مرورًا عابرًا لجهله بمنازل أصحابها، ولا يدري مثلًا أن أبا الأحوص هذا هو شيخ جمهرة من شيوخ البخاري، وحديثهم عنه متوافر في الصحيح، وكان كوفيًّا معاصرًا لإبراهيم بن أدهم، وذكروا عنه أنه كان «ثقة صاحب سنة واتباع» «5»، أي أنه كان صحيح العقيدة حاثًا على اتباع السنن داعية إليها ولم يكن يروي الحديث فقط، ومن كان في مثل هذه الحال كيف يسوغ له توثيق مبتدع؟
وقال الإمام أحمد بن حنبل في كتاب الزهد: سمعت سفيان بن عيينة يقول: رحم الله أبا إسحاق، يعني إبراهيم بن أدهم: قد يكون الرجل عالمًا بالله ليس يفقه أمر الله.
ومرة أخرى يتعرض قليل الخبرة هنا للوهم حين يظن أن هذه الكلمة تحمل شبه تضعيف، لما في ظاهرها من إشعار بذلك، ولكنها أقرب الكلمات إلى توثيق عقيدة ابن أدهم، فابن عيينة يقر هنا بأن ابن أدهم من العلماء بالله، أي بتوحيده وصفاته، لكنه ليس بفقيه في الأحكام والأمر والنهي.
وهذا القول على الأخص ينفي الجانب الذي ركز عليه الشيخ المحاضر اتهاماته لابن أدهم، إذ إن سفيان بن عيينة وإن أقام بمكة وصار إمامها، إلا أنه كوفي الأصل، وله مع ابن أدهم مجالس.
هذه هي التوثيقات التي أوردها ابن حجر خلال ترجمة إبراهيم في تهذيب التهذيب، ويمكننا أن نضيف لها توثيقات أخرى تؤخذ بالقرينة من نفس الترجمة، فقد ذكر أن إمام الكوفة سفيان الثوري، المعاصر لابن أدهم، قد روى عنه الحديث، وكذلك الأوزاعي إمام الشام، وروايتهما وإن لم تكن دلالة توثيق كاملة إلا أنها تلقى في القلب نوع اطمئنان. ومن القرائن الأخرى أيضًا أن الترمذي روى له في باب الطهارة من سننه حديثًا معلقًا، وما هي بدلالة توثيق كاملة، نقولها مرة أخرى، لكنا نعرف أنهم كانوا يتجنبون رجلًا بمثل الحالة التي وصفها الأخ المحاضر.
- سبب الوهم...
وإذن، إذا كان إبراهيم بن أدهم قد حاز توثيقات هذا الرهط الميمون من أئمة الحديث، ولم نجد فيهم أحدًا يضعفه، فمن أين اشتبه الأمر على أخي الشيخ عبد الرحمن؟
الجواب يمكن في اعتماده على روايات منسوبة إلى ابن أدهم في كتاب لا يخلو من الروايات الكاذبة والموضوعة، وهو كتاب «طبقات الصوفية للسلمي»، فقد ذكر الإمام ابن تيمية في تعريفه بأبي عبد الرحمن السلمي صاحب هذا الكتاب أن:
«فيما جمعه فوائد كثيرة ومنافع جليلة، وهو في نفسه رجل من أهل الخير والدين والصلاح والفضل، وما يرويه من الآثار فيه من الصحيح شيء كثير، وروي أحيانًا أخبارًا ضعيفة، بل موضوعة، يعلم العلماء أنها كذب، وقد تكلم بعض حفاظ الحديث في سماعه، وكان البيهقي إذا روى عنه يقول: حدثنا أبو عبد الرحمن من أصل سماعه. وما يظن به وبأمثاله إن شاء الله تعمد الكذب، لكن لعدم الحفظ والإتقان يدخل عليهم الخطأ في الرواية.» «6»
وكرر ابن تيمية مرة أخرى هذا المعنى فقال: أن السلمي كان «يجمع من كلام الشيوخ والآثار التي توافق مقصده كل ما يجده، فلهذا يوجد في كتبه من الآثار الصحيحة والكلام المنقول ما ينتفع به في الدين، ويوجد فيها من الآثار السقيمة والكلام المردود ما يضر من لا خبرة له.»
هذا مع الالتفات إلى أن الكلمتين المنسوبتين لابن أدهم يرويهما السلمي بسند خماسي ليصل إليه، وكل الخمسة ليسوا بالمشاهير الذين يعرفون، ولم يحقق لنا الأخ المحاضر أحوالهم.
فلقصر باع أخي الشيخ في علم رجال الحديث ولعدم التفاته إلى غفلة عند السلمي مررت الكذب عليه، سارع إلى جرح إبراهيم بن أدهم. ولو أنه سأل واستشار وحقق الأسانيد ولم يستعجل لكان خيرًا له، ولذلك ما زلت أقول منذ سنين: أن علم رجال الحديث مقدم على العلوم.
وإلى حلقة أخرى فيها توثيق الأئمة للفضيل والجنيد وغيرهما، راجيًا من أخي الشيخ أن يلتمس لي فيما أوردت عذرًا لتسويغ الرد عليه.
1 - المستدرك على الصحيحين 3-17
2 - 3 - مدارج السالكين 2-39-370
4 - تهذيب التهذيب 1-102
5 - تهذيب التهذيب 4-283
6 - مجموع فتاوى ابن تيمية 11-42
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل