العنوان الإمام الشافعي والتغيير
الكاتب الشيخ نادر النوري
تاريخ النشر الثلاثاء 01-نوفمبر-1994
مشاهدات 52
نشر في العدد 1123
نشر في الصفحة 59
الثلاثاء 01-نوفمبر-1994
ولد الإمام الشافعي- رضي الله عنه- في العصر العباسي سنة ١٥٠ هـ وهي السنة التي توفي فيها الإمام أبو حنيفة وأخذ العلم عن الإمام مالك الذي لزمه منذ صغره وتفقه عليه حتى توفي. وبدأ الشافعي عملًا يدفع به حاجته ويمنع خصصته بنجران، حيث أقام به العدل وحصن نفسه من كل ظلم وشر. ولنسبته القرشية واتصال نسبه بالرسول- صلى الله عليه وسلم- اتهم بالعلوية في فترة كانوا يتبعون رؤوسهم وتحركاتهم، فقبض عليه بالدس والوشاية وأُرسل إلى بغداد في عام ١٨٤ هـ. فكأنما سقت هذه المحنة إليه لتكون منحة، حيث لقى فيها محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة ليأخذ عنه فقه أهل العراق مع ما عنده من فقه أهل الحجاز فاجتمع له العقل والنقل وعاد إلى مكة والتقى بأكابر العلماء في موسم الحج، ومنهم الإمام أحمد بن حنبل، فكأنما أخذ مسالك أهل العلم، فكان نسيجًا وحده وقضى بمكة نحوًا من تسع سنوات بعد أن فقه نوعين من الفقه مختلفين.. فناظر وجادل ورأى تشعب الآراء واختلاف الأنظار وتباين المشارب فشرع في وضع الموازين والضوابط لاستخراج قواعد الاستنباط.
ثم قدم بغداد للمرة الثانية سنة ١٩٥ هـ، وله طريقة في الفقه لم يسبق إليها. فرأى الغلبة في عهد المأمون للعنصر الفارسي، والتي انعكست على الفكر الإسلامي الذي سيطر عليه علماء ذلك العصر (المعتزلة). فكان منهم كتابه وحجابه وجلساؤه والمقربون إليه والمحكمون في العلم وأهله.
فلم يرضَ الشافعي المقام في بلد الهون وذلك بعد أن دافع عن عقيدته بصدق:
ومقام الكريم في بلد الهون |
| فإن أمكن الرحيل محال |
حتى حصلت المحنة التي أنزلت على الفقهاء والمحدثين التي تسمى في التاريخ الإسلامي بمحنة خلق القرآن. وقد عرض المأمون على الشافعي أن يوليه القضاء، فاعتذر لأن هذا الذي يتفق مع منطق تفكيره.
وهكذا لم يطلب له المقام ببغداد، وكان لابد من الرحيل منها ولم يجد مهاجرًا وسعة إلا في مصر. وقال في ذلك عند رحيله: "
لقد أصبحت نفسي تتوق إلى مصر |
| ومن دونها قطع الهامة والقفر |
وقد تميز الإمام الشافعي بخبرته في نفوس الناس، وبقوة فراسته ومحبته للارتحال، فاستفاد من ذلك في معرفته لمعاملات الناس وعاداتهم والأمور المؤثرة في حياتهم. ولذا يقول:
سأضرب في طول البلاد وعرضها |
| أنال مرادي أم أموت غريبا |
ولا شك أن الأسفار، فوق ما تعطيه للفقيه من مادة وخبرة، وهي بطبيعتها تفتق الذهن وتنمي المدارك، وترهف الحس، وتعطي للفكر إضافة للواقع، أبعادًا من الخيال والفروض العقلية.
ولابد أن نبين أن فترة حياة الإمام الشافعي ضعفت فيها الفرق الإسلامية، التي كانت تمتشق السيف لانتزاع الملك من الأمويين، وهم الشيعة والخوارج، حيث فل سيفهم وضعفت شوكتهم فسكنت الفتن، وحول هؤلاء وهؤلاء جهادهم من امتشاق السنان إلى امتشاق القلم. لأن الدولة استوعبت هذه الآراء بعقد مجالس الحوار بدلًا من المجابهة والقمع ففتحت بذلك آفاقًا لتهذيب هذه الآراء، فكل طائفة أخذت تنصرف إلى تدوين حججها والدفاع عنها بالدليل والبرهان بدلًا من السيف والقمع.
فانصرف الناس إلى العلوم والفنون المختلفة، يتذاكرونها، وصار لكل فن علماء ومختصون، فالخليل بن أحمد يضع علم العروض، وعلماء اللغة يضعون الضوابط لعلم النحو والصرف، وهكذا الفقه والحديث والتفسير، واتسعت رقعة الدولة الإسلامية، فهي من الأندلس غربًا إلى حدود الصين شرقًا، وكثرت الحواضر والمدائن التي امتاز كل منها بعلمائه وازدهرت الرحلة في طلب العلم.
وكان لخلفاء بني العباس نزعة دينية، وإن انغمسوا في الترف وأسرفوا في اللهو وتساهلوا في بعض المحرمات أو حاموا حولها
ولكن قربوا إلى العلماء ورفعوا درجاتهم، وأجروا عليهم الأعطيات ، وسهلوا لهم طرائق التعلم والعلم. واستعانوا بهم في محاربة الزنادقة والمعتزلة؛ فكان الفقهاء والمحدثون فكان الفقهاء والمحدثون والوعاظ في عهد هارون الرشيد هم المقربين وروي عنه أنه حبس المعتزلة أما بنوه فقد قربوهم إليهم وامتحنوا العلماء كالمأمون والمعتصم والواثق حتى نصرت السنة بالمتوكل.
لقد كانوا كثيرًا ما يستمعون لنصائح العلماء وإن خشنت ألفاظها وقست عباراتها.
فكانت هذه المكانة التي حظى بها العلماء حببت أهل الذكاء والنبل إلى طلب العلم لأنه أصبح طريقًا للمجد والعلو لا سيما أن مجالس العلم تعقد في قصور الخلفاء والأمراء يتسابق إليها الأدباء والشعراء والفقهاء وكل متبحر في فنه.
فها قد رأيتَ كيف أثرَ العصرُ على آراءَ الفقهاءِ وانطبعَ ذلك على مدوناتِهم الفقهيةِ. لذلك نجدُ أن الشافعي يقررُ في فقههِ أن الإمامةَ لابدَ منها ويعملُ تحت ظلِّها المؤمنُ ويستمتعُ فيها الكافرُ ويقاتلُ بها العدوُ، وتؤمنُ بها السبيلُ ويؤخذُ بها الضعيفُ من القوي حتى يستريحَ برًّا ويستراحَ من فاجرٍ...
وكلُّ قُرَشيٍّ علا الخلافةِ بالسيفِ واجتمعَ عليه الناسُ فهو خليفةٌ فالعبرةُ عنده في الخلافةِ في أمرين: كونُ المتصدي لها قرشيًّا واجتماعُ الناسِ عليهِ سواءً أكان الاجتماعُ سابقًا على إقامتِهِ خليفةً كما في حالِ الانتخابِ والبيعةِ أم لاحقًا لتنصيبِهِ خليفةً كحالِ المتغلبِ الذي ذكرهُ رضي الله عنه.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل