العنوان رسائل إلى المدخنين (8)- علاج التدخين بالإيمان
الكاتب أ. د. سمير يونس
تاريخ النشر السبت 29-ديسمبر-2012
مشاهدات 71
نشر في العدد 2033
نشر في الصفحة 57
السبت 29-ديسمبر-2012
يسلك المدخنون الراغبون في الإقلاع مسالك شتى، فبعضهم حدثني أنه كثيرًا ما اتخذ القرار بحماسة شديدة، فمزق علبة السجائر، وقذف بقداحته من الأدوار العليا ولكن إصراره كان هشًا، وكانت عزيمته واهنة ضعيفة، فلم يستطع الصمود، وبالسرعة ذاتها التي اتخذ بها قرار الإقلاع يتراجع معلنا قرار الانسحاب أمام فتنة سيجارته.
حدثني أحدهم قائًلا: أذكر ما كان ينتابني في الأيام الأول مع كل محاولة إقلاع، كم كان يتولد في نفسي كثير من الأوجاع النفسية والجسمية في صورة قلق وتوتر، وانفعال، مع تشتت ذهني لأعيش في ضيق دائم واضطراب مستمر يسبب مشاعر الحرمان التي تجعلني دائما أعجل بقرار الانسحاب، وأرفع راية الاستسلام أمام جيوش الدخان، وكتائب القطران .
هالة العلاج الزائف
يقول أحد التائبين عن التدخين ليس أطرف من خبر نشر في مختلف وسائل الإعلام منذ سنوات مضت، وكان حديث الناس زمنًا طويًلا، إنه عن الخبير السويسري العالمي جوزيف ميشيل الذي وصف بأنه ذو قدرات خارقة في علاج المدخنين، فقط على كل راغب في الشفاء من السحر أو الإقلاع عن التدخين أو الإدمان أن يدفع ورقة واحدة من فئة المائة دولار، فتنفك العقد، ويشفى المريض، وينفك السحر، ويقلع المدخن عن التدخين والمدمن عن الإدمان، فكان الناس يتدافعون ليحجز كل منهم دوره في الكشف وكان هذا الخبير جوزيف ميشيل، يقول: إنه يعالج بالإيحاء، وسرعان ما انقشع غبار الهالة، واتضحت الحقيقة، فتبين أن صاحبنا المعالج المشهور لم يحصل إلا على دبلوم متوسط في العلاج الطبيعي، لكن الرجل أستخدم ذكاءه في جمع المال من جيوب الساذجين، ونحن العرب مصابون بداء الهالة والمثل العربي يقول الصيت ولا الغنى . والسؤال الذي يفرض نفسه الآن هو: كيف نعالج التدخين بالإيمان؟ يقصد بالعلاج الإيماني - هذا - أن يؤمن المدخن الراغب في التوبة أن الامتناع عن التدخين واجب ديني، وفق ما صدر من حكم شرعي، فيكون هذا الامتناع توبة تستوجب الندم، وتبعث العزيمة المصحوبة بصدق التوجه والإخلاص، مع حسن الاعتقاد والأخذ بأسباب التوكل والاعتماد على الله عز وجل، وهذا كله يمكن إيجازه في التوبة النصوح التي وجهنا إليها القرآن الكريم في قول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ ۖ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ۖ نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (التحريم: 8) فما أضعف نفسك البشرية دون سند من الله عز وجل، وما أضلها بغير هديه سبحانه ونهج رسوله، ومن ثم وجب على المدخن الراغب في التوبة أن يتوجه إلى ربه متضرعا إليه أن يقبل توبته، وأن يعينه على طاعته وتجنب معصيته، لأن توبة العبد لا تؤتي ثمارها إلا إن تقبلها الله عز وجل؛ لذلك نحن في حاجة إلى تأمل قصة الثلاثة الذين تخلفوا عن الجهاد مع رسول الله في غزوة تبوك، حتى كاد الواحد منهم يموت من الحزن والحسرة والألم، وربما صعد الواحد منهم على سطح بيته لضيق صدره بسبب معصيته، وكانوا يبكون ويترددون على أصحاب النبي ليتوسطوا لديه كي يرفع توبتهم تقبلها، ومن ثم كانت مثمرة، وقد سجل القرآن الكريم هذه القصة وذاك الموقف كي نتعلم، قال عز وجل: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (التوبة:118) إن قوة العقيدة النابعة من الإيمان بالله العظيم تنبعث مشرقة من القلب لتسري في الروح والجوارح، إنها لقوة تدفع صاحبها دفعًا إلى حب خالقه، ومن ثم التلذذ بطاعته وهجران معصيته، والحذر من إغضابه حتى لا يلحقنا عذابه، إنها لقوة تدفع بصاحبها إلى أقصى مراتب العطاء، وأسمى غايات النفس، وعندها يضحي الإنسان بأغلى ما يمتلك، وإن كانت حياته كلها في سبيل إرضاء حبيبه سبحانه وتعالى، وتوقن النفس المؤمنة المطمئنة حينئذ أن لذة الحياة الفانية لا تستغرق سوى لحيظات بعدها يتجرع الإنسان سموم الندم وآلامه هذا في الدنيا وفي الآخرة عذاب شديد، فالنفس المطمئنة الموصولة بربها يعينها إيمانها بربها على أن تستمد منه القوة والعزيمة، فتعدو نورانية وترتقي في مدارج العلاج لترضي خالقها مرتفعة متحررة من قيودها الطينية، طامعة في نعيم الجنة، وفي حياة سعيدة أبدية في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
يقول الشيخ عبد الحميد البلالي رئيس جمعية بشائر الخير لمعالجة الإدمان حين يصوم المؤمن أو تارك المخدرات، فإنه يشعر بقدرته على الصمود والتصدي لمحاولات الشيطان، ثم يشعر بالقوة والقدرة على ترك المخدرات، ويبث الصيام فيه الثقة بنفسه ويقنعه بإمكانية ترك المخدرات، وبلذة النصر على وساوس الشيطان، وأكد فضيلته: أن الصوم كوسيلة من وسائل رفع الإيمان ثبتت فعاليتها في علاج كثير من المدمنين .
(*) أستاذ المناهج وأساليب التربية الإسلامية
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل