; رسالة أمريكا.. لقاء العقول وقضايا العصر | مجلة المجتمع

العنوان رسالة أمريكا.. لقاء العقول وقضايا العصر

الكاتب عبد القادر طاش التركستاني

تاريخ النشر الثلاثاء 30-مايو-1978

مشاهدات 106

نشر في العدد 397

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 30-مايو-1978

* في التلفزيون التعليمي بأمريكا برنامج فكري يذاع أسبوعيًا، اسم البرنامج “لقاء العقول”، وفكرته- محاولة إلقاء بعض الأضواء على القضايا والمشكلات التي تواجه المجتمع الأمريكي أو المجتمع الدولي في العصر الحديث وذلك بطريقة خاصة.

يقوم مذيع البرنامج باستضافة بعض من مفكري وفلاسفة العالم الذين أسهموا في إثراء الفكر الإنساني في مختلف المجالات في العصور السالفة، وعرض هذه القضايا عليهم ليقوموا بالنظر فيها ومعالجتها من خلال فلسفاتهم ونظراتهم الفكرية.

وفكرة هذا البرنامج جميلة من حيث اشتمالها على عنصرين ممتعين: استضافة بعض المفكرين والفلاسفة واستطلاع بعض آرائهم ووجهات نظرهم مما يعطي المستمع والمشاهد فكرة طيبة عن شخصيات أولئك الفلاسفة، ويلقي الضوء على ملامح من فلسفاتهم.

والعنصر الآخر أنه يربط المشاهد بالبرنامج من خلال تناول قضاياه الحية، ومشكلاته المعاصرة التي يعيشها ويعانيها في حياته الخاصة أو العامة أو يشكو ضغطها في المجتمع المحلي أو العالمي من حوله. 

والإنسان بطبيعته يميل إلى أن ينجذب إلى واقعه، ويلتفت إلى قضاياه المعاصرة، ويحاول أن يبحث لها عن حلول.

وباحتواء هذا البرنامج على هذين العنصرين الهامين في إثارة شوق المشاهد واستقطاب تطلعه وتلهفه، فقد استطاع هذا البرنامج أن يجتذب إليه نسبة طيبة من المشاهدين يتابعونه كل أسبوع في لهفة وشوق.

وفي الأسبوع الماضي استضاف مقدم البرنامج أربعة من فلاسفة العالم أحدهم فيلسوف إغريقي، وثانيهم أحد فلاسفة «النيقرو»- المجتمع الأسود في أمريكا- وثالثهم فيلسوف فرنسي ورابعهم إمبراطورة صينية.

وقد تناول الحديث بعض مشكلات حية يعيشها العالم اليوم، وتعاني منها المجتمعات الغربية بوجه  الخصوص.

من هذه القضايا: 
-    قضية ازدياد الجريمة في المجتمع الغربي وهل يمكن أن يكون القصاص علاجًا ناجعًا لهذه القضية.

-    قضية التفرقة العنصرية وخصوصًا في أمريكا- وما هو الموضع الذي وصلت إليه القضية في الوقت الحاضر.

-    قضية العداء بين الغرب والصين والخلفيات التاريخية لهذا العداء.

* بدأ المذيع بمناقشة قضية ازدياد نسبة الجريمة في العالم الغربي وفي أمريكا خصوصًا، حيث أصبحت هذه القضية هي القضية الأولى والأكثر خطورة التي يواجهها الفرد الأمريكي والمجتمع الأمريكي، وبدأت آثارها تمتد إلى بقاع أخرى من العالم.

وقد أجابت إمبراطورة الصين بعبارة فيها سخرية ولذع بأن من الأسباب الأساسية التي أدت إلى تفاقم هذه المشكلة هو إلغاء- القصاص- في المجتمع الغربي بدعوى أنه يتضمن قسوة وهمجيه لا تليق بمنطق القرن العشرين المتطور.

واستشهدت إمبراطورة الصين بأن المجتمع الصيني في وقتها- حوالي القرن الثامن عشر الميلادي لم يكن يعاني من هذه المشكلة لأنها كانت تتخذ القصاص قانونًا يردع الجناة ويضع العبرة والذكرى أمام كل من تسول لهم أنفسهم ارتكاب الجريمة. 

وقد اعترض المذيع عليها بأن القصاص فيه قسوة وهمجية واعتداء على كرامة الإنسان، وأنه علاج وحشي يحل مشكلة قتل إنسان واحد بقتل اثنين معًا.

وهنا تبتسم الإمبراطورة الصينية في سخرية وتؤكد للمذيع بمنطق وحكمة أن القصاص علاج فيه ظاهر القسوة ولكنه في الحقيقة يشتمل على الرحمة بالمجتمع ككل، ولو إننا أخذنا أعداد أولئك الذين يقتلون أو يجنى عليهم في المجتمع المعاصر، ثم أخذنا أعداد أولئك الذين يقتلون- من قبل المجرمين أو أولئك الذين يقتص منهم- لوجدنا مع ذلك ارتفاع أعداد الذين يقتلون في المجتمعات التي لا تقتص من جناتها عن المجتمعات التي جعلت القصاص شريعة وقانونًا.

* ويثير المذيع بعد مناقشة القضية الأولى قضية التفرقة العنصرية وخلفياتها التاريخية مع الفيلسوف الذي يمثل السود في أمريكا، وينبري الفيلسوف ليسرد التاريخ المؤلم لأولئك الأفارقة الذين تسلط عليهم الرجل الأبيض واختطفهم من أدغال أفريقية ليتخذ منهم عبيدًا له في مزارعه ومصانعه وليكيل له ألوان العذاب وأصناف المهانة التي تندى لها جبين الكرامة الإنسانية التي أعطاها الخالق للإنسان. 

لقد كان عدد أولئك الأرقاء في القارة الأمريكية يجاوز الأربعة ملايين يعيشون أقسى حياة يمكن أن يتصورها مخلوق، وقد استطاع أحد الأدباء الذي عانى أجداده لفحات هذا العذاب الأليم أن يصور بعضًا من المشاهد القاسية لتلك الحقبة من  التاريخ في كتابه الذي أحدث ضجة إعلامية كبيرة في أوساط المجتمع الأمريكي وهو كتاب «الجذور» الذي تحول فيما بعد إلى فيلم سينمائي وتلفزيوني كان له صدى ووقع في كل بيت أمريكي ويستدرك المذيع على الرجل كلامه ليؤكد له أن الحال اليوم قد تبدلت وأن الصورة قد اختفت، وأصبح الرجل الأسود في وضع كريم ليس فيه عداء أو إنقاص لكرامته، ولكن الرجل في ثورة واضطراب يصرخ: لا. 

إن الوضع تحسن قليلًا ولكن لم تختف الصورة كما تزعمون، إن اتخاذ الرجل الأسود رقيقًا ومعاملته كعبد قد تغير، ولكن تجاهله وتجاهل مشاعره وحقوقه لا زالت مشكلة يعاني منها في هذا المجتمع، وهو نوع جديد للعبودية والاسترقاق ولا زالت آثار هذا النوع من الاسترقاق تقض مضاجع الأقلية السوداء في أمريكا وتؤثر في مشاعرهم وتصرفاتهم، وتجعلهم يحسون بعمق بعدم الارتباط القومي أو السياسي لهذا المجتمع، ولذلك نلاحظ اتجاه كثير منهم إلى الدعوة إلى الرجوع إلى تاريخهم الأصيل وموطنهم الأول والاعتزاز بتراثهم الأفريقي وفنونهم الأفريقية.

* وفي مجال العداء بين الغرب والصين ترى الإمبراطورة الصينية إنه كانت للإرساليات التبشيرية النصرانية التي أتت من الغرب إلى الصين آثار سيئة في تكوين عناصر ذلك العداء القديم بين الصين والغرب، وذلك لأن هذه الإرساليات كانت مصحوبة باعتداءات عسكرية وكانت تنبع من روح السيطرة ومحاولة الاستيلاء.

* تلك لمحة موجزة جدًا لحوار خصب طويل استغرق ساعة من الزمن في ذلك البرنامج وتناول هذه القضايا المعاصرة، وهنا لا بد لنا من وقفة مختصرة لا نحب أن تمضي هذه الفرصة دون أن نقفها.

* إن الغرب المنكود بالمشكلات العديدة، المرهق بالقضايا المختلفة والتي تمثل الجريمة، والتفرقة العنصرية، والعداءات الدولية بعضًا من تلك المشكلات.

بل ويمكن أن نقول إنها تمثل النسبة القليلة من تلك المشكلات إلى جانب مشكلات الجنس، والمرأة والتضخم، والإضرابات، والصراعات العقائدية والسياسية والانهيار الاقتصادي، ومشكلة الأخلاق، والجنون، والأمراض النفسية، وغير ذلك كثير.

إن الغرب المنكود بهذه المشكلات يتطلع للبحث عن حلول ويتلفت للسعي إلى الخلاص، يذهب لينبش  التاريخ، ويستقي حكم الفلاسفة القدماء، ويطلع على طرق المفكرين والسياسيين الذين مضوا في حل مثل هذه المشكلات، وهم خلال هذا السعي الحثيث يغفلون عن قصد أو عن غير قصد- المنهج الإسلامي في حل هذه المشكلات، ويشيحون بوجوههم عن الحضارة الإسلامية ممثلة في كتابها الكريم وشريعتها المتكاملة وتاريخها العاطر يبحثون عن العلاج عند بشر مثلهم وضعوا بعض قواعد وقوانين فيها شيء من الحق ولكنها ككل اجتهادات البشر يغلفها النقص والقصور والضعف ويغضون الطرف عن المنهج الرباني الذي وضعه خالق الكون ومبدع الوجود ليكون منهجًا يحل مشكلات الإنسان في مختلف عصوره.

* إن الإسلام- وليس فلسفات البشر واجتهادات المفكرين وممارسات الحضارات البائدة- هو العلاج الذي يبحث عنه الغرب، ويتطلع إليه العالم، ولكن الاستكبار والتعصب يعمي بصائرهم عن أن يهتدوا للحق ويصلوا إلى النور.

* إن تخلي الغرب عن عناده وإصراره واستكباره في وقت لا ينفع فيه العناد والاستكبار، وقدرة المسلمين على تقديم إسلامهم للغرب والعالم بصورته المضيئة كفيل بأن ينهي مأساة العالم المعاصر، وستثبت الأيام صدق هذه المقولة إذا ما تحقق تخلي الغرب عن عناده واستكباره، واستطاع المسلمون أن يقدموا الإسلام إلى العالم بصورته المشرقة وما ذلك على الله بعسير. 

الرابط المختصر :