; رسالة الانتفاضة إلى شولتز- الشهداء يصنعون التاريخ | مجلة المجتمع

العنوان رسالة الانتفاضة إلى شولتز- الشهداء يصنعون التاريخ

الكاتب طارق المسلم

تاريخ النشر الثلاثاء 05-أبريل-1988

مشاهدات 74

نشر في العدد 861

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 05-أبريل-1988

  • الإدارة الأمريكية لا تحب أن تترك الساحة في منطقة الشرق الأوسط خالية سياسيًا.
    انتفاضة الشعب الفلسطيني فرضت الحقيقة الفلسطينية التي ترفض كل المشاريع الاستسلامية.

    قام وزير الخارجية الأمريكي جورج شولتز بزيارات مكوكية متعددة في المنطقة وسيواصل هذه المهمة، على الرغم من تصريحه بأن أي جهة في المنطقة لم توافق على اقتراحاته، غير أنه أكد أن الجميع يتوقعون أن نواصل العمل. فما هي الدوافع لمواصلة العمل الذي تبدو عليه كل علامات السقوط والفشل؟ وما هي الآمال المرجوة والتغيرات المتوقع أن تحدث؟ وما حقيقة موقف الأطراف المتصارعة بشأن هذه المبادرة؟

    دوافع الاستمرار:

    هناك مبررات ودوافع كثيرة لحرص وزير الخارجية الأمريكية على الاستمرار في مبادرته وجولاته المكوكية، ومن هذه المبررات:

    •       الخوف على مصلحة الكيان الصهيوني والمحاولة لستر سوأته التي فضحتها الانتفاضة المباركة التي أوشكت على دخول شهرها الخامس، وهذا ما يبرر خيارات الغزل السياسي التي تداعب بها الإدارة الأمريكية حكومة العدو الصهيوني أثناء الحديث عن السلام والتسوية على الرغم من اعتبار "شولتز" أن "شامير" -رئيس وزراء العدو- بأنه العقبة الوحيدة أمام السلام. وعلى الرغم من هذا، فقد ذكرت الصحف اليهودية بأن شولتز قد أكد بأنه لا ينوي ممارسة أي ضغط على دولة العدو سواء كان اقتصاديًا أم سياسيًا.

    •       الخوف من انتفاضة الشعب المسلم في فلسطين المحتلة، خصوصًا وأنها أخذت بعدًا آخر يختلف عن غيرها من حركات المقاومة للاحتلال اليهودي من حيث الأصالة الإسلامية والشمول والانتشار بين جميع فئات الشعب على كافة مدن وقرى ومخيمات فلسطين. ولا شك أن الروح الإسلامية هي أشد ما يثير الغرب والولايات المتحدة بشكل خاص. وهذا ما جعل مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون حقوق الإنسان -ريتشارد شيفر- يدعي بأن الكيان الصهيوني من واجبه "المحافظة وإعادة الأمن في الأراضي المحتلة واستخدام القوة اللازمة لذلك" ("الوطن" 31/3/88).

    •       تخشى الإدارة الأمريكية كذلك من وصول الروح الجهادية وحب الموت في سبيل الله إلى بقية الشعوب العربية والإسلامية وخصوصًا دول المواجهة لما لذلك من آثار خطيرة على الكيان الصهيوني الذي يعتبر الحليف الاستراتيجي للولايات المتحدة في المنطقة، من جهة، ولما له من أثر في تهديد المصالح الأمريكية في المنطقة العربية، وتهديد الأشخاص والجهات التي تقوم على رعاية هذه المصالح من جهة أخرى، وهذا لا يحتاج إلى دليل في أيامنا هذه.

    •       كما أن الإدارة الأمريكية لا تحب أن تترك الساحة في منطقة الشرق الأوسط خالية سياسيًا فيقوم منافسوها بملء هذا الفراغ خصوصًا وأن الاتحاد السوفيتي المنافس التقليدي لها بدأ يعدل صورته أمام المجتمع الدولي ويحظى القائد السوفيتي -غورباتشوف- بتأييد لا بأس به. وقد يكون التحرك الأمريكي الجديد -حاليًا- من باب "التحرك من أجل الحركة فقط" وليس من باب الحرص على التوصل إلى أي اتفاقية تُذكر.

    الآمال المرجوة:

    وإذا كان هناك ثمة آمال تدعو "شولتز" للاستمرار في مبادرته وجهوده للتوصل إلى تسوية سلمية فإن هذه الآمال تتمثل في ممارسة الضغوط على الجانب العربي، حيث إن الولايات المتحدة الأمريكية تعتبر أن الدول العربية المعنية بالمؤتمر الدولي هي الطرف الذي يجب أن يقدم التنازلات ويتحلى بالمزيد من سعة الصدر، ولعل هذا ما عناه "شولتز" عندما قال: "إن زعماء الشرق الأوسط الآن أمام لحظة الحقيقة". فالحقيقة عنده لا تعني سوى تقديم التنازلات المطلقة والاعتراف بالكيان الصهيوني، فهل تذعن الأطراف العربية وتوافق على لحظة الحقيقة التي أرادها "شولتز"؟ هذا ما بات مُسَلَّمًا به من قبل الجانب العربي الذي لم تعد خلافاته على المؤتمر الدولي ومبادرة "شولتز" الأخيرة إلا من باب الإحراج الذي أوقعته فيه الانتفاضة المباركة داخل فلسطين، وهذا ما يوافق التصريح الذي أدلى به كلوفيس مقصود -مندوب الجامعة العربية في الأمم المتحدة- حول مبادرة شولتز فقال: "العرب يجدون بعض العناصر الجديدة الجديرة بالمناقشة". فإذا كان الرفض العربي يعني الموافقة كما علمتنا أحداث التاريخ المعاصر، فماذا يعني موافقة العرب الصريحة على بعض ما جاء في مبادرة "شولتز"؟ وهذا السؤال نتركه لك أخي القارئ علمًا بأن الأيام كفيلة بالإجابة عليه.

    الطرف المدلل:

    قابلت الولايات المتحدة وبريطانيا الصلف والتبجح اليهودي ممثلًا بالبطش اليهودي للشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة وتصريحات رئيس وزراء العدو المتغطرسة التي قال فيها: إن حكومته "لن تخضع للضغط الدولي" وندد "بالضغوط الشيطانية من الخارج" ("الرأي العام" 1/3/88) بتقديم الضمانات تلو الضمانات بعدم المساس بمصالح ربيبتهم المدللة دولة الكيان الصهيوني، فقد "أوضح الرئيس الأمريكي –ريغان- أثناء زيارة شامير لواشنطن بأن الولايات المتحدة الأمريكية لا تنوي ممارسة أي ضغوط على الكيان الصهيوني للقبول بمبادرة "شولتز" وإنما ستحاول إقناعها قدر الإمكان. وقد دعا "جيفري هاو" وزير خارجية بريطانيا العرب لقبول خطة "شولتز" وطالب المنظمة بالاعتراف بوجود "إسرائيل" وقرار 242 ونبذ الإرهاب لتنال الأهلية للمشاركة في المؤتمر الدولي والمفاوضات.

    ومن المعلوم أن كل هذه المطالب، هي في الواقع شروط لحكومة الكيان الصهيوني للموافقة على مشاريع السلام، ومن هذا الباب نجد "شولتز" يتجاهل "حق تقرير المصير" للشعب الفلسطيني وكذلك "الدولة الفلسطينية المستقلة" بالإضافة إلى "الشعب الفلسطيني" التي استبدلها بكلمة "الفلسطينيين" أثناء طرح بنود مبادرته الأخيرة التي وصفها بأنها مجرد "أفكار". وكل هذا إرضاء لعيون الكيان الصهيوني، وللتأكيد على إرضاء اليهود حليفهم الاستراتيجي نجد الولايات المتحدة الأمريكية تصدر قرارًا بإغلاق مكتب "م.ت.ف" في مقر هيئة الأمم المتحدة قبل توجه وزير خارجيتها إلى المنطقة حاملًا "أفكاره" الجديدة القديمة. ولم يستح "شولتز" من إبداء خوفه على مصلحة الكيان الصهيوني فصرح محذرًا من رفض مخطط التسوية للشرق الأوسط الذي أعده هناك "قنبلة زمنية سكانية ضخمة تدق بوضوح تواجهها "إسرائيل" في الأرض المحتلة" ("الوطن" 12/3/88). ولم يجانب الأمين العام بوزارة الخارجية النمساوية -إريك شميد- الحقيقة عندما قال: "إن المؤتمر الدولي ليس داني القطاف، بل مزروعة طريقه بالعوسج، والتحرك الأمريكي ليس لسواد عيون العرب" ("الحوادث" (1636) -11/3/88).

    الحقيقة الفلسطينية:

    جاءت انتفاضة الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة لتفرض "الحقيقة الفلسطينية" التي ترفض كل المشاريع التي من شأنها الالتفاف على حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة، وتأبى القبول بالوجود الصهيوني على أرض الإسراء المباركة. وبالتالي فقد أخرجت كافة القوى "أنظمة - منظمات - تنظيمات" في المنطقة وجعلتها تفكر أكثر من مرة قبل الموافقة على أي من مشاريع التسوية ومبادرات السلام، وبهذا تكون الانتفاضة المباركة قد أبقت "99%" من أوراق الحل لدى الشعب الفلسطيني الذي بيده الخيار الوحيد لإنهاء الوضع القائم حاليًا في فلسطين تحت الاحتلال. وستبقى هذه الانتفاضة هي الحائل الوحيد أمام تمرير مبادرات الاستسلام الحديثة، على الرغم من محاولة الولايات المتحدة تغيير صورتها باستقبال "شولتز" لإدوارد سعيد وإبراهيم أبو لغد، وموافقته على حضور "وفد فلسطيني جدير بالثقة" وتوافق عليه المنظمة، في مفاوضات السلام، وعلى الرغم من كل ما يشاع عن موافقة الولايات المتحدة على المؤتمر الدولي، فهذا كله من باب تحريك الوضع في المنطقة للالتفاف على الانتفاضة وشغل الناس بهذه التغيرات خصوصًا في الداخل. والكلمة الفصل في هذا الأمر تبقى لأطفال الحجارة وأبطال الانتفاضة وليعد الوزير الفاشل "شولتز" من حيث أتى لأنه لم يكن موضوعيًا في طرحه لأفكاره بل كان خبيثًا ماكرًا. ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (الأنفال:30).

     

     

الرابط المختصر :