; رسالة خاصة.. إلى كل مبتلى من أهل غزة | مجلة المجتمع

العنوان رسالة خاصة.. إلى كل مبتلى من أهل غزة

الكاتب إيمان مغازي الشرقاوي

تاريخ النشر السبت 26-يونيو-2010

مشاهدات 57

نشر في العدد 1908

نشر في الصفحة 48

السبت 26-يونيو-2010

  • عليكم أن تحيوا روح الأمل بينكم لتؤسسوا ما قوض من بنيان وتعيدوا بناء بلدكم من جديد وتبنوا معه العقول والأبدان.
  • كونوا على يقين بالنصر.. فصاحب الحق لا ييأس أبدا ولا يشك لحظة في نصر الله تعالى له وإن طال به الأمد.
  • الفرج يأتي من بعد الكرب والنصر يحدث بعد التمحيص الذي لا بد منه.

هذه الرسالة أوجهها إلى أهل غزة الصابرين.. شيوخهم وشبابهم.. رجالهم ونسائهم.. بنيهم وبناتهم..

إلى الأطفال الذين يعيشون طفولة بائسة فكبروا قبل الأوان.. وإلى الرضع الذين فقدوا أمهاتهم ففطموا رغمًا عنهم، أو ووروا التراب معهن دون ذنب أو جريرة.

 إلى أرواح الشهداء من هؤلاء جميعًا الذين كانوا ضحية القصف والبطش والإرهاب الصهيوني الغاشم الذي لم يفرق بين أحد منهم..

إلى أولئك المنكوبين وضحايا العدوان من الأرامل والأيتام والثكالي والجرحى والمصابين..

وإلى المحاصرين منهم الذين يعيشون وهم يفتقدون الحق الإنساني المطلوب من المأوى والمسكن والمطعم والمشرب والأمن والاستقرار..

أهدي رسالتي إلى هؤلاء جميعًا..

أحداث لا تنسى.. وذكريات لا تمحى

إن من تابع أخبار الحرب على أرض غزة الصامدة والتي مر عليها الآن عام ونصف العام، ويسترجع ذكراها في مخيلته يكاد يتوقف قلبه أو يموت كمدًا وحسرة من هول ما حدث، وقد يشك أن هذا يحدث في دنيا البشر أو في عالم الإنسان، وكأني بطائرات العدو المحتل تنفث سمومها في فضاء الله وتلقي أحمالها على أرض الله، حممًا ونيرانًا وقذائف تذوب منها الأجساد، تساندها القوات الأرضية من الدبابات المشحونة بالذخيرة وقوافل الجند المدججين بالسلاح، ويدعمها السكوت العالمي الشائن وما يشبه التأييد من «الدول العظمي» كما يسمونها، وسرعان ما تملأ الأفاق نارًا ودخانًا يصعب معه التنفس، وتختفي منه الرؤية، وتشوى به الوجوه! كل ذلك على شعب أعزل محاصر ومجوع ومغيب عن العالم منذ زمن بالاحتلال البغيض، الذي تاهت فيه القيم المشروعة وضاع معها الإحساس بالأمان وأهملت معه الاتفاقات الدولية، ولم تحترم فلم يعد للكلمات صدى أو أثر، وقد حاول المحتل منذ ستين عامًا، أن يسبي الأحرار برق من نوع آخر وعبودية ذات شكل جديد، وسبي من طراز مختلف يلائم العصر الحديث فكان التضييق والحصار، ومن بعده الحرب والدمار، وقبل ذلك كله القتل والمذابح والاضطهاد والسجن والاعتقال، كل ذلك يقع ويكون في عصر الحرية المزعومة، وزمن الديمقراطية المتوهمة، ومع كل ما سبق لم يفلح المحتل في أن ينال من صبرهم وصمودهم وحرصهم على أرضهم لأنهم يوقنون ويؤمنون بقول النبي ﷺ: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لعدوهم قاهرين، حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك»، قيل: يا رسول الله أین هم؟ قال: «ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس» (رواه الإمام أحمد).

أقدار الله تعالى كلها خير

وإن عزاءكم يا أهل غزة أن تعلموا أن المؤمن في هذه الحياة يتقلب بين منزلتين عظيمتين، منزلة الشكر ومنزلة الصبر، فهو في خير دائم اختصه الله تعالى به دون سائر الناس، وقد بين رسول الله ﷺ ذلك فقال: «عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له» (مسلم)، وإن تطرق الضعف إلى قلوبكم لحظة لأنكم بشر فتذكروا قول الله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ(٨) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ(٩) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ(١٠) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ(1١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ(١٢) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ(١٣) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ (الفجر) . وأبشروا بالفرج القريب.. ﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: 139)، فالله القوي بقوته معكم، والملك العظيم بعظمته معكم، والحكم العدل لا يرضى بالظلم وسيرفعه بإذنه ومشيئته عنكم، فجددوا إيمانكم بالقدر خيره وشره، وقد بين النبي ﷺ أن ذلك داخل في مسمى الإيمان فقال: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره» (مسلم)، وقال: «من لم يؤمن بالقدر خيره وشره فأنا منه برئ» (أبو يعلى).

من رواء كل محنة منحة

وإن النفوس المؤمنة لها مع كل قدر من أقدار الله تعالى حال يرضيه عنها، لذا فإن عليكم أن تخرجوا من هذه المحنة وقد صقلتكم التجربة، فعرفتم ما يجب عليكم تجاه أنفسكم وتجاه أولادكم ووطنكم، لا أن يخيم اليأس عليها أو ينال منها الضعف والخور؛ لذا فإن عليكم أن تحيوا روح الأمل بينكم لتؤسسوا ما قوض من بنيان، وتعيدوا بناء بلدكم من جديد، وتبنوا معه العقول والأبدان فتفتحوا المدارس مهما كانت المعوقات، وتهتموا بتربية النشء الصاعد تربية على حب الله ورسوله مهما كانت التحديات، وإنه لمن دواعي السرور والفخر أن تكون نسبة الأمية بينكم وبين أهليكم في أرض الإسراء رغم هذا الاحتلال الرابض على أرضها أقل منها في دول أخرى تنعم بالأمن والاستقرار؛ ذلك لأن المحن تصنع الشعوب والحاجة تصقل المواهب وتشحذ الفكرة.

متى نصر الله؟

سؤال قد يسأله البعض استعجالًا للنصر، ويتبادر إلى الأذهان حين يشتد اليأس ويزداد الضر ويفيض البلاء أن النصر مستحيل وبعيد المنال، وهنا تتدخل الشياطين من الإنس والجن تختلس من بعض النفوس ساعة ضعفها اختلاسة سريعة من اليقين بالوعد، وتبث مكانها بعض اليأس أو القنوط، وتلقي في روعها ذرات من الشك في مجيء النصر، لذا لابد أن تشحن قلبك بالإيمان وتزيد من مخزون اليقين فيه، وتتعرف على رصيدك من ذلك المخزون من حين لآخر حتى لا تقع في تلك الفتنة، فتصيبك هزة في أرضية إيمان القلب، وتراجعًا في عقارب ساعة اليقين، وتذبذبًا في مؤشر دفع المحتل، وإن النفوس المؤمنة حقًا الموقنة صدقًا لا تستجيب لتلك الوساوس.

وسرعة التغيرات؛ لتكون على أتم استعداد لتلقي الابتلاء بروح الصبر وصدق اليقين والاطمئنان إلى وعد الله تعالى لنا بالنصر والتمكين، فقال سبحانه وتعالى:  ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (البقرة: 214). ومن قبلنا وجه رسول الله ﷺ أصحابه إليها، كما جاء في الحديث الصحيح عن خباب بن الأرت قال: قلنا: يا رسول الله ألا تستنصر لنا ألا تدعو الله لنا، فقال: «إن من كان قبلكم كان أحدهم يوضع المنشار على مفرق رأسه فيخلص إلى قدميه لا يصرفه ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه لا يصرفه ذلك عن دينه».

«إن مع العسر يسرًا»...

نعم.. فالعسر يأتي من بعده اليسر، والفرج يأتي من بعد الكرب، وصرخة الحياة تدوي بعد آلام المخاض، والنصر يولد ويأتي بعد التمحيص الذي لا بد منه.. قال الله تعالى: ﴿ الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (العنكبوت: 1 - 3)

كونوا على يقين بنصر الله..

نعم.. كونوا على يقين بالنصر، ذلك لأنكم أصحاب الحق وأهل الأرض، وصاحب الحق لا ييأس أبدًا، ولا يترك حقه نهية للغاصبين، ولا يشك لحظة في نصر الله تعالى له وإن طال به الأمد، ولا يضره المعوقون له والمخالفون من حوله..﴿ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج: 40)، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد: 7).. فالقوي العزيز لن يكلك إلى نفسك، والقوي العزيز سيدافع عنك.. ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ ( الحج: 38) ، وإن أشاعوا عنك زورًا وبهتانًا ما ليس فيك وإن وصموك بالإرهاب ووصفوك بالوحشية لأنك تريد استرجاع بيتك الذي سرق منك، فإن الإرهابي الأكبر في الحقيقة هو من احتل أرضك وسرق معها أمانيك وحلمك، ثم هو يقتلك فيها وهو من يرضى بظلمك ويعين الظالم عليك دون أن يعترف بحقك.

دعوة إلى كل إنسان له قلب

إنها دعوة لنا جميعًا للنظر والتفكر.. ماذا لو تغيرت الحال وكنت أنا أو أنت أو أي إنسان آخر مكانهم، هل فكرت يومًا في أن تجرب العيش لحظة من لحظات حياة هؤلاء وتضع نفسك موضعهم، فتتخيل إذ أنت في دارك أمن تجلس بين أهلك وأولادك قرير العين، تسمع ضحكات الصغار البريئة، تلاعبهم ويلاعبونك، تجري وراءهم، تحملهم على ظهرك تارة وعلى عنقك أخرى، تذاكر لهم دروسهم، تجلس معهم على مائدة الطعام، تستمع إلى آمالهم وأحلامهم، تشاركهم مشكلاتهم وأحزانهم، تتسامر ليلك مع أحضانهم، وتقص عليهم حكاياتك المحببة لديهم، وفي جلسة خاصة من تلك الجلسات الأسرية المحببة التي انتثر فيها، الحب حول جميع الأفراد، وعلت فيها البسمة تلك الوجوه النضرة، إذا بصوت الغدر يغتال كل الأصوات، وإذا بسارق الأحلام وقاتل الأمال يطعنك في أحلامك ويسلبك آمالك، ويحول أملك إلى خوف، وحياة أحبابك إلى موت، وعمران بيتك إلى خراب، وجمع أسرتك إلى تشتت، قد سرق البسمة من على الشفاه، وإذا بك قد عريت من دارك ومالك وأهلك وأحبابك وجيرانك وخلاتك في تلك الغارة الغدارة التي ما كانت سوى لحظات، فماذا بقي لك بعدها من رصيد الأمال، وماذا أنت فاعل تجاه سارقي أرضك وهادمي بيتك ومبددي حلمك؟ إنك لولا إيمانك بالله لطاش منك العقل ولذاب منك الفؤاد، هذا الإيمان الذي يؤهلك لتخطي المحنة لتنهض من جديد، وأنت مع ذلك أعزل من كل سلاح، سوى سلاح الدعاء وطلب الثبات والصبر.. «ومن يتصبر يصبره الله».

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1079

74

الثلاثاء 14-ديسمبر-1993

بريد المجتمع.. عدد 1079