العنوان رسالة إلى الزوجة الُمعجَبة
الكاتب أ. د. سمير يونس
تاريخ النشر الجمعة 06-يناير-2012
مشاهدات 64
نشر في العدد 1983
نشر في الصفحة 58
الجمعة 06-يناير-2012
من الحياة
رسالة إلى الزوجة الُمعجَبة
في قديم الزمان، كان هناك ملك يعيش في قصر فخم مع ابنته الأميرة، التي حباها الله بجمال فتّان، فبدلًا من أن تشكر ربها صارت معجبة بذاتها، متكبرة، لا يعجبها شيء، ولا يملأ عينيها إنسان!!
تقدم إليها كثير من الأمراء، يطلبون يدها من أبيها للزواج، فلم ترضَ بواحد منهم، وكانت تستكثر نفسها على كل أحد منهم، وترى أنه لا يوجد من يستحقها، لأنها ابنة الأمير الجميلة.
كان من بين هؤلاء الأمراء أمير اسمه «بهلول»، واسع الغنى قوي النفوذ، وكان وسيمًا، شجاعًا، كريمًا، وظن أنه سيحوز رضاها، لكنها رفضته، وتكبرّت عليه، وعدّدت عيوبه!!
غضب الملك من تصرف ابنته الأميرة التي حقّرت الأمراء، وأحرجت والدها مع حاشيته وأصدقائه، فقرر الملك أن يؤدّبها، بأن يزوّجها أول متسول يأتي القصر!!
بعد أيام دخل عازف قيثارة فقير، فعزف للملك وحاشيته مقطوعات موسيقية جميلة، ثم طلب عطاًء من الحاضرين، فنادى الملك ابنته، وقال للعازف الفقير: أهبك ابنتي زوجًة لك خذها إلى بلادك، وسافر الليلة دون تأخير واسْع وأجتهد للتغلب على كبريائها وإعجابها بنفسها.
هكذا أرغمت الأميرة على مغادرة قصر أبيها، وعلى إتباع زوجها إلى بلاده البعيدة سارت طويلًا مشيًا على الأقدام، لأن العازف المتسول لا يملك جوادًا يمتطيه، ولا دابة يركبها، وتعثرت الأميرة في مشيها، وتمزق حذاؤها، وسقطت كثيرًا في الحفر، وكان زوجها الفقير يطلب منها أن تسرع المسير، ومرت في طريقها بغابات ينقطع لها النظر، فسألت زوجها الفقير: من صاحب هذه الغابات الواسعة الغنية؟ فأجابها: كل ما ترين هو ملك الأمير «بهلول»، شعرت الأميرة بغضة في حلقها، وأسفت على رفضها الزواج من الأمير «بهلول»، عندما تقدم ليطلب يدها من الملك.
سارت الأميرة وزوجها ليالي وأيامًا في عناء ومشقة، وكانت كلما حاولت أن تستريح كان زوجها الفقير يدفعها لتسير، الضعفت قوّتها، وتقرحت قدماها الناعمتان، وشَحَب وجهها، وأمتلأت عيناها بالتراب والدموع.
مرّت الأميرة وزوجها بحقول قمح واسعة، وحدائق بها فواكه يانعة، ونخل باسقات ناضدة، فسألت زوجها: لمن هذا كله؟ قال: هذا كله ملك الأمير «بهلول» فندمت وتحسّرت، لأنها على الأمير «بهلول»، تكبرّت.
وفي الطريق، شاهدت الأميرة -أيضًا- قطعانًا من الأغنام والأبقار والماعز والخيول، فسألت زوجها، فأخبرها أنها للأمير «بهلول».. فتأزّمت وتحسّرت، وندمت على تكبّرها وبطرها النعمة.
تعبت الأميرة وأرهقت، وخارت قواها، فأرتمت على كومة من التراب لتستريح، وهي تردد: ليتني رضيت بالأمير «بهلول»، فوكزها زوجها، وجذبها من يدها وهو يقول لها: إياك أن تنطقي بهذا الاسم مرة ثانية، يجب أن تراعي مشاعري وتحترميني، فأنا زوجك.
وبعد مسيرة ثلاثة أيام، وصلا إلى كوخ في غابة كثيرة الأشجار، ففتحه الزوج، وقال لها: أدخلي هذا بيتنا، وهنا سنعيش!!
ندمت الأميرة وتحسّرت وبكت بمرارة، وطلب زوجها منها أن تعد طعام العشاء، فقامت تقطع الحطب من الغابة بيديها الناعمتين، وطفقت تشعل النار، وتأثر وجهها وشعرها بلهيب النار، وبرغم عنائها لم تستطع أن تجيد طهو الطعام، لأنها لم تتعود على هذه الحياة، فقد كان الخدم والحشم في قصر أبيها يتنافسون في إرضائها، وقضاء حوائجها، وتلبية رغباتها!!
بكت الأميرة كثيرًا، فنامت وهي تبكي بحُرقة، وقد أسندت رأسها إلى حائط الكوخ.. وفي الصباح الباكر أيقظها زوجها، وأمرها بأن ترعى شؤون بيتها، فأعّدت الطعام، ونظفت البيت ورتبته وغسلت ثياب زوجها.
ولما كان الزوج فقيرًا، فقد أشترى لزوجته خيوطًا لتنسجها وتبيعها، كما أشترى لها أواني من الفخار لتبيعها في السوق تبتغي مكسبًا ماليًا، لتعين زوجها على أعباء الحياة، وأضطرت أن تصنع ذلك بمعاناة.
وذات يوم أقبل فارس مسرعًا إلى السوق، فداس فرسه الأواني الفخارية وحطمها، فحزنت الأميرة وزوجها لهذه الخسارة، وأضطرت أن تعمل أعمالًا إضافية تساعد بها زوجها، فوجهها زوجها لتعمل خادمة في مطبخ قصر الأمير وقضت أيامًا متعبة في عمل مستمر، وكان الملك يستعد لتزويج ولي عهده، لذلك كان الجميع يعملون في نشاط.
خرجت الأميرة من المطبخ لتشاهد ما يُعَد لحفل زفاف الأمير، فتذكرت قصر والدها الكبير، فحزنت، وتألمت، وبكت لما تعانيه من شقاء، ولدوران الأيام عليها، وراجعت نفسها ولامت ذاتها لما أقترفته من كبر وعلو وإعجاب بالذات.. وبينما هي غارقة في أفكارها هذه إذا بولي العهد يُقبل إلى الغرفة حيث تقف هي، فنظرت إليه فإذا هو الأمير «بهلول»، وأقترب منها وأمسك بكتفيها، فخافت وحاولت الهروب منه، فقال لها لا تخافي مني لقد آلمني تكبّرك عليّ، فعاقبتك على سوء تصرفك، إنّ عازف القيثارة الذي تزوج منك هو أنا، وأنا الفارس الذي حطم الأواني في السوق، لقد تنازلت عن كبريائك، ولذلك فقد قررت أن أحتفل بعرسنا هذا المساء، وصارت الفرحة فرحتين فرحتي بك عروسًا هذه الليلة، وفرحتي بك بعد أن شفيت من داء
التكبر والعجب بالنفس.
أدخل الأمير عروسه القصر، وأرتدت ثيابها، ووضع الملك على رأسها تاجًا مرصعًا بالجواهر، وفرح الجميع، وتعاملت الأميرة مع الجميع بخلق جميل، وعاشت سعيدة هانئة.
كثيرًا ما راسلتني زوجات يردن إقتناص تأييدي كي تطلب الطلاق من زوجها، لأنها لا تراه كفوًا لها بعد أن أنجبت منه أولادًا، أو لأنها أشرف منه وأفضل!!
وما أكثر البنات اللائي تأتيهن فرص عظيمة، فيتقدم إليها صاحب خلق أو علم أو دين، أو من آتاه الله نعمًا أخرى فيرفضن ويبطرن النعمة، فتكون العاقبة وخيمة.. وما أكثر الزوجات اللاتي يتكبرن على أزواجهن بعد الزواج، لأنها فاتنة الجمال، أو بنت فلان أو من عائلة علان، أو قبيلة كذا، أو لأنها حاصلة على شهادة كذا، وكان أبوها فلانًا الذي تقلد المناصب، ومثل هؤلاء المعجبات بالذات نهاية حياتهن الزوجية معروفة، والعاقبة محتومة.
قل إن الفضل كله لله
قفي يا من تكبّرت وأُصبت بالإعجاب مع نفسك وقفة إيمانية، وأعلمي أن جمالك وحسبك ونسبك ليس لك فيه فضل، إنما الفضل كله يرجع إلى الله تعالى، ولذلك فمن الحكيم قولهم: «من حاسب نفسه اليوم ربح، ومن غفل عنها خسر، ومن نظر في العواقب نجا، ومن أطاع هواه ضل، ومن علم عمل، ومن أبصر أعتبر، فعلم أن الفضل كله لله».
وإليك -أختي وبنيتي- هذه الأقوال فتأمليها، واجعليها لك دواًء من داء التكبر والعُجب:
● حين أستغرق القوم مشاهدة النعم، وعميت بصائرهم عن المنعم، وشغلوا أنفسهم بالخلق عن الخالق، وغاب عنهم أنه ما أنعم عليهم إلا ليدلهم على نفسه وما شملهم بفضله إلا ليسلكوا طريق شكره، ظهر فيهم داء العجب والتكبر!!
● حين غاب الثقات، وأنتشر أصحاب النقائص والعورات، ظن الأعمش أنه حاد البصر، وتصور الغراب أن نعيقه يطرب، وتفاخر الأعرج بمشيته.. فقد أصيب الجميع بالعجب، وتكبرهم هنا أضرّ وأعجب!!
● حين أراد «إبليس» أن يؤمّن مستقبل الإفساد، وأن يكون له وريت شرعي في التكبر، وأنيس يملأ النار عليه أنسًا -وأنى لهما ذلك، فليس في النار أنس، لكنه عذاب أليم- لم يجد بُغيته إلا فيمن أصيب بداء العُجب والتكبر.
نحو علاج عملي لداء التكبر
أولًا: أتهمي نفسك وعاتبيها:
فتلك سمة من أهم سمات المؤمنين، فتأملي هاتين الآيتين الكريمتين:
الأولى: ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (سورة الذاريات: 18)، قال القشيري: «أخذ عنهم أنهم مع تهجدهم ومعاشهم ينزلون أنفسهم منزلة العاصين، فيستغفرون إستصغارًا لقدرهم، وإستحقارًا لفعلهم» «لطائف الإشارات : 3/463».
والثانية: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ (سورة لمؤمنون: 60).
قال القشيري: «يخلصون في الطاعات من غير إلمام بتقصير، أو تعريج على أوطان الكسل، أو جنوح الإسترواح بالرخص، ثم يخافون كأنهم ألموا بالفواحش، ويلاحظون أحوالهم بعين الإستصغار والإستحقار، ويخافون بغتات التقدير وقضايا السخط، كما قيل:
يتجنب الآثام ثم يخافها
فكأنما حسناته آثام
وكان الحسن البصري يقول: «ليس لأمثالنا نوافل، إنما النوافل لمن كملت فرائضه» «تنبيه المغتربين، ص ١٤٧».
وكان الفضيل بن عياض يعاتب نفسه: «يا فضيل، كنت في شبابك فاسقًا ثم صرت في كهولتك مرائيًا، والله للفسق أهون من الرياء» «تنبيه المغتربين، ص ١٠٩».
ثانيًا: أرتقي بنفسك:
فالإتهام يجب أن يتبعه إرتقاء، لأن أيامك -يا أمة الله- قليلة محدودة مكدودة، ومن ثم فالكيّس الفطن لا يهدأ له بال إلا إن أيقن أنه نجا من التكبر والإعجاب، فإن لم يكن متواضعًا فهو معجب متكبر، ولا يكفي أن تتهم نفسك وتعاتبها فقط، وإنما ينبغي أن يتعهدها بالعلاج والدواء.
ثالثًا: عليك بعبادة القلب:
فعبادة القلب أربح، لأنه لا شك في أن الإخبات والخشوع والإنابة، ومعاتبة النفس إنما هي عبادات قلبية لا يطلع عليها أحد إلا الله، فلا يعلم أجرها وعائدها إلا هو سبحانه، ولعل مثقال ذرة منها ترجح أمثال الجبال من عبادة المغترين المتكبرين، لذا فقد قال الزاهد الواعظ يحيى بن معاذ: «كم من مستغفر ممقوت، وساكت مرحوم، هذا استغفر الله وقلبه فاجر، وهذا سکت وقلبه ذاكر» «صفوة الصفوة: 4/63».
رابعًا: أنظري في مرآة السلف:
تطلعي معي -أختى وبنيتي- إلى هؤلاء النجوم، لتقضي على عجبك بذاتك، فهذا أبو بكر وعمر رضي الله عنهما يتسابقان في خدمة عجوز، وفي تنظيف خيمتها!!
كما أخذ عمر بيد صبي وقال له: «أدع لي، فإنك لم تذنب بعد» «سيرة ومناقب عمر الخطاب: ص ١٤٣»، وهذا عمر يقول لما راجعته المرأة في المهور على ملأ الناس: «أخطأ عمر، وأصابت إمرأة»، وهذا سيدنا وسيدهم محمد ﷺ علم الناس أجمعين التواضع، وتجنب العجب والتكبر.
خامسًا: خذي الجرعة تلو الجرعة:
فجرعة من التواضع تسهم في الشفاء، ومن ثم عليك أن تُتبعي الجرعة بجرعة أخرى، فإذا لقيت أحدًا من الناس، وإن شعرت بتكبر على زوجك فقولي: عسى أن يكون عند الله خيرًا مني، وأرفع درجة.
شرب الإمام الشافعي من جرعات التواضع حتى أرتوى، وروى، وأستفاد ، وأفاد، وكان يرحم الله يزور الإمام أحمد مع أنه أستاذه، فعوتب في ذلك فأنشد:
قالوا: يزورك أحمد وتزوره
قلت: الفضائل لا تغادر منزله
إن زارني فبفضله أو زرته
فلفضله فالفضل في الحالين له
ولذا فقد سما ورفعه الله، وهو القائل:
تواضع تكن كالنجم لاح لناظر
على صفحات الماء وهو رفيع
ولا تك كالدخان يعلو بنفسه
إلى طبقات الجو وهو وضيع
سادسًا: الإعتبار بعاقبة المتكبرين:
فأنظري -بنيتي وأختاه- إلى عاقبة مَن تكبروا، فأني بكسرى يحمل متاعه، وقارون
يغرق وربي يقول لنا مرغبًا إيانا في التقوى والتواضع: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (سورة القصص: 83).
ولله در الشاعر إذ يقول عن المتكبر:
مَثَل المعجب في إعجابه
مَثَل الواقف في رأس الجبل
يُبصر الناس صغارًا وهو
في أعين الناس صغيرًا لم يزل
سابعًا: عليك بالوصفة الثلاثية:
يقول الإمام الشافعي: «إذا خفت على عملك العجب فاأذكر رضا مَن تطلب، وفي أي نعيم ترغب، ومن أي عقاب ترهب، فمن فكر في ذلك صغر عنده عمله» «سير أعلام النبلاء: 10/42».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل