; في مجرى الأحداث.. رسالة إلى حركة حماس | مجلة المجتمع

العنوان في مجرى الأحداث.. رسالة إلى حركة حماس

الكاتب شعبان عبد الرحمن

تاريخ النشر السبت 05-فبراير-2005

مشاهدات 63

نشر في العدد 1637

نشر في الصفحة 17

السبت 05-فبراير-2005

بين ضجيج انتخابات رئاسة السلطة الفلسطينية وسيرك الانتخابات العراقية مرت الانتخابات البلدية في قطاع غزة دون أن تحظى بالاهتمام الإعلامي الذي تستحقه, رغم أنها لو وضعت على كفة الميزان فستكون الأرجح من حيث المقاييس الانتخابية الناجحة, لسنا هنا في معرض المقارنة التفصيلية بين الانتخابات الثلاثة، لكننا فقط أردنا تسجيل أن انتخابات غزة حظيت بمقاييس النزاهة والشفافية والتمثيل الحقيقي للناخبين. 

ومع ذلك لم تحظ بما تستحق من الاهتمام الإعلامي, لكنها حظيت بلا شك باهتمام وتحليل الأجهزة السياسية في الغرب وخاصة الولايات المتحدة والعديد من الدول العربية، وإن كان ذلك لم يظهر إعلاميًّا، والسبب معروف وهو الفوز الساحق الذي حققته حركة حماس في هذه الانتخابات بحصولها على سبع دوائر من إجمالي عشر (۷۷مقعدًا من إجمالي ۱۱۸ مقعدًا).

وإذا أضيفت هذه النتائج إلى نتائج الانتخابات البلدية في الضفة الغربية التي حصلت حماس فيها على ٥٠% من المقاعد، فإن لذلك دلالة مهمة؛ لأنها تثبت الشرعية الشعبية لحماس بما لا يدع مجالًا للهروب أو المراوغة من أي طرف آخر في السلطة، أو في الغرب, أو حتى في الكيان الصهيوني.

وهي تجعل كل الأطراف الذين يتحدثون عن شرعية أبو مازن كرئيس منتخب لا تستطيع إنكار أو إغفال شرعية حماس الشعبية، وإن كانت شرعية حماس الانتخابية أقوى بكثير من شرعية أبو مازن؛ فالذين صوتوا في انتخابات أبو مازن هم ٤٣، بينما إجمالي التصويت في الانتخابات البلدية في الضفة وغزة يصل إلى ٩٠ وهذه النتائج بهذه النسبة الكبيرة لحماس وضعت الذين يتحدثون عن إنهاء عسكرة الانتفاضة «أبو مازن وفريق أوسلو» والذين يتهمون حماس بالإرهاب ويصنفونها في الغرب كمنظمة إرهابية وضعتهم في مأزق؛ لأنها جعلتهم في مواجهة الشعب الفلسطيني الملتف في معظمه حول حماس, لكن حماس من جهة أخرى أصبحت بعد هذه النتائج أمام مسؤولية كبرى وأمام اختبار شعبي شبه يومي، فالمجالس البلدية كما هو معلوم مجالس خدمية تتداخل في حياة الناس اليومية ومشكلاتهم واحتياجاتهم.

ولا شك أن حماس لديها خبرة واسعة في ذلك كحركة شعبية, أفرزها بداية الحس الوطني والغليان الشعبي ضد الاحتلال، ورغم ذلك فالحركة ستكون مطالبة بأداء نموذجي في المجالس البلدية مقابل الثقة النموذجية التي حصلت عليها من الناخبين، هذا من جانب, ومن جانب آخر -وهذا في غاية الأهمية- فإنني أعتقد أنه سيكون من الأصوب والأفضل ألّا تنفرد حماس بإدارة المجالس البلدية التي فازت فيها, وحبذا لو تسعى إلى إشراك كل القوى الأخرى معها في الإدارة، وذلك يمكن أن يتم من خلال تشكيل مجالس استشارية تضم المرشحين من شتى الاتجاهات حسني السيرة والمشهود لهم بالنزاهة والوطنية، والذين لم يوفقوا في النجاح وتكون وظيفتها تقديم المشورة والمشاركة في تقديم حلول للمشكلات المزمنة، وما أكثرها في وطن محتل! إن هذا ليس معناه أبدًا تخلي حماس عن الثقة التي حصلت عليها من الجماهير، ولن يكون أبدًا دليل عجز على عدم مقدرتها على الاضطلاع بواجباتها, وإنما ذلك يحقق أمرين مهمين: 

أولًا: مد الجسور وتحقيق التعاون اليومي مع المخالفين في التوجه السياسي أو حتى الفكري, وبالتالي وضع نموذج للتعاون وإثبات أن الخلاف في الرأي أو التوجه لا يحول دون التعاون من أجل خدمة الوطن الواحد والشعب المطحون تحت آلة الاحتلال.

ثانيًا: تقديم رسالة إلى كل الفرقاء من القوى السياسية الذين لم يحالفهم النجاح أنه رغم أن صندوق الانتخابات أعطى الإسلاميين الحق في الانفراد بإدارة معظم المجالس البلدية إلا أنهم –الإسلاميين- لن يحتكروا الساحة وسيجعلونها مشاركة لا مغالبة، وهذا لا شك يقطع الطريق على وساوس الحنق والحقد التي تتفاعل في القوى السياسية الخاسرة, وتدفعها للتحالف ضد هذا الفائز الذي همشها وأخرجها من الساحة، فوجبت محاربته والكيد له لكسر شوكته.

وهذه كانت إشكالية الحركة الإسلامية في مصر مثلًا, فقد وجدت نفسها بعد فوزها الكاسح والمتكرر على مدى سنوات في النقابات المهنية والاتحادات الطلابية، ونوادي هيئة التدريس، وجدت نفسها أمام طوفان من الحنق السياسي من القوى السياسية الأخرى، رغم هامشيتها، كما وجدت نفسها أمام حرب لا هوادة فيها من الحزب الحاكم الذي تأكد من شعبية الحركة الإسلامية الكبيرة, والتي إن وضعت على المحك في أي انتخابات فستكون مفجعة بالنسبة له.

إن للنجاح الكاسح ضريبة لا بد أن يدفعها الناجح، خاصة في حالتنا العربية الراهنة، وقد يكون من الحكمة أحيانًا النجاح بالقطارة, أو التنازل عن بعض النجاح إن كان كاسحًا.

الرابط المختصر :