العنوان رسالة من سيبويه- أنقذوا لغة القرآن
الكاتب علي لطفي
تاريخ النشر السبت 11-فبراير-2006
مشاهدات 77
نشر في العدد 1688
نشر في الصفحة 54
السبت 11-فبراير-2006
تواجه اللغة العربية مشكلات جمة نتجت عن تراكم أخطاء كثيرة عبر السنين منها ما يتعلق بوضع اللغة نفسها ومنها ما يتعلق بأحوال الناطقين بها ومنها ما يتعلق بظروف خارجة عن الإرادة ناتجة عن ظروف سياسية واستعمارية.
وقد أدت هذه المشكلات إلى تدهور واضح في اللغة العربية ترتب عليه تدهور أكثر وضوحا في حياة الشعوب الإسلامية والعربية.
فبالنسبة للغة العربية كمنهج دراسي أصبح النحو يمثل عبئاً ثقيلاً تعلمه، وأصبح التلاميذ يهربون من تلك المادة، وقد يكون معهم بعض الحق، فالعامية تزحف زحفا على الألسنة في المدرسة والشارع، ووسائل الإعلام بكل أنواعها، وبالتالي فقد نفر الطلاب من الفصحى وزهدوا في تعلم النحو، ساعد على ذلك صعوبة المناهج، ورداءة العرض وعدم وضوح الرؤية وأيضا ما زالت مقررات النحو المدرسية تتسم بالنمطية والعقم، وعدم ملاءمة روح العصر، فهي ما زالت تستخدم لغة عفى عليها الزمن وتراكيب قديمة هجرتها الألسنة وأمام كل هذه المعوقات والمشكلات يقف الطلاب حائرين بين هجر اللغة العربية أو حفظها بلا فهم أو وعي.
بين هجر اللغة وهجر القرآن
تدهور اللغة نتج عنه خطر عظيم تمثل في هجر القرآن الكريم وعدم فهم معانيه.
ولحرص العلماء المسلمين على اللغة فقد اشترطوا إتقان اللغة العربية لفهم القرآن الكريم، فاللغة العربية هي: لغة العبادة ومحورها، وأي قصور في اللغة سينتج عنه بلا شك قصور وخلل في العبادة.
وقد اعتبر النبي صلى الله عليه وسلم اللحن في اللغة من الضلال، فقد سمع رجلاً يلحن في كلامه فقال: أرشدوا أخاكم فقد ضل.. لذا بات من أسمى الأهداف وأعظمها أن نعمل جادين وبدأب من أجل حفظ اللغة العربية، التي هي وعاء القرآن الكريم، من التحلل والاندثار فضياع اللغة ضياع للقرآن الكريم.
قلب الأمة النابض
كما أن اللغة أيضاً جسر التواصل بين الشعوب والأمم، وبضعف اللغة تضعف تلك الصلة وتتلاشى، فاللغة كانت وما زالت جامعة الشعوب ومؤلفة القلوب، ومن عجب وطننا العربي تعجز كل العجز عن فهم إخوة لنا في الدين واللغة بسبب كثرة اللهجات وتعددها، ونحن في سبيلنا للاهتمام بدراسة اللغة فإننا نرنو إلى جمع شتات الأمة العربية والإسلامية على لسان عربي مبين بحيث تربط مصائر تلك الشعوب وتوجد كلمتهم ليجتمعوا على هدف واحد.
كما أن اللغة هي حامي التراث وحارس الثقافة وكل أمة من الأمم نقاس بحضارتها وما خلفته من تراث ولقد خلفت الحضارة الإسلامية تراثا ضخما في شتى الميادين. ولا سبيل إلى حفظ هذا التراث، وتلك الثروة إلا يحفظ اللغة التي كتبت بها. وثمة أمر آخر لا يقل أهمية عما سبق وهو أن نشر اللغة العربية بين الشعوب الإسلامية يعمل على نقل الإرث الثقافي والتراث الحضاري إلى إخواننا في شتي البقاع إذ إن هذا التراث الإسلامي يفتقد الكثير من جمالياته وإبداعاته عند ترجمته إلى لغات أخرى، وباهتمامنا بموضوع اللغة العربية سوف نحفظ ثقافة الأمة وتراثها من الضياع.
هناك من ينادي بإلغاء بعض قواعد اللغة التي استقر عليها علماء الأمة عبر السنين ومنهم من تجاوز ذلك ووضع كتاباً سماه (لتحيا اللغة العربية .. يسقط سيبويه) حيث يطالب بإلغاء بعض القواعد النحوية الأساسية كالمخالفة بين العدد والمعدود، والتخلص من صيغة المثنى والتخلص من نون النسوة، ومن نصب المفعول به.. إلى غير ذلك من الدعوات التي جاءت في الكتاب في إشارة أراها ماكرة لهدم أسس اللغة كما سمعنا من ينادي بترك الحروف العربية واستبدال حروف لاتينية بها. وذلك تحت دعاوى باطلة وحجج واهية، لكن الغرض الحقيقي منها هو القضاء على لغة القرآن الكريم، ووأدها في نفوس أبنائها.
من أمارات الثقافة!
كما أنه من دواعي الأسف أن نجد كل الأمم تعتز بلغاتها وآدابها إلا الأمة العربية، فمثلاً دولة فرنسا تسن القوانين وتفرض العقوبات على من يستخدم غير اللغة الفرنسية في المخاطبات الرسمية، وكذلك من يستخدم اللغة الفرنسية في الملصقات الدعائية وأسماء المحال والشركات التجارية، وذلك حتى تبقى اللغة شاهدة حاضرة أمام أعين الجمهور فإذا ما نظرنا إلى مجتمعاتنا الإسلامية والعربية لحظنا تشوها واضحا أصاب اللغة العربية، فالمثقف يعلن عن ثقافته من خلال تحدث الإنجليزية والفرنسية، كما أن الخطابات الرسمية صارت في معظمها تكتب بلغة أخرى غير اللغة العربية ناهيك عن حالة التردي والفوضى التي أصابت جموع الناس من استخدام تراكيب غريبة في التعبير وإطلاق ألفاظ مستهجنة على أسماء المحال التجارية وغيرها من المرافق أمام كل هذا يصير موضوع اللغة هدفاً والاهتمام بدراستها واجباً لإصلاح هذا الخلل وذلك القصور.
قبل أن ينفرط عقد اللغة فإننا ندق ناقوس الخطر لكي نعيد للغة هيبتها، ونحن في سبيلنا لتحقيق ذلك الإنجاز لابد أن نتوخى الحذر، فالموضوع جد خطير.. لذلك لابد أن توظف كل الإمكانات البشرية والفنية وأن تحشد كل الطاقات أملاً في إصلاح التشوه البالغ الذي أصاب وجه اللغة العربية.
ما السبيل؟
إننا نهيب بالمسؤولين وأولي الأمر في شتي المواقع وعلى كافة المستويات أن يتبنوا سياسة واضحة ومحددة تهدف إلى تحقيق الآتي:
- تقديم اللغة للدارسين في قالب جذاب يتسم بالسهولة والمتعة وتقديم قواعد النحو والصرف بشكل منهجي صحيح مع الرجوع إلى أصح الآراء وأرجحها والبعد عن الآراء الضعيفة والخلافات النحوية حتى لا يحدث أي لبس لدى الدارس وحتى لا ندخل في خلافات لغوية تؤدي إلى عقم المادة ونفور الطلاب منها.
- استخدام الطرق المنهجية الحديثة والاستفادة القصوى من أحدث الأساليب العلمية والتكنولوجية بحيث نوظف إمكانات الكمبيوتر والإنترنت كوسيط لتقديم المادة من خلال فنون المالتيميديا ومن خلال الرسوم المتحركة عالية الجودة بهدف تحبيب الطلاب في مادة النحو لكي يقبلوا عليها بشغف.
- الارتقاء بشأن اللغة العربية وتفعيلها في المحافل الدولية.
- تبني سياسة إعلامية واعية على المستويين العربي والإسلامي تهدف إلى الارتقاء باللغة العربية وتعميمها وتعميق روح الانتماء لها وتشجيع الجماهير على دراستها والتحدث بها في الحياة اليومية وذلك من خلال الرسائل الإعلامية المختلفة.
- سن القوانين واللوائح التي تلزم المواطنين باستخدام اللغة العربية في المكاتبات الرسمية في المؤسسات والمرافق العامة والخاصة وإلزامهم أيضاً بإطلاق الأسماء العربية على الشوارع والشركات والمحال التجارية ومعاقبة كل من يخالف ذلك.
- تبني سياسة مدركة تهدف إلى مد جسور التواصل مع المسلمين في شتى أنحاء العالم وجمع شتاتهم على لسان عربي واحد وذلك من خلال تفعيل برامج تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها.